بسم الله الرحمن الرحيم ..
لازلت مبتدئة .. لم تفقس موهبتي جيداً ..
لكنها تجربة .. أضعها بين أيديكم .. طامحة في نقدكم ..
حكاية / العشق في تراتيل
(1)
من خلف زجاج نافذة القطار .. امتدّ َ نظري بعيدا ً .. حيث كرات الثلج تسقط بحنان على تلك الأرض البيضاء .. فتداعبها نسمات باردة .. وكأنها قطعة من القماش المخملي الأبيض الصافي .. أو .. في نظري .. كأنها أجزاء من كفن ..
(2)
كان الجو باردا ً جداً في الخارج .. وكان جسدي دافئا ً جدا ً ..
رفعت رأسي للسماء .. فقد شعرت بشيء ثقيل على صدري قد اعتدت حضوره في هذه الأيام .. فزفرت في وجه الزمن .. وأخرجت آهة كانت تعتصر كياني .. علَّها تخفف من حدَّة الثقل في صدري .. لكنها خرجت باهتة .. وخطوات أنفاسي تراجعت بعد أن اصطدمت بزجاج النافذة مضطربة .. ودافئة .. كدفء جسدي المتهالك على ذلك المقعد .. والذي يخلو من الحنان بخشونته .. لتذكرني تلك الأنفاس بأنفاس ٍ قد اعتادت أن تصطدم في وجهي في مثل هذا الوقت من السنة .. حيث كانت دائما ً تقاسمني لحظاتي .. لتبقى ابتسامة تلك الشفاه العذبة .. قريبة من فمي .. فأقاسمها دفئي أيضا ً ..
(3)
تأوهت هذه المرة بشدة .. فقد ثقلت في صدري الهموم أكثر ..
فتحت حقيبتي الجلدية .. هذه الحقيبة التي تدل على أن صاحبتها من أهل الريف لبساطتها .. أخرجت كتابي لأقرأه .. لعل فؤادي يهدأ من اضطرابه القاسي ..
كان الكