(20)
لقد عادت ذاكرتي بي إلى ذاك اليوم الذي أصبحت حياتي بعده .. تعيسة ..
فقد كان لدي موعد مهم مع أستاذي في الجامعة .. وقد تركت لديه بعض مقالاتي لينقحها حتى أستطيع نشرها في صحيفة اليوم ..ولكن هيام ..كانت في ذاك الوقت .. بين أحضان زوجي .. بعدما أخبرته بحكايات ملفقة من نسج خيالها .. و أدخلتْ في رأسه أنني ذهبت لأستاذي لا لموعد رسمي .. بل .. للبقاء بين ذراعيه .
***
ثم أنني لا ألوم أحدا ً فيما حصل.. لا ألوم أحدا ً في هذا غير رضا .. كيف يشك بي بعد أن كان واثقاً مني.. بل كيف تهتز ثقته بي .. وممن ؟ من هيام .. أغلى صديقاتي .. ليتركني بعدها .. ومن غير عودة ..
(21)
- أتذكرين يا وجود .. أتذكرين كيف اخترت ِ عملك ِ مع ذلك الأستاذ الأحمق بدل زوجك ِ رضا.. وهذا ما يفعله الكثير من الجهلاء.. لا أعنيك ِ يا وجود بذلك ولكن .. أنا أتعجب.. كيف استطعتِ التفريط في رجل كـ ( رضا ) !!
لقد قلتُ له إنك ِ إنسانة شريفة .. وليجعلني زوجة ثانية دون أن يطلقك ِ ولكنه هو الذي ..
- كفى ..
وصفعت وجهها .. لم أستطع تمالك نفسي .. الكثير والكثير من الهموم بدأت تفجرها هذه الخائنة .. أكانت تعتقد أن يطول صمتي ؟
- أعلم يا هيام كل ما جرى .. لا تحاولي إبقاء ثوب الأفعى على جسدك ِ.. فلتنـزعيه ..
وتوقفي .. بل واحترمي المكان الذي أنتِ فيه .. واحترمي احترامي لك ِ .. وهذا أقل ما يجب أن تفعليه ..بل وأقل ما يجب أن تفعليه هو أن تحترمي صداقتنا التي دامت 9 سنوات .. وتخرجي .. كما فعلتي قبل 3 شهور .. وأخرجتني من أحب الناس لي من قلبه أخرجي يا هيام .. واحترمي هذا الزمن الذي أخطأ عندما جمع بيني وبينكِ في يوم ٍ ما .. أخرجي من المكان .. بل وأخرجي حتى من حياتي..
خافت هيام مما حدث .. ومما لم تتوقع حصوله .. لملمت بقايا كرامتها المتحطمة .. وأشلاء ثوبها المتهدل .. وخرجت .
(22)
أخفيت وجهي.. ورميت بنفسي متهالكة على المقعد المتهالك مثلي .. وغرقت في البكاء .. أخذت أنتفض .. وأتمتم بكلمات لا أحد يفهمها ..
نعم .. لقد كنت أعتقد أن جميع الناس مثلي ..كنت أعتقد أن لا أحد يضمر السوء لأحد .. لكنني صُدمت بواقعي الذي لم أعتقد أنه من ضمن قدري ..
فأرى الخيانة في وجوه الجميع .. وأولهم .. هيام .. لأرى الوجوه بعدها كلها غارقة في السواد .. لا عين فيها ولا شفاه .. خرساء .. عمياء.. لا أعلم إن كنت حقا ً سأستطيع إكمال حياتي معهم أم لا !!
(23)
وعدت لوحدي .. تخنقني العبرة .. ويضيق صدري أكثر وأكثر بما أحمله من هم ..
أتساءل .. ترى .. ماذا بقي لي في هذه الحياة !! ما الذي تحمله الأيام بين طياتها من صدمات !! لاشيء جميل .. لاشيء في حياتي ملون .. قتلوا ابتسامتي .. وأزالوا اللون الأحمر عن شفتي.. لتصطبغ بلون الموت .. نعم .. لقد ماتت روحي .. وتحطمت نفسي .. لا أعتقد أنني سأتحمل أكثر من هذا.. أشعر بجسدي يذوب.. وكأنه يصغر ويتلاشى .. ويغيب عن الحياة ..
فغفت عيناي .. ورحلت في سبات عميق ..
24)
كان الماء يحيط بي من كل جانب .. جسدٌ ضخمٌ مخيف ٌ بجانبي .. يداه طويلتان تلفانني كحبل ٍقاسي .. حملني للأعلى للأعلى .. كنت أعتقد أنني سأغرق .. أغمضت عينيّ في خوف .. شعرت بالهواء يصطدم في وجهي .. ارتفعت أقدامي عن الماء .. فتحت عيني ّ فرأيت نفسي بين ذراعي وحش ٍ ضخم .. أسود فاحم .. يسيل من فمه سائل أصفر ممزوج بدم ٍ من شفاهي .. وبين أنيابه قطعة من جسدي .. ويداه .. تحمل أجزاء من قلبي قد فتتها .. حاولت التحرر منه .. لكنه كان يجذبني إليه أكثر وأكثر .. أخذت أصرخ .. رغبت في التحرر من جسده .. ويداه .. حاولت مرارا ً .. حتى صرخ في وجهي ..لااااا.. كان صوته ليس غريبا ً .. نعم أنه يشبه صوت ....................... هيام ..
(25)
فتحت عينيّ وأنا أعتصر قلبي من الألم .. فرأيت أن الشمس قد أشرقت واختفت تلك الكوابيس عن عيني .. والدموع الرطبة تنحدر على وجهي .. بقيتُ مكاني.. أتحسس نبض قلبي.. فرأيت ضرباته عنيفة .. وكأنني في سباق للجري..
حزمت أمتعتي المبعثرة .. وحمدت الله أن ذلك كان مجرد كابوس ..
وتمنيت حقا ً أن يكون كل ما يحدث لي الآن .. كابوسا ً أيضا ً ..
(26)
توقف القطار .. ونادى منادٍ .. ( أهلاً وسهلا ً بكم في الإسكندرية ) ..
نعم .. هنا وطئت قدمي أول مرة معه .. ثم صرخت في نفسي أن توقفي يا نفس عن إعادة الذكريات .. فكل ذلك كان حلما ً وردياً قد أفقت منه اليوم باسم (( مطلقة )) ..
(27)
توجهت إلى الشقة التي سأسكن فيها هذه الأيام ..
فهي أيامي الأخيرة .. لأعيد فيها اختبار بعض المواد الفائتة .
كانت الغرفة بسيطة جدا ً .. أثاثها الخشبي هادئ وعلى الجانب الأيمن تتدلى ستائر حريرية خفيفة زاهية الألوان .. تعيد للنفس نشاطها .. وكانت تحيط بنافذة مطلة على مزرعة صغيرة خضراء .
(28)
وضعت أغراضي على الكرسي الصغير بجانب المكتب .. ولم أشعل المصباح إذ أن ضوء الشمس كان منيرا ً للغرفة لدرجة الدفء .. خلاف برد الليلة السابقة .
رتبت أغراضي .. أخذت ملابسي .. ودخلت لأستحم .. لعلّي أنتعش بعد فيضان الذكريات في قلبي .. شعرت والماء يسري على جسدي برعشة قد نفضّتُ بها كل المآسي ..
(29)
بعد بذل جهد في المذاكرة طول النهار ..حلَّ الليل .. فشعرت بآلام في معدتي .. ذكرت حينها أنني لم أتناول الطعام .. غيرت ملابسي وخرجت إلى أقرب مطعم في ذلك الحي ..
قطعت مسافة طويلة حتى وصلت إليه .. جلست بالقرب من طاولة انتبهت بعدها أنها تضم عروسين .. وقد دلَّ الحناء في يد المرأة على ذلك .. أخذت أرقبهما عن بعد في الوقت الذي كنت أنتظر وصول طعامي لي.. فرأيت الشاب يهمس لها وهي تبتسم ابتسامة قد انفرجت فيها شفتاها لتكشف عن أسنان ٍصغيرة بيضاء جميلة ..
كانت تلك المرأة تحرك رأسها بدلال .. لتبعد خصلة كبيرة من شعرها قد حضرت لتعكر صفوهما ..لكنها تأبى الخروج عن محضرهما .. حتى يتدخل الشاب .. يمد يده إليها .. يرفعها برفق .. ثم تهبط يده على خدها الأملس .. ثم تنخفض .. حتى تلامس شفتيها .. والفتاة لا تملك إلا أن تبتسم بحرج .. لتتدخل يدها في إنهاء الموقف .. وإنزال يده .. تهمس له بشيء يجعله يضحك ..
