في أدبنا الشعبي كثير من النصوص الشفوية ذات قيمة أدبية كبيرة ، تستمد قيمتها من قدرتها التعبيرية الإيحائية إذ يخرج القارئ الحاذق في نهاية النص بخلاصة مركزة تتضمن مثلا يصلح الاستشهاد به ، أو حكمة تصلح أن تكون قاعدة من قواعد السلوك الإنساني .
من هذه النصوص الشفوية نص العصفور و الشجرة :
تروي الحكاية الشعبية أن عصفورا صغيرا حديث العهد بالطيران كان قد غادر لتوه العش بعد أن كان والداه قد قضيا فترة لا بأس بها في تدريبه على الطيران مع إخوته ...
و لسوء حظ العصفور الصغير صادف ذلك اليوم الذي غادر فيه العش العائلي هبوب عاصفة قوية حملته بعيدا عن موطنه فوجد نفسه وحيدا في أرض غريبة لا يعرف فيها أحدا وقد أقبل الليل بجيش ظلامه
و نظر العصفور يمينا و شمالا يبحث عن مكان آمن يقضي فيه ليلته فوقع بصره على شجرة كبيرة ذات أغصان متشابكة مورقة ، و ذات ثمار يانعة وفيرة فلم ير مثلها ملاذا له في ليلته التعيسة تلك .
حط العصفور على غصن مندس في قلب الشجرة ، وكان بجوار مكمنه ثمرة ناضجة شهية نضح سلافها فسال له على حافتها شرابا لذيذا ...
حمد العصفور ربه الذي ساقه إلى هذه الشجرة المباركة التي هيأت له عشاء و مبيتا و تجلى فيه قول الله " الذي أطعمكم من جوع و آمنكم من خوف "
و قضى العصفور الصغير ليلته دافئا آمنا .
في الصباح أراد العصفور أن يشكر الشجرة لأنها سمحت له بالإيواء فتفاجأ أن الشجرة لم تكن تشعر بوجوده أصلا.
قالت له بأنها شأن كل شجرة مباركة خيرها لكل الخلق و لهذا فهي لا تريد أن تعرف من نال خيرها ما دام خيرها لجميع المخلوقات بلا تمييز .
تساءل العصفور الصغير في براءة :
حتى للأشرار؟
أجابت الشجرة :
حتى الأشرار يقذفونني بالحجر فأبعث لهم بالثمر.
قال العصفور الصغير في نفسه:
هذا درس نسي والداي أن يعلماني إياه ، كان كل هاجس والدتي أن أقع بين مخالب قط مخاتل .
وطار محلقا في الفضاء الفسيح مدفوعا بطاقة الخير التي شحنته بها الشجرة .