منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الصورة المزيفه
الموضوع: الصورة المزيفه
عرض مشاركة واحدة
قديم 28-07-2006, 11:42 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
روان الأحمد
أقلامي
 
الصورة الرمزية روان الأحمد
 

 

 
إحصائية العضو







روان الأحمد غير متصل


افتراضي الصورة المزيفه

الصورة المزيفة
8/2/2006


تصدح ترانيمُ القُداس من أبراج الكنيسة ، و تتأهب أجراسها لتُقرع مُعلنة بدأ العامِ الجديد ، رُغم أنف نلك الرياح الباردة المحملة بعاصفة ثلجية قريبة .
تتلوى الأجساد داخل الفراش الدافئ، وتزيد الأنفاس المتسارعة كمية الدفء المحبوس داخل الغرف ، و صفائح الحديد المغطية أسقف ذلك المخيم تقاوم ريحا تنفضها بلسعاتها، أما هو فيقف متأملا من شرفته التي لا قيود لها ساحة المخيم المظلمة لولا ضوء القمر، الفارغة إلا من ورقيات تأتي بها الرياح وتجئ ... متسائلا إن كان يجب عليه أن يخرج في هذا الجو البارد ؟...لكنه مل تأملا بغير جدوى فعانق نفسه شاهقا أطراف الريح بقوة، ثم ولج إلى الداخل ليتكوم حول ألسنة ناره المتطاولة ... أحس بالجوع يجفف مريئه فتقدم نحو طاولته الخشبية حيث تتكوم علب بلاستيكية و معدنية ؛ ليصنع من الزيت والسكر وليمة تثير رغبته في الحياة، و لكن الزيت المجمد زاد من طول جوعه ساعة أخرى حتى تتمكن النار من إذابته، وفي انتظار وجبة الشتاء تلك تمدد على سريره الحديدي غير آبه بالبرودة التي أرسلها لجسده وأخذ يركل بأظافره مرآته المكسورة القائمة على ارتفاع منه غارزا نظراته بالسقف المصفر، ثم نهض متوترا يحرث أرض الحجرة ذهابا وإيابا تسيره أفكار لعينة تشل تفكيره ، وأخيرا تناول من على الطاولة علبة معدنية محدثا صوت ارتطام قطع معدنية ببعضها، فتحها متفحصا داخلها بانزعاج ثم أعادها وهو عازم على الخروج من هذا المخيم النائم مرتديا بذلة حمراء وقبعة مخروطية الشكل، وقد غطت وجهه لحية بيضاء تزيد من عمره عشرين سنة أخرى ينتشل فوق ظهره المحمل بهموم اليوم كيس من الخيش الذي تفتقت جوانبه الهرئة عن قطع ألعاب كان قد دفع كل كلمات التذلل والتوسل التي تعلمها طول سني عمره في سبيل إسترجاء صاحبها قبول إعطائه هذه الألعاب مقابل ربع ثمنها -الذي لا يملك غيره- على أن يدفع له ثمنها كاملا في صباح أول يوم في السنة الجديدة... ففي مناسبة عيد الميلاد الذي لا تكرر في السنة إلا مرة واحدة كان لا بد أن يكون أحد المشاركين في جمع مكاسبها المالية أملا في سد أفواه الضرائب الجائعة أو لعله يبقيها كسابقاتها في صندوقه المعدني لاستخدامها في مشروع آخر... وصل السوق وعيناه تتنقل باحثة في أرصفته -التي تكوم عليها أمثاله وسد ممراتها جمهرة لا بأس بها من المتسوقين – يبحث عن ركن يمكنه من الوقوف وقرع الأجراس مدللا على ألعابه، راسما على وجهه ابتسامة متجمدة... تمر الدقائق والساعات ولا زالت ألعابه باقرة كيسه دون أن يفجع منظرها أحد الأطفال ،فيقترب ويرى، وتصم الأذان عن صوت أجراسه القوية الممزوجة بصوته الحاد...