معلومات
العضو |
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.
النصّ الحائز على وسام الاحتراف الذهبيّ لأدب القصّة
نهر من لوعة
للأديبة المبدعة: وسام دبليز
صرختأمي وكأنني سأقترف عملاً معيباً: طفل أنبوب ؟ ماذا حدث لك يا بنيتي,هلفقدتِ عقلك ؟استغفري الله , اصبري وتوكلي على اللهِ والأنبياءِ والأتقياء , قدمي الأضاحي وتضرعي للرحيم .
آه يا أمي, أخطأتُ حين حملت أمومتي المبتورة إليك لعلََّ يدك تساعدني في الوصول إلى شواطئ الفرح وأن أحمل طفلي بين ذراعي .
حاولتِبكافةِ الأساليبِ إبعادي عن هذه الأفكارِ السّوداء, وأنت تُوقظين في روحيالخوفَ من غضبِ الله, فهذا عملٌ لا يرضيه , لم أستطع أن أقدمَ لكِ مايُقنعك , كنتِ تتخيلين أطفالاً على شكلِ أنابيبٍ ناطقةٍ متحركةٍ يأتون منعالمٍ أخر , كنتِ تسألين بعفويّة: كيف سيكون شكلهم ؟ كيف سأحملهم؟ لا ..لابدّ أنك فقدت صوابك يا بنيّتي .
هززتُرأسي أمامك وأنا أغلق الباب الأول الذي توسمت على عتباته الخير, خرجتُوجبلٌ من الحزن أقامَ في وجهي ,وعدت إلى البيت الذي ضاق بي بقضبانهِ وأخذيبخلُ علي بهوائه ,من أين لنا بهذا المبلغ وراتبُ زوجي بالكاد يسدُّنفقاتِنا اليوميّة؟
تحتثقل الديون جلسنا نبني غداً مشرقاً نحمل فيه طفلاً ينثر فوقنا الفرح حينيناغي لنا ,ومع إبر التحريض بدأنا نبني قصراً عالياً من الأمل نزرع حولحديقته الحبَّ وننصب لطفلنا الموعود أرجوحة من الياسمين, ونبني حوضاً منالفرح نغطسَ فيه حتى الغرق .
كلماتُالطبيبِ لم توقد شمعة الأمل فقط ,بل أشعلت مشاعل من حولي وشمساً أمامي ,حتى صرت أهذي بطفلٍ في أحلامي ,فأنام وأنا أغني له لاستيقظ على بكائه .
عافتنيالمرآة وأنا أقفُ أمامها ببطني المنتفخ ,أستديرُ في كافةِ الجهاتِ لأرىجسدي الذي تغيرت تفاصيلُهُ الرقيقة بفعل هذا القادم الصغير, وعبثاً أبحث فيفوضى ثيابي عن ثوب يناسبني، وأنا أحمل طفلي الممتلئ فلا أجدُ ما أدثر بهجسدي بتضاريسه الجديدة , وألمسُ الوسادة الصغيرة التي اعتادت موقعها اليوميتحت ثيابي ،وأهمس له :متى ستخرج ؟ متى سيزرع وجهك حياتي ورداً وعنبراً ؟
وعندماتمت زراعةُ ثلاث بويضاتٍ ملقحة في رحمي المتوقد تهتُ بين الوسادات الثلاث , وصار الشرشفُ الأبيضُ الوحيدَ القادرَ على تدثيري أنا وصغاري ..سيكونانذكرين وبنتاً ..علي ،غدير،زينب,أو بنتين وذكر زينب ،ميس،غدير.
المهم السلامة ..كنتُ أحلمُ بطفل ..طفلٍ واحدٍ فقط وهاهي ذي عدالةُ السماء تهبُني ثلاثةَ َأطفالٍ دُفعةً ًواحدة .
