منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.
عرض مشاركة واحدة
قديم 30-03-2014, 10:25 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
هارون غزي المحامي
أقلامي
 
إحصائية العضو







هارون غزي المحامي غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.

القصة الفائزة بالمركز الأول فى المسابقة .. السّاقية
بقلم/ محمد فطومي
الرّيح داخل ذاك المعتقل القديم المهجور تتجوّل، وهي وسط أروقته المخلوعة العفنة وتلهو بأبواب زنزاناته الصّدئة.
صفير أوّله شبيه بشهقة زرّاع الفتنة.. وآخره أدنى إلى فحيح الأفاعي.
المبنى يرسو فوق تلّة صخريّة عارية في عمق غابة لا تعرف تربتها أشعّة الشّمس.
تحيط به أشجار السّرو والصّنوبر من كلّ الجهات.. كان قبل أن يخلو من خمسين عاما حصنا منيعا ً، لا أمل للسّجناء في الهرب منه، وإن فعلوا فإنّ مصيرهم هو الموت جوعا ً أو بين أفواه الضّواري.
أمّا الآن فقد أحيل على النّسيان وصار مرتعا للجرذان والسّحالي.
في ساحة الحصن شجرة خرّوب عملاقة.. رحل الجميع فبقيت وحيدة.. حبيسة، طافئة اللّون، محتجزة، ممنوعة من حلاوة القطف، مسلوبة الظلّ، مسموعة الأنين، بها شوق جريح لمعانقة الأعشاش من جديد.
تتوق منذ البذرة الأولى إلى الخروج وعناق أخواتها، لكنّها تقف عاجزة لا حول لها ولا قوّة.
أخواتها في الخارج هنّ أيضا لا يملكون لها سوى الصّلاة والإيماءات الخرساء.. والانحناء يمينا ً وشمالاً إكبارا لصبرها.
فالأشجار لا تغادر أماكنها، ولا تهرول، ولا يطلق سراحها، ولا هي تدفع عن أغصانها النيّران إن احترقت.. فكيف إذن لو طلب منها أن تتحالف ضدّ القلعة وتخلّص الخرّوبة العالقة منذ ما يزيد عن مائة عام؟
بعد طول انتظار، أوحي لشجرة الخرّوب بأنّها على أبواب نصر عظيم.
تساقطت الأمطار بشدّة مبشّرة بانطلاق المعركة.
ولسماحة التّدبير فإنّ الأمطار حين تهطل، لا تفرّق بين معتقل أو واحة.
مدّت عروقها الضّخمة من تحت أساس المعتقل الصخري الصلّد.. وجمعت ما بقي لديها من قوّة.. وطوّقت البناية من كلّ جانب، وبدأت تعصر الحيطان عزما ً وغضبا وطاعة.
تشقّق السّور العالي وبدأت تتناثر منه الحجارة.
الأمطار لا تتوقّف بعد.
الجداول العطشى امتلأت كلّها وفاضت في وقت وجيز.
الجذوع تزداد إصرارا وسمكا.
إنّها تطوّق المعتقل، تخنقه وتسحق ضلوعه.
كلّ الأشجار تتطلّع بإعجاب وذهول إلى مشهد الخرّوبة وهي تنتحر وتنسف دعائم الخرافة.
هاهو المبنى يتهاوى ويتمزّق كورقة بين أذرعها.
إنّه يستغيث.
جميع من في الغابة ينتظرون هذه اللّحظة، فقريبا ستنجلي عنهم آخر آثار المستعمر الدّخيل.
فجأة دوّى انفجار عنيف كالرّغاء، هزّ أرجاء الغابة بأسرها، وظلّ يتردّد.
الحطام يتكوّم إلى الدّاخل.
إنّه يسقط فوق الشّجرة العملاقة ليقسمها إلى نصفين ويطمرها إلى الأبد.
سكت المطر وهفتت سحابة الغبار.. وبحّ صوت صدى الانفجار حتّى تلاشى.. وابتعدت الغيوم السّوداء وران في الفضاء سكون مرعب.
فوق فرع صغير من جذع الخرّوبة، كانت قد ألقت به قبل المعركة قرب ساقية على السّفح، ولد برعم غضّ صغير به نضارة الطّفولة بعد.
دفع برأسه قطرة مطر .
نظر حوله فلم ير شبيها له فنادي بصوت يتيم:
أمّي.. أين أنت يا أمّي؟
مالي لا أراك يا أمّي ؟
كلّ كائن في الدّنيا له أمّ، فأين أنت يا أمّي؟
ثم أصاخ السّمع.
و لكن .....
ما من مجيب.
فعاد إلى النّداء من جديد.
مرّة ......و مرّتين ...... و ثلاث......
سمعت الصّوت بلابل وكروانات الغابة، فجاؤوا من كلّ صوب يلبّون نداء الخلق ويستقبلون الوليد، ثمّ تحلّقوا حوله يرفرفون مصفّقين بأجنحتهم، يشدون له.. يلاغونه.
ويروون له الحكاية الأزليّة للتفتّح من تحت أنقاض الخسران.
حكاية الزّوال من أجل الدّوام والبعث.
**************
الرابط http://www.egyig.net/Public/articles/story/11/70635292.shtml







 
رد مع اقتباس