ربما كانت هذه الأمور يراها البعض سخيفة .. لكنها لا تكف عن تعذيبي .. وفتح الجروح ..
ربما لأني فقدت مثل تلك اليد الحنونة .. وربما لأني لم أجد من يشاركني الطعام في هذه اللحظة ..
(30)
حملت طعامي بعد وصوله لي.. وخرجت .. فضلّت أكله في غرفتي على أن أرى مثل هؤلاء الناس .. والذين يزيدون جروحي حرقة.. دخلت الغرفة وأغلقت الباب ..
أسندت ظهري إليه .. فألتفتّ لوجود ظرف صغير على الأرض .. تعجبت من وجوده .. ترى من الذي يعلم بوجودي هنا .. ربما قد أرسلت عن طريق الخطأ .. رفعتها بيدي بعد أن وضعت طعامي على المكتب .. فهبت لي منها رائحة تشبه رائحة عود الطيب المحترق .. دمعت عيناي.. وذكرت تلك الرائحة ..
جلست على ذاك الفراش الخشن .. نظرت للظرف ..
قربته من شفتي .. وقبلته .. فرأيت مكتوب خلفها ( إلى وجود) ..
زادت ضربات قلبي أكثر .. أمسكت صدري بيدي خوفا ً من خروج قلبي من ضلوعي .. نعم .. أن هذا أيضا ً خط رضا .. وتساءلت .. ترى كيف عرف أنني موجودة هنا !!
ترددت كثيرا ً قبل فتحها .. إلا أن الشوق والفضول قد تمكن مني وأخذ مأخذه ..
ففتحتها وبدأت أقرأ ..
(31)
بسمه تعالى ..
إلى حبي الأول .. وأظنه الأخير .. وجود .
لقد ترددت كثيرا ً في خطها لك ِ لكنني لم أملك أي خيار غيره ..
لا أعرف ماذا أقول .. بل لا أعرف ماذا أفعل لكي تسامحيني .. أخطئت في الحكم عليك ِ وبشكي بك ِ .. غشاوة أعمت قلبي وعينيّ .. أعلم أن خطأي لا يغفر .. لكنني عرفت الحقيقة .. مهما كان الوقت متأخرا ً لمعرفتها .. تلك المرأة خدعتني .. كان عليّ أن لا أثق بها لأنها خانتك ِ .. كيف لم يخطر ببالي أنها ستخونني في يومٍ ما ..لكن الشيطان أعماني .. أعتذر لك ِ حبيبتي ألف مرة .. وأنا أعلم أن دموع الرجال نادرا ً ما هبطت .. لكن هذا ما حدث .. بكيت كثيرا ً .. وعضضت أصابعي ندماً .. لأنني حقا ً خسرت إنسانة صادقة مثلك ِ .. تملك الوفاء .. والحب .. آسف ٌ يا حبيبتي .. كما أني لا أريد أن أخسرك ِ أكثر.. أرغب بالعودة إلى عشنا الدافئ .. أتمنى أن تعودي ..
في ليلة الغد .. عند الساعة الثامنة .. سأنتظركِ بالقرب من الشاطئ .. مكان لقائنا سابقا ً .. فأتمنى من أعماق قلبي .. أن أراكِ ..
رضا.................
(32)
ضممتها .. قبلتها وبكيت .. نعم .. لقد ساعدني الله وعَلِم رضا بالحقيقة .. كيف حدث هذا !! لا أعلم .. وما أعلمه أنه هنا .. يرغب برؤياي ..
أشعر بأن السعادة دخلت قلبي .. وكأنني فتاة قد عادت لها عذريتها بمعجزة من جديد ..
(33)
لم أستطع النوم في تلك الليلة .. لقد رافقني الأرق .. ونغص نومي .. فكرت كثيرا ً.. يا ترى .. ألهذه الدرجة قد سلبت السعادة لب تفكيري .. وأنستني كرامتي!!
هذه الكرامة التي أُهينت عندما صدق رضا بأني قد أخونه .. يا ترى .. كيف أعود إليه بعدما صدق هذه الكذبة ورماني !! بل وخانني !!كيف أعود إليه ؟؟
أعلم أنني لازلت أحبه ولكن .. كيف أسمح لكرامتي أن تهان مرة أخرى .. وكما صدقهم أول مرة .. ألا يجوز أن يوشي بي شخصا ً آخر ويصدقه !!