خمسةََعشرَ يوماً وتظهر نتيجةُ زرع البيوض , لكن لا داعي للنتيجة , فأنا أشعربهم في رحمي الذي يشع بعد ظلام دامس , ينمون ببطء وتمتد أصابعُهم البيضاءُالصغيرةُ أو ربما السمراءُ إلى روحي , مكانُهم الآن جوارَ قلبي تماماً , يمدُهم بالحب والدفء ويظلُلهم بالحنان .
بعيداً عن خوف أمي والناس رحت أخطو بحرصٍ على حافةِ الحذر وأبني أحلامي, قلقتُ على أطفالي من مجتمع يشير إلهم بأنهم من الأنابيب .
فوضعتلاصقاً على فمي كي لا تجرفني مشاعري وأخبرَ أمي المسكينة التي لن تأتي يومولادتي لمساعدتي كما ساعدت أخواتي ,لأنها بتأكيد ستخاف على الأنابيبِالصغيرةِ أن تنزلق من بين أصابِعها وتنكسرَ عند أول حمام لهم, وستخجل أمامالناس من هذا العمل المعيبِ الذي اقترفته ابنتها المثقفة.
هو ثوب التوترِ أحاط بزوجي ,بينما كنتُ أحاول زرع الأمل ,فأنا أم وأنا أشعرُ بِهم، ثلاثة ُأطفال أنبضُ ِبهم .
بمغلفٍمطوي استلمنا نتيجةَ َالتحاليل من المخبر, وكفراشةٍ رفرفت إلى الطبيب , بينما تَبِعني زوجي متثاقلاًَ ورائي ،هو العد التنازلي ..يستقبلنا بحب ..أكادُ أقاطعُه بلا تكلَّف :هيا أفتح المغلف ...
يضعنتيجة التحليل على الطاولة, تتعانق عيناي مع عيني زوجي للحظة, ثم تتشبثعيوننا بالمغلف وكأننا هران مستعدان للانقضاض على فأر صغير.
يسألالطبيب عن التعليماتِ والصحةِ والأخبارِ ومفاصلُ أصابعِ يدي تفرقعُ واحدةبعد الأخرى وقدماي تهتزان بشكل متواترٍ, بينما يطرق زوجي الطاولةَ َبأصابعهوالعرقُ يتصبب من جبينه.
أبتلعُ لعابي الجاف, وأشيرُ بيدي إلى المغلف مقاطعةً حديثَ الطبيب وكأنني أنهَرُه :كفى.. هيا افتحهُ .
فََتحالمغلف , فكاد قلبي يخلع عنه ثوب النبض، وتشبثت بكلمة تقف على لمى شفتيه ..ابتسم لي ..حبستُ ابتسامةً في داخلي , وبرقَ الأمل ..بينما غامت الدنيافي عيون زوجي أمام هذه الابتسامة .
أسندالطبيبُ ظهره إلى الوراء وشبك أصابعه ببعضهما البعض: لا أدري ماذا سأقول ..البويضا كانت من الدرجة الأولى ....وظروف الزرع كانت ممتازة ،ولقد بذلناالكثيرَ من الجُهد والعملِ المتقن و..
قاطعته بحدة وماذا بعد : أريد نتيجةَ التحليل .
كنت أدرك ما وراء الكلماتِ لكني أردت سماعها من فمه كي لا أسيئ الفهم .
بنبرةِ صوتٍ ضعيفة : لا يوجد تعشيش للبيوض التي زرعناها...لم يحدث حمل. ..
ابتسمت له:هل أنت متأكد من النتيجة ؟هل أعيد التحاليل ؟ربما هناك خطأ ما ,أنا أشعر ِِبهم .
بهدوء همس : لا ينبض قلب الجنين إلا بعد الشهر الثالث .
قاطعته :لكني أشعر بهم هم ثلاثة ..يوجد خطأ ما .
كلكلمات المواساة التي سكبها فوق روحي لم أسمعها , تهتُ في عالم اللاوعيللحظات خرجت متثاقلة أجر جسدي مثل سُلَحْفاةٍ ورأسي فارغ مثل كرة ماءمنفوخة ، فجرت قُنبلةَ حزني عندما وصلت إلى المنزل, وكأنني فقدت أطفالاًحملتهم تسعة وأرضعتهم عشرة وأحببتهم عُمراً.
