عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 27-05-2013, 06:54 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
ميمون حرش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







ميمون حرش متصل الآن


افتراضي رد: الحافر على الحافر

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خليف محفوظ مشاهدة المشاركة




في تجوالي بالبراري متحررا من قيد المدينة لفت انتباهي آثار حوافر في الدرب مرتسمة بشكل واضح ، فقد كانت أمطرت منذ أيام قريبة مما سهل للحوافر أن تترك أثرها جليا جميلا .


ذكرتني هذه الصورة للحوافر بقول العرب قديما " قدد يقع الحافر على الحافر "

أي : يحدث أن يسلك فارس ما دربا بفرسه ثم يأتي بعده فارس آخر فيسلك الدرب نفسه فيقع حافر حصانه في موضع حافر حصان الفارس الأول .

يستشهد بهذا القول عند الاتفاق بين شخضين في فكرة ما أو موضوع ما دون سابق تنسيق بينهما أو تأثر و تأثير .


ومثلما يحدث هذا التطابق في درب الفرسان ، يحدث كذلك ما يشبهه في درب الشعراء ن فقد يطرق شاعر ما فكرة أو معنى ، ثم يأتي بعده شاعر آخر فيطرق الفكرة نفسها و يخرجها في ثوب جديد قد يكون أحسن مما كانت عليه في ثوبها القديم

في هذا الباب ورد إلى ذهني قول الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني يعتذر للنعمان بن المنذر :

" و لست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث ، و أي الرجال المهذب ؟ "

أي :

إذا لم تقبل صديقك بما فيه من عيوب ( شعث) فإنك لن تبقي على أي أخ لك ...ثم يطر ح استفهاما يؤكد المعنى " أي الرجال المهذب ؟ "
أين تجد الرجل المهذب كامل التهذيب ؟ فالغرض البلاغي للاستفهام هنا هو النفي ، ينفي وجود الرجل كامل التهذيب .

هذا الحافر الجميل بقي على منحوتته الرائعة كأجمل ما تكون معاني الحكمة في الشعر العربي القديم ... إلى أن يمر الشاعر بشار في العصر الأموي و بداية العصر العباسي فيتلقف المعنى ليعيد إخراجه في ثوب جميل .

يقول في بائيته الشهيرة :
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك ، لم تلق الذي لا تعاتبه
و من ذا الذي ترضى سجاياه ... كلها ؟ كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

أي :

إذا رحت تعاتب صديقك على كل صغيرة و كبيرة فإنك ستنتهي بلا أصدقاء، لأنهم سينفضون من حولك .
وأين هو الشخص الذي كل صفاته مرضية ؟ لا أحد معصوم من الخطأ ، بل إذا وجدنا شخصا له من الأخطاء ما نستطيع إحصاءه فذلك يعد شرفا له لأن الناس في الغالب لهم من الأخطاء ما لا يحصى .

الحافر على الحافر ، أو الحافر بجوار الحافر ...

*كلا الشاعرين طرح السؤال الجوهري :
-أي الرجال المهذب ؟
-من ذا الذي ترضى سجاياه كلها ؟

*كلا الشاعرين قرر حقيقة واقعية و نفسية :
-لست بمستبق أخا لا تلمه على شعث .
-إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه .

ما أجمل هذين الأثرين ...!
ما أجمل ذينك الحافرين ...!
بل ما أجمل أن يتلقف هذا الموضوعَ كاتبُُ بارع مثلك...
دمتَ لنا نبراسَ الأقلام الثقافية..
مودة شامخة أخي خليف...






التوقيع

لم تحولني الريح إلى ورقة في مهب الريح
لقد سقت الريح أمـــامــي..
ناظم حكمــت

 
رد مع اقتباس