هكذا .... ببساطة
ابتسمت و هي تنظر إليه ، و علقت حقيبتها على ظهر الكرسي مقابله ... رغبت بالقول " آسفة لتأخري " ، لو لم تقرأ في وجهه ملامح متسامحة .
جلست و بجلوسها منحت المكان نكهتها ... صار بطعم البرتقال .
بعض المرتادين المتناثرين حولهما ، رنا إليها ، ترسل نظرة لها رائحة ياسمين ، ثم ابتسامة بنكهة صيفية ، للجالس مقابلها ... لن ينتبهوا إلى وجوده ، راح هؤلاء ينقر على الطاولة ساهما ً ... مرددا ً أغنية ً حضرت فجأة ً من غيم ٍ ربما ... من خاطر ٍ لم يكن حاضرا ً أبدا ً :
نسم علينا الهوا
من مفرق الوادي
يا هوا ... دخل الهوا
خدني على بلادي
سادت في النفوس روح مطمئنة ، طيبة ، استرخت في عذوبة ، واستسلمت لذكريات تفيض بمنسيات بعيدة ، مشبعة بألوان طفولية ... فيها الكثير من الشموس المشرقة ، و الفراشات المذعورة من صخب حضورنا في عمرنا المبكر ، نكمن للعصافير و السناجب ... ذكرى من النوع الذي تردد في لحظة سقوطها عليك " يا لها من أيام " و أنت تتنهد ... دون أن ترغب لحظة في عيشها مرة أخرى فسحرها و بريقها محفوظين بأمانة شعاعا ً في كف ملائكة .
- انتظرت قليلا ً ...!! أو لم أنتظر طويلا ً ! ... قال بنوع من العتب الخجول لم يستطع إخفاءه
- كيفك ... !! ألقتها باحتفالية و مرح ، نجحت في رسم ابتسامة على وجهه .
- تمام ... ! رد عليها باحتفالية مماثلة و أضاف : - المهم أننا معا ً . ثم أشار للنادل و هو يسألها :
- بيرة ؟ ..
وافقت بانحناءة من رأسها .
على طاولة ليست بعيدة ، نثر رجل ٌ بملامح كستنائية .. أشياءه : كيس تبغ معفر ... غليون ... دفتر صغير ... كتاب بلا غلاف ... جريدة ... أقراص دواء ٍ مستعمل أغلبها ... منديل ورقي ، جعده في باطن كفه ، و دفنه في المنفضة ... كيس ٌ من نايلون أسود محزوم بعناية . كان كلما أخرج شيئا ً من المحفظة ، انحنى كثيرا ً قبل أن يضعه على الطاولة ثم يستقيم ليعود إلى وضعية الجلوس العادية ، فيبدو للناظر أنه يتقيؤها على مفرشها .... كنت منهكا ً كثيرا ً .
و لو اقترب مني هذا الناظر لالتقط عينين بياضهما لطول الاستعمال بلون الخردل ... على السطح المجعد لوجهه ينتصب أنف هائل عصبي صقلته الريح طويلا ً ، و صلبته الشمس ، تحته شاربان صدئان يرعيان فما ً نصف مفتوح كمن وقف عند جملة كان ينطقها و راح يتذكر البقية ... بشفتين لهما لون حصى نهرية ملساء داكنة .
ابتعد يا ناظرا ً إياي و التقط رسما ً لي ... رجل كل شيء ٍ فيه مستهلك .. فوضوي أزلي في فوضويته .. شعره ... قسمات وجهه .. يداه .. رجلاه ... عيناه ... كل شيء فيه كان ينحني على الطاولة ... ليتقيأ ثلاثا ً وستين سنة مستعملة ... ثم يستوي مسندا ً ظهره على الكرسي ليرسل صمتا ً من عينيه نحو نقطة ثابتة ... خردلية اللون لها رائحة زاوية غرفة ٍ لم تتذوق طعم الشمس ... يحشو غليونه غلى الكثير الكثير من مهل ٍ .
- يفاجئني كل جمالك ...
اندهشت و ساطته برمقة معاتبة ... ثم :
- كيف ! .. احتجت أكثر منها سألت ..
- على مهلك ِ لم أحسن الصياغة ... قصدت أنك ِ في كل مرة تضيفين مسحة جديدة ساحرة تفاجئني بحضورها الرائع ..
- لكنني لا أفعل شيئا ً ... أحضر هكذا فقط .
- ألا يكفي ....!
ثم صمتا و أضاف :
- تحضرين كل مرة بطيور تغرد حولك ِ مختلفة دوما ً ... الآن هبطت ِ علي ّ وعلى المكان بكامل شموسك ِ ، و أزهارك ِ و زرقة السماء .... ماذا أقول .... ! بكامل أنوثتك التي هي الآن صيفية التاريخ و المكان و الزمان ، و أنا البائس في هذا الحضور ، صبي ذاق طعم القبلة الأولى من بنت الجيران ، حمل أغراضها إلى بيتها في الطابق الخامس ... دعيني أقول .. يفاجئني جمالك ِ في كل مرة ٍ ، مثل عصفور حلق في الهواء للمرة الأولى في حياته ، لمجرد أن خفق بجناحيه ، و كاد أن يسقط من فرط السعادة .
أطرقت بحياء و رضى ككل أنثى تتعرض للقول بأنها جميلة ... جميلة من النوع الذي لا يقاوم ... لا يُقهر .
- أهو غزل !! ... همست برقة ..
- اعتبريه كذلك ... إنها الحقيقة .
استسلمت نهائيا ً للصمت ، للسكينة و السعادة ، و دفنت يدها عميقا ً في يديه ... بينما كان النادل يضع كوبين و زجاجتي بيرة و صحن من الفستق المحمص ، و يمضي .
لأن المدينة داخلية ، و لا يحيطها أي بحر ٍ يذكر ، و لا يمكن تسمية البحيرة التي شكلها السد المبني على نهر العاصي بحرا ً ، فكان مبررا ً استحضار صوت البحر من شريط مسجل لموسيقى يرافقها أصوات نوارس ، وتكسر أمواج على صخور ما ... و كان مبررا ً أكثر من أي مكان آخر أن يستنكر الجميع رائحة سمك زنخة عبقت في المكان ... و ترتسم على الوجوه تعابير قرف و اشمئزاز و راح بعضهم يسد منخريه و هو ينفخ بنفاذ صبر .
- ما هذه الرائحة ؟؟ .. سأل و هو لا يزال يصب البيرة في تأنّ ٍ
ردت تهز عبر ملامح ممتعضة .
كان المتحرك الوحيد ، النادل الذي أسرع إلى طاولة ٍ وقف حذاءها متخذا ً هيئة صيني ، ضاما ً يديه إلى صدره ... منحيا ً قليلا ً إلى الأمام ، يخاطب الجالس كأنه في حضرة امبراطور :
- عفوا ً سيدي ... نحن لا نطهو السمك و لا خلافه ... نقدم المشروب ، و بعض المأكولات الخفيفة ... أرجوك .
ساد صمت ثقيل ، مبهم ... صمت مستفز ٌّ ... لحظات ساكنة كانت تسمع فيها تكتكات ساعة الحائط ، و ارتطام قطرات الماء على حوض المغسلة ... كل نأمة كانت واضحة كالصراخ ... صمت حذر .. مترقب ، يجعلك تصيخ السمع إلى أصوات أقدام جيوش وهمية معادية قادمة من أطراف المدينة ... صمت يشبه الضجيج .
هززت ُ رأسي ، مستسلما ً قبل أن أرمقه بعينين متعبتين ... أعدت السمك إلى كيس النايلون الأسود ، و استقمت مسندا ً ظهري على الكرسي ... كل شيء ٍ إلى المحفظة بنفس الأداء ... مستغرقا ًنفس الزمن مثل ماكينة مضبوطة على عمل محدد ... استعنت بالطاولة ، و نهضت بكامل سنواتي الثلاث و الستين .
مضيت أحك حذائي ببلاط المكان ، بخطوات مسافر رتيبة ، على طريق ممتدة إلى غير رجعة ... تحت أنظار الجميع ، تحت أنظارها و صمت المكان ... مشيعين إياه حتى الباب ... مخلفا ً ورائي كرسيا ً كستنائي اللون ، فوضوي الحضور و المغادرة ، حزين بشكل بائس ، و تسمرت كالغريب ... كالمنبوذ عند الباب .
مضى وقت ثقيل قبل أن تعود الموسيقى - موسيقى البحر ، و يعود المرتادون إلى أكوابهم و سجائرهم ، و طاولاتهم ... إلى ذواتهم البعيدة .
- كمن فقد عزيزا ً ... همس بصوت ٍ متهدج ...
اكتفت بالنظر في عينيه ... أدرك أنهما حزنا معا ً في لحظة واحدة ، و لم يعد أي تعبير مناسب الآن . و صمتا ثم صمتا ، قبل أن يعترف :
- أخجل أن أكبر بشكل بائس فيشهد الناس تعبي المزري ...
أحاطت يده بكلتي يديها و همست :
- لن يحصل ذلك ... رجته ، و ضغطت على يده .
- كمن فقد حبيبته ... قالها ثانية ، ثم أضاف :
- أرأيت ِ ... حبيبة عمره ... يا للمسكين ... هتف و هو يغالب دمعة .
- لا تحزن حبيبي سنكون معا ً ... معا ً إلى الأبد .
كان يرغب في السؤال : " و إذا فقدتك ِ ، و توجب علي ّ قضاء بقية العمر دونك ِ ... أهيم ُ وحيدا ً في الجهات ، أمضي إلى أجلي بلا حبيبة ... مقهورا ً " ... كان يرغب في قول : " لا يحق لك أن تموتي ... لا حق لك ِ في أن أفقدك ِ ... علينا أن نمضي إلى النهاية سوية ً .. " لكنه همس بعبارة ٍ مرتعشة :
- ما أحوجني إلى البكاء ... و أطرق دامعا ً .
توقفت ُ .. أسند جثتي على إطار الباب بكتفي .. ما من يجب أن أخبر أحدا ً ، أن أخبركم ... ما من أحد سمعني ... ما من أحد أصغى إلي في الخارج ، كلهم مستعجلون ... فارغو الصبر ... لا وقت لديهم ... لا أسألكم صدقة ، و لا أبتغي إحسانا ً ... لا تشفقوا علي .. أعيروني أسماعكم ... انتبهوا إلى قصتي ، لن أطيل ... هي بكلماتٍ قليلة بسيطة : ...ماتت ، أرأيتم !! ... هكذا ... بسهولة ، دون ألم ... ماتت ، أخبرتني ببساطة ٍ كما يخبر الناس بعضهم البعض يقينا ً عن وصول الحافلة ... ليلة البارحة استلقت و أغمضت عينيها ثم قالت : " تكفيني ستون سنة ... تصبح على خير ... " .
دفنتها صباحا ً بيدي ّ هاتين ... أقفرت عيني ّ كما روحي ، جف ماؤهما ... يا ناس .. ما أحوجني إلى البكاء ... يا أصحاب أنا حزين ... حزين بشكل بائس ... لا أستطيع ذرف دمعة واحدة ، عيناي صحراء تحرقهما شمس ظهيرة ... يغشيهما غبار رملي ، و صدري تأكله ذئاب مسعورة ... و تقرض قلبي جرذان الأزقة القذرة ... آه ه ما أحوجني إلى البكاء .
- حبيبي ...
تنهدت ْ و هي تنطق بها ، تطايرت كغمام أبيض ، رقيق ٍ كرذاذ ماء ، كنسمة طرية عبرت شرفة جنوبية ، و التقطت عينان خردليتان ، احمر أهدابهما من الحرقة ، صورة َ صبية ٍ ترفع يد حبيبها إلى فمها ، لتطبع قبلة طازجة كهذا المساء ... ثم خرج ، يحك حذاءه دروبا ً لا وجهة لها عابرا ً كل الوجوه فارغة الصبر ، مستهلكا ً ما استطاع من عمره ، ناثرا ً على جانبيه هموما ً صدئة ... يبكي بكل ما أوتي من مطر ، فقدان حبيبته في واحد من تلك الدروب .
الثلاثاء 4 / 10 / 2005
نورالدين حسن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرح المفردات" اقتراح أبدعه صديقي حماد الحسن ، الشاعر المتوهج أبداً والإنسان حتى في حضرة الشيطان "
1) حزني
طفل ٌ بائس
لم يتذوق
طعم القبلة الأولى
حبيبتي
درب لا رجعة منه
2) الريح ...
تلك الموسومة بالرحيل
من غيرها
يتقن رسم الجهات ؟.
3) بضع أحلام ٍ مستحيلة
بعض أوهام ٍ صغيرة
نافذتي الجنوبية
عمري
موتي
أحزاني
وحدتي
أربعون سنة مستعملة
برسم البيع ..