(34)
ظهرت خيوط الفجر بسرعة .. لم أنم بما فيه الكفاية .. تمطأت على الفراش كقطة لا ترغب بالنهوض .. تثاءبت بتثاقل .. وأخذت أعيد أحداث البارجة .. نعم نعم .. لقد ذكرت كل شيء .. ثم نهضت لأستحم .. وأحضّر للامتحان ..
(35)
لقد عدت للمنزل بعد أن خرجت من الامتحان مسرورة .. وأخذت أعد نفسي للامتحان الثاني.. فأحداث مهمة ستكون الليلة .. ولا أعلم إن كنت سأستطيع المذاكرة بعدها أولا ..
وغرقت داخل الكتاب .. وإلى عالم آخر .. حتى حل ّ الليل .. وجاء الموعد ..
(36)
أخرجت من حقيبتي ثوباً جديداً قد اشتريته في الفترة السابقة .. إنه مناسب جدا ً لهذه الليلة .. إرتديته.. ووقفت أنظر لنفسي في المرآة .. جسد ٌ طويل نحيل .. يا إلهي ألهذه الدرجة نحل جسمي وهزل .. ثم حولت نظري للفستان الأزرق الطويل.. صاحب الأكمام القصيرة..
آه .. لو كنت ممتلئة أكثر .. لناسبني جدا ً .. ثم سرحت شعري بصورة مرتبة أكثر من اللازم ..
صبغت وجهي وشفتي (( هذا اللون كان يحبه رضا كثيرا ً )) سأضعه الليلة .. ثم نظرت لنفسي وتوقفت .. أخذت أفكر فيما أفعله .. ترى لماذا تسرفين في تجهيز نفسكِ يا وجود !!
أتظنين أنه لازال يحبك ِ .. وإن كان ..فهو الآن ليس زوجك ِ ..حتى لو أراد ..
أتسمحين أن تعودي لمن يهين كرامتك ِ !؟
لا .. يجب أن تتوقفي يا وجود ..
لا تزيدي خطوة واحدة في هذا الدرب .. لا تزيدي خطوة فيما تفعلين ..
( فتحت شعري وتركته متهدلاً على كتفي .. ومسحت تلك الأصباغ عن وجهي بعنف .. و كذلك شفتي الصغيرة .. وخرجت ) .......
(37)
جلست أمام البحر .. على ذاك الرمل البارد .. أرقب الشاطئ بهدوء..
كما اعتدنا في السابق تماماً .. وحولت نظري للموج ..
كان ثائراً .. مضطرباً .. كما هو قلبي تماماً .. ترى ..
أأنت خائف أيه الموج .. ماذا تظن أنه سيحدث !؟ أنا أيضاً خائفة ..
الساعة الثامنة .. ولم يأتي رضا .. وذهب فكري للبعيد ..
أخذت أنظر في اللاشيء .. ولم أحرك ساكنا ً ..
ماعدا عقلي الذي بدأ يعيد ذكرياته لوحده ..
بدأ يستشعر ملامح رضا .. ورائحته ..
حتى شعرت بنفسي أستنشق رائحة وكأنها عود الطيب المحترق ..
هذه الرائحة كثيراً ما علقت في ملابس رضا وجسده ..
أحببتها .. كما أحببته .. يا إلهي .. ذكريات كثيرة جداً مضت ..
وأظن أنها لن تعود .. أغمضت عيني ّ .. وهمست بدفء .. رضا ..
فأحسست بيدٍ دافئة فوق كتفي .. وصوتٍ هامس ٍ في أذني .. أنا هنا ..
فاستدرت خلفي على عجل .. لأراه .. بقامته الطويلة .. برائحته الطيبة ..
ووجهه الباسم .. شعرت بغصة مريرة .. وكأن يدٍ تخنقني ..
صرخ قلبي .. إشتقت إليك .. ونطقتُ بشفاهٍ تخلو من البسمة :
- كيف حالك يا رضا ؟
- لا عليكِ من حالي .. وأخبريني عنكِ .. أتمنى أن تكوني بخير ..
وجود . .إشتقت إليكِ .. ( وحمل يدي بين يديه .. قربها من شفتيه ..