يا لي من حمقاء لقد أقنعت نفسي بما لم أحمل ,ووصل الجنون بي لأشعر بأجنة لم تسكن رحمي للحظة .
الوساداتُ الثلاثُ ترامت أمامي كأجسادٍ صغيرةٍ فارقتها الروح, بعد أن ضجت شغباً وحباً في حياتي .
ارتميتُ فوقها وقد أصابني الجنون وأنا أصرخ بهم معاتبةً لماذا تركتموني ؟
سقطتْ روحي في بِئر الحُزن ووحدها كلمة ُماما كانت قادرة على الارتقاء بي .
الأطفاليتراكضون في ساحة العمر, وأرمُقهم بحسرة, أزقزق معهم وهم يتنقلون بينأغصان الحياة , أتمنى أن أتحول إلى غجرية تخطف ذلك الطفلَ الأشقرَ منأرجوحة فرحه لأهربَ به إلى عالم أخر ،حتى أنني بتُ أخافُ عليهم من لحظةجنونٍ تعصفُ بي وتحولني إلى سارقة أطفال.
سنونمرت وامتد الصقيع معها إلى فراشنا الزوجي, وأخذت أعاتُبه بعيني فيجيبنيقلبُه :أنت السبب ..ما ذنبي حتى أُحرم من طفل يحمل اسمي ويسعد أمي .
ويعاتبنيبنظراته فتبكي روحي :أنتَ السبب ..ما ذنبي أن أعيشَ مبتورةَ الأمومة ,أنأحرم من كلمة ماما ألا يضيءَ رحمي لطفلٍ ولا يتدفقَ الحنانُ من نهدي لثغرٍ ولا تورقَ صحراء صدري لجسد ابني وهو بين يدي , لطفلٍ يحفرُ وجهه بعينينمغمضتين بين هضابي باحثاً عن ينبوع حبي المتوثبِ للعطاء،طفلٌ يدندن ٌعلىأوتار أُذني ,ويقلب حياتي رأسا على عقب فُيثير الفوضى في ترتيب منزلي.
بعد سنين عاد ذلك الأملُ ليدغدغَ مشاعري ,أريد طفلاً لا بدَّ من نجاح عمليةِ الزرع هذه المرة...نعم طفل ..سأحاولُ مئاتِ المرات .
وأمام رفضِ زوجي جلستُ راكعة أمام قدميه أطلب منه الرحمةَ َبقلبي والمحاولةَ َمرةً أخرى.
وعدتُإلى المركز وأنا أُعُد نفسي لطفل ولأملُ جديد , وعادت الوسادةُ لتستقرَتحت ثيابِي وأنا ألتهمُ نفسي أمام المرآة بجسدي الجديد ،لعله حلمي الوحيديمزق شرنقته ويرفرف إلى النور ،يستقر بحب بين ذراعي فأهديه من فيض أمومتينهراً دائم التجدد في العطاء، يصب في بحره الصغير فيفيض عليه حتى الغرق.
يقال الأمل يصنع المستحيل ،سأتمسك بك حتى تصبح حقيقتي الوحيد ،أليس كذلك يا صغيري ؟
رنينالجرس يزف فرحتي بحمامك الأول ،تدخل أمي بخطواتها المترددة وهي ترشق وجهيبتلك النظرة الحزينة، أطلب منها نزع الثياب عن جسدك ريثما أجهز لك حمامكالصغير ،ومن بين تلك الردهة التي تصل الحمام عن غرفتك ،يأتيني صوتهاالمكتوم بنشيج حزين ،يخترق أذنيَّ كرصاصة ،أهرول إليها ،فأجدها أمام سريركتحفر وجهها في الوسادة وقد تناثرت "ديارتك "على الأرض ثم تضمها بصرخة ألمإلى نار صدرها
الرابط:
http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?
|