تعصف الرياح الباردة بالأطراف المجمدة وتصلب الأغصان الناعسة ومازالت أجراسه تقرع وابتسامته المحفورة تتعلق بأمل البيع، يتلاشى المتسوقون أمام أنظاره القلقة و تنجلي عن السوق أصواتهم الصاخبة ولا يبقى إلا صوت أجراسه المنهكة وألعابه المتجلدة...ثم يفرغ السوق تماما إلا من قلائل قلة يجمعون أسمال ثوب خيبتهم الثلجي ويعودون رجالا...وأخيرا احتل اليأس أمله فغادر السوق مطرقا، جار أقدامه المثقلة بالانكسار، يحمل على ظهره الذي أضيف له هم آخر كيس الألعاب المبقور في حين بدأت السماء بإلقاء ثلوجها... تمنى لو تتحول الثلوج إلى قطع نقود تعوض خسارته الساحقة لما كان مطرا غدا لمراجعة كلمات التذلل والتوسل ليلقيها أمام صاحب هذه الألعاب من جديد لعله يعطيه مهلة تمكنه من بيع الألعاب بطريقة ما وتسديد الثمن... سمع أصوات ارتطام شيء بالماء، أحسن أن هناك من يتبعه، تباطأت خطواته وتلفت للخلف، فوجد أمامه صغير يحاول أن يلملم قطع من ثيابه الممزقة لعلها تجلب الدفء وقدماه العاريتان تتراقصان على أنغام البرد، ينظر إليه بفرح و يقول:
-بابا نويل..منذ زمن وأنا أنتظر قدومك، لقد بعثت لك برسائل كثيرة ولكن في كل عيد أترقب قرب وسادي هداياك دون جدوى.
-:أنا...أنا لست بابا نويل.
-:لقد قالت لي أمي ربما ينسى بابا نويل أخذ رسالتك معه.
-:قلت لك..أنا لست بابا نويل.
-: لقد رأيتك تسير بالقرب من نافذة حجرتنا، فعدوت إليك لأذكرك بهديتي.
-:أنا لست بابا نويل....بابا نويل خرافة.
صرخ الطفل :بابل نويل ليس خرافة أحلم به دائما، كل الأطفال يحملون هداياهم من بابا نويل، إلا أنا ينساني دائما وينسى كرة القدم التي أطلبها منه ...قلي هل أحضرتها...ثم تنفرج عن محياه ابتسامة ترقب لإجابة يتوقعها.
لكنه رد بحزم لم يخلق بعد: لا لم أحضر شيء لأني ببساطة لست بابا نويل، إنه خرافة، هيا عد للبيت قبل أن تتراكم الثلوج أكثر...وابتسم متنهدا وهم أن يرحل عندما أوقفته دموع الطفل المتحجرة في مقلتيه، أحس بهذه الدموع تسد أنفاسه وتتراكم بحنجرته فتخنقه، أنزل الكيس منهزما كمن يستسلم لحقيقة موته، جالت نظراته تتفحص الألعاب، تقدم الطفل بفرح وهتف:" كل هذه ...ألعاب"، ومد يده ليتناول إحداها عندما أمسك يده وقال:"لا هذه لست لك.." ثم قال متنهدا :"وليست لي أيضاً "،ثم حمل أمتعته وأخذ يركض بقوة هاربا من وحش الحقيقة مخلفا خلفه أصوات طفوليه تنادي على بابا نويل و تتهاووا.
وصل إلى غرفته المنارة بضوء القمر المنعكس على المسطح الثلجي، أغلق بابه بإحكام كمن يخشى قاتله، نظر من شرفته المطلة على ساحة المخيم الفارغة تماما فأحس بالسكون يلتهم أمنه، ويستفز شعور مزعج يملئ صدره، وكانت النار قد خمدت بعد أن التهمت كل خيرات الحطب، وعاد زيته المذاب للتجمد، وقد تسلل قليل من الثلج إلى داخل الحجرة، فأحس بالبردة تغرز سكاكينها في جسده، فهم إلى قداحته المهملة على السرير يستجدي النار عندما علقت نظراته بالمرآة المنتصبة على الجدار، وجل من ذلك العجوز الذي رآه، ومن نفسه التي شاخت، توالت أحداث اليوم تباعا...أحس بغضب يجتاحه....فلم يتمالك إلا أن ينتزع لحيته الثلجية و .... يبصق.



قد يخنقنا اليأس ... لكنه لن يفقدنا احساسنا بالأمل

محبتي ... روان






التوقيع

 
رد مع اقتباس