كـَوابيسُ سنواتِ السنابلِ الفارغةِ
والبقراتِ العجاف
سلام عليك أيها الشاعر المغامر بالسفر ليلا إلى خارج رواية التاريخ وأنت تتلمس بعصاك الشعرية طريقك المسكون بأكوام من العتمة التي تتخللها أصوات غامضة لم تنبعث إلا من عقلك الباطن .
أستاذي الكريم خالد صبر سالم !
لولا أنك استبقت نقدي هذا واحتميت بكلمة ( كوابيس ) في عنوان قصيدتك لعرفت كيف ألومك على تغييرك هوامش قصة قرآنية كان من الأجدر التماس الحذر من الخوض في خيالها الكابوسي خشية امتداد هذا الخيال إلى معالم الحقيقة فيها . لكنك تقول
كوابيس ) فأين أنا من مؤاخذتك بما مضيت َفيه ؟
لقد أبدعت بتضخيمك للتفاصيل الكابوسية فجعلت ضغطها النفسي المؤلم يتركز في بشاعة صورها وفي تعدد هذه الصور التي عرضتها بإلحاح يصل إلى درجة اللامهرب منها ..كما هو الحال في السياق الكابوسي بحق ..إن مجرد مواجهة هذه الألفاظ دون الربط بينها يثقل كاهلنا (هراوات ..صلبان .. قضبان حديد ..سياط ..أفاعِ...حبال مشنقة .. سكاكين ..صديد.. أعين غائرة في المحاجر ..وجوه غادرها لون الحياة ..ضروع يابسة ..ذباب ...قذارات ..) فيا لك من فنان تشخص حالة الكابوس وتراقبها بحدس طبيب نفسي بارع ..
فلنقرأها للمرة الثانية
أيُّها الصِّدِّيقُ:
ما قـَوْلـُكَ في هَذي الكـَوابيسِ التي تـَأتي إلـيْنا مُرْعِباتْ؟
أفـْتِنا
إنـّا نـَرى جَمْعَ سَنابـِلْ
فارغاتٍ يابساتْ
واقفاتٍ كـَهَرَاواتٍ ، كـَصُلـْبانٍ ، كـَقـُضـْبانِ حَديدٍ
كـَسِياطٍ ، كـَأفاعٍ ، كـَمُدًى
كـَحِبالِ المِشـْنـَقهْ
أفـْتِنا في بقـَراتْ
أوْجُهٍ غادَرَها لـَوْنُ الحَياهْ
أعْيُنٍ غارَتْ بَعيداً في المَحاجـِرْ
كـَكـُهوفٍ مُظـْلماتْ
واُنوفٍ رَشـَحَتْ سَيْلَ صَديدٍ فوقَ أشـْداقٍ تـَرَهَّلـْنَ على أحْناكِها
شائِهاتٍ وسِخاتْ
وبَدَتْ آذانـُها واقِفـةً كالمُرْسِلاتْ
تـَلـْقـُطـُ الأصواتَ والآهاتِ في ثانيةٍ
ومُناجاةَ الضمائِرْ
والأغاني النازفاتْ
وبَدَتْ سِيقانـُها مِثـْلَ رماحٍ وحِرابْ
وضـُروعٌ ليسَ إلّا الجـِلـْدُ فيها
وذيولٌ ألـِفـَتْ لـِعْبَ الذبابْ
فهْيَ كـَسْلى لمْ تـَعُدْ تـَحْفـَظـُ فـَرْجاً فالقـَذاراتُ اسْتلابْ
***
ثم دوران حول حبكة القصة لاستلهام ما قد يثار في الذهن ثم يختفي فيه عند تقمص الشعور بالغدر فيها ..
أيُّها الصّدّيقُ:
إنـّا قدْ خـَرَجْنا نـَسْتـَبـِقْ
فإذا إخـْوانـُنا قدْ مَنـَعُونا الإسْتباقْ
إنـَّهمْ قدْ صاحَبوا الذئبَ وأعْطـَوهُ المَتاعْ
أشـْبَعُوهُ ، اتـّخـَذوهُ كنـَديمٍ ، شارَكوهُ الإغـْتباقْ
ثـُمُّ لـَمّا سَكِروا حتـّى انـْبلاجِ الشمسِ عندَ الانـْبثاقْ
هَيَّئـُوا الساحةَ كيْ يُجْرُوا السباقْ
لكنني عند هذا الحد أتهم الشاعر بتجاوز الخط الأحمر في واقع تاريخ القصة كما يوحي به القرآن ..
اتـَّفـَقـُوا إنَّ مَنْ حازَ على السَبْقِ لهُ أغـْلى وسامْ
هوَ أنْ يَمْنـَحَ للذئبِ حقوقاً باللـُّواطـْ
كـُلـُّهمْ كانوا حَريصينَ على نـَيْلِ الوسامْ
ثـُمّ لـمّا اخـْتـَـتـَمُوا اللعْبةَ جاؤوا
مَزّقوا قـمْصانـَنا ، صَبَغوها بدَمٍ كِذْبٍ
وألـْقـَوْنا عَرايا في الغـَيابَهْ
كثـْرَةُ الخـَمْرَةِ في أجْوافِهمْ قدْ جَعَلـَتـْهمْ يُغـْرقونَ الجُبَّ بالبَوْلِ
وكانوا يَضـْحَكونْ
ومَضـَوا نـَحْوَ أبيهمْ يَصْرَخونْ:
إنـَّهُ الذئبُ وهذا الدَمُ شاهِدْ
هكذا كانوا بحُزْنٍ يصرخونْ
***
إن واقع السرد الإلهي يوحي بأن أخوة يوسف كانوا متفاضلين من حيث شدة الحقد على يوسف فأحدهم رفض قتله واختار ما هو أرحم ليوسف عندما اقترح إلقاءه في الجب بدلا من قتله ..وما كان ذلك إلا ليلتقطه بعض السيارة كما هو متوقع من أخوته ..فلعل هذا الجزء البسيط من الرحمة كان سببا لاستغفار النبي الأب يعقوب لأولاده ...فإخوة يوسف لم يكونوا بتلك البشاعة المطلقة بل كان فيهم بعض الخير ..وتلك هي طبيعة الإنسان..
فهل يحق للشاعر استدرار الغضب على شخصيات قرآنية من المحتمل أن الله عفا عنها ؟؟؟
حينَ اُدْخِلـْنا على صاحبةِ القـَصْرِ العَفيفهْ
أصْدَرَتْ أمْراً بأنْ تـُخـْصِيَنا
فـَخـُصِينا
ثـُمَّ لـَمّا انـْفـَرَدَتْ في غـرْفةِ النوْمِ بنا أغـْلـَقـَتْ أبْوابَها
خـَلـَعَتْ أثـْوابَها
َأمَرَتْ أنْ نـَفـْعَلَ الفـُحْشَ بها
إنـّها هَمَّتْ بنا....................
لـَحْظـَةً ــ سَيَّدَتي ــ أنـَسِيت أنـَّنا .........؟!
فاسْتـَشاطـَتْ غـَضَـباً صارخةً:
نـَفـِّذوا أمْري وأنتمْ صاغِرونْ
نـَفـِّذوا أمْري وإلّا فالسّجونْ
***
وهنا أعيد ما قلته أعلاه ..فزليخا لم تكن شرا مطلقا ..لقد أمرت بسجن يوسف عليه السلام لدفع عقوبة الإعدام عنه ...كما يذكر بعض رواة التفاسير ثم إن زليخا لم تأمر بإخصاء من ربته هي في بيتها وتعهدته بكل عناية ورعاية ..ولن ننسى لها أنها في النهاية قد اعترفت بذنبها وتابت إلى الله كما هو حال إخوة يوسف
وإن كنا سنعذر امرأة على خيانتها فلتكن زليخا التي شهدت جمال يوسف الذي أذهل غيرها من النساء عن قطع أصابعهن فلم يشعرن بالألم لما أُخذن به من لذة النظر إلى جماله عليه السلام .
أيُّها الصِّدِّيقُ:
ما قـوْلـُك في رُؤْيا سَجينٍ؟ إنـّهُ يعْصِرُ جـِلـْداً لا عِنـَبْ
وسَجينٍ
حامِلٌ آنِيةً فارغةً
يَذْرُقُ الطيرُ عليها؟
***
أيُّها الصِّدِّيقُ:
إنـّا ما سَرَقـْنا إنـَّما الحرّاسُ قدْ كادُوا لنا
فلـَقـدْ دَسُّوا صُواعاً بينَ أحْمالٍ لنا
لـَفـَّقوا التـّهمةَ حتـّى يَأخذوا الأجْمَلَ فينا كـَرَهينَهْ
إنـَّهمْ كانوا يُجيدون اللـُواطـْ
وحتى هذه يا أستاذي الكبير خالد لم يهدك خيالك الشعري إلى كنهها ..إذا أن الفتية لم يرغبوا بأخذ أخي يوسف لأنه جميل بل لأن يوسف هو من قد أمرهم بذلك ..فكيف تلفق لهم حضرتك تهمة تقشعر منها الأبدان هداك الله ..
لعلي أغضبتك شاعرنا ..
لك التحية