لكنني سحبتها من أحضان يديه ببطء ) وقلت له :
- الآن .. ماذا تريد مني وبعد أن حدث ما حدث .. ألا تعلم أن الندم في بعض الأحيان يكون متأخراً كثيراً فلا ينفع صاحبه !! إتهمتني بالخيانة .. فلما عدت ؟
- كنت على خطأ يا وجود .. كنت في سبات قد أفقت منه الآن .. لقد تأكدت بنفسي عند مقر الصحافة .. وقابلت الموظفين هناك .. وأكدوا لي خطئي .. ثم علمت بالصدفة أنكِ هنا .. لقد طلقت هيام بعد أن تأكدت من خيانتها وكذبها ..
- رضا .. ألم تفكر بكرامتي!! أتعتقد أنني سأنسى صدمتك وعدم ثقتك بي بهذه السهولة!!
لقد طعنتني في كرامتي يا رضا .. والمرأة تقبل كل شيء .. إلا أن يطعنها من تحبه في كرامتها .. أتعتقد أنني سأتنازل عن كرامتي لأعود إليك ؟!
(38)
عم الصمت أرجاء المكان .. أحسست أن الموج قد هدئت ثورته ..
وأن الهدوء أحاط بكياني وكيان رضا .. وكأن الواقف بقربي جسد ميت لا يتحرك .. حولت نظري من البحر .. وإلى عينيه .. وليتني لم أفعل .. ليتني لم أرى عينيه .. ليت عيني لم تلتقي بهما .. تلك العينان الذابلتان .. تلك التي تسبح في بحر من الدموع .. كم هي غالية على نفسي .. ليتني أستطيع مسحها بيدي ..
و إنكسر قلبي .. فأنا أعلم أن رضا لا يبكي بهذه السهولة لشيء بسيط ..
ثم همس لي بعد أن عاود الإمساك بيدي ..
وجود .. يا أجمل إسماً عرفته .. ألا تعلمين كم أنتِ غالية على قلبي .. ألا تعلمين كم أحبكِ .. أنتِ وجودي .. وبدونكِ ماذا أفعل .. أعلم أنني أخطأت .. وندمت .. وأطلب الآن منكِ السماح .. والإنسان ليس معصوماً من الخطأ .. ولكن .. إن لم يسامح الناس التائبون .. فكيف سيتوب المخطئون !! وكيف سيندمون !!
وجود .. أرجوكِ .. سامحيني يا حبيبتي .. وعودي لي ..
عودي لأحضاني اليتيمة .. عودي لحياتي التي بدأت تذبل .. وتموت ..
عودي لتحييها بيديكِ .. بشفتيكِ .. تعالي يا حبيبتي وعودي لي ..
وأخذ يبكي كطفلٍ صغير .. قد ضاعت أمه من بين يديه ..
(39)
ملت برأسي وجسدي للبحر .. وأخذت أفكر فيما قال .. نعم .. إن لم يسامح الناس التائبون .. فكيف سيتوب غيرهم .. والرب يقبل توبة المخطئون .. من أنا لكي لا أسامحه .. ثم أنه أعترف بخطئه .. وهو لن يعود إليه .. وهذا المهم بالنسبة لي ..
نعم .. وخصوصا ً أن هناك من يجبرني على العودة إليه ..
(40)
جلست بالقرب منه .. وجثوت على ركبتي أمامه .. وناديته ..
_ رضا .. أسامحك ..
فرمى برأسه إلى صدري ..كطفل صغير .. وبكيت معه ..
ضممته بحنان .. وقبلت مابين عينيه ..
وهمست : أحبك يا مجنون .. فكيف لي أن لا أسامحك !!
ثم .. لست الوحيدة التي سامحتك .. فمعي شخص آخر سامحك أيضاً ..
رفع رأسه .. ونظر لي بتعجب !!
إبتسمت له .. وتحسست بطني وهتفت : إبنك هنا ..
فنظر لي متعجباً ..
- كيف ذلك ياوجود ؟
- عندما هجرتني وطلقتني يارضا كنت في الشهر الأول ..
ولم أعلم وقتها أنني حامل .
إبتسم لي .. بل ضحك.. ضحك بسعادة .. من أعماق قلبه ..
حتى إعتقدت أنه كان ميتاً فعادت لقسمات وجهه الحياة ..
مد ذراعاه لي .. واختفيت من هذا العالم بين أحضانه .
..
..
..
أقدم إعتذاري على الإطالة ..
تحياتي