﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾
أيها الإخوة الأكارم ؛ نستعرض الآن البنود إذا توافرت في الإنسان فهو في منجاة من الجزع ، و من المنع ، و لا أخفيكم أن الجزع وراء معظم الأمراض ، أن الجزع وراء معظم الأمراض ، لأن العضوية حينما تتأثَّر النفسُ وتصاب بالهلع ، والجزع ، والخور ، والضعف ، فإن هذا الضعف النفسي ينعكس أمراضا لا تُعدُّ ولا تُحصى ، إذًا الإيمان صحَّة ، من هؤلاء الذين ينجون من هذا الجزع القاتل ، وذاك الحرص المقيت ، قال : إنهم المصلون ، و بالتأكيد لا تعني الآية هذا الذي توضَّأ ، ووقف ، و صلى ، وركع ، وسجد ، وسلَّم وهو في عالَمه الخاص ، هذه صلاة ما أرادها الله عزوجل ، المصلون هنا الذين توافرت لهم حسنُ العلاقة بالله عزوجل ، و دوام المراقبة له ، و المداومة على الصلوات المستوفية للشروط الفكرية ، والقلبية ، والنفسية ، والروحية ، والجسدية ، هؤلاء المصلون الذين عناهم الله عزوجل باتِّصالهم بمصدر القوة ، باتصالهم بمصدر الحكمة ، باتصالهم بمصدر الرحمة ، تجلَّى الله على قلوبهم فثبَّتهم من ذاك الانهيار النفسي ، وهذا الضعف الخلقي ، وذاك التشتُّت ، وهذه الآلام التي لا حصر لها ، لذلك لو اطَّلعت على قلب المؤمن ووجدت فيه طمأنينة لو وُزِّعت على أهل بلد لكفتهم ، لو اطَّلعت على قلب المؤمن لوجدت فيه سعادة لو وزِّعت على بلد لكفتهم ، هو سرُّ اتصالك بالله عزوجل .
ولكن يا أيها الإخوة ، هذا العنصر عنصر الصلاة الذي صرَّح الله به يخفي وراءه عنصرا ما صرَّح الله به ، متى اتَّصلوا بالله ؟ بعد أن آمنوا به ، إذًا إيمانُهم بالله ، إيمانهم بوجوده ، و إيمانهم بوحدانيته ، و إيمانهم بكماله ، وإيمانه بأنه إلهٌ في الأرض ، كما هو إلهٌ في السماء ، و إيمانهم أن الأمر كله بيده ، بيده ملكوت كل شيء ، إيمانهم بحكمته المطلقة التي تتعلَّق بالخير المطلق ، إيمانهم بأسمائه الحسنى ، إيمانهم بصفاته الفضلى ، إيمانهم بأنه خلقهم ليرحمهم ، إيمانهم بأنه خلقهم لجنة عرضُها السماوات و الأرض ، إيمانهم بأن هذه الدنيا متاع الغرور ، دار ممرٍّ و ليست مقرًّا ، دار تكليف و ليست دار تشريف ، دار عمل و ليست دار جزاء ، هذا الإيمان هو الذي استلزم اتِّصالهم بالله ، و ذاك الاتصال بالله هو الذي استلزم تلك الطمأنينة و هذا الثبات وهذه السكينة و هذه الرحمة التي تتنزل على قلوبهم
من حديث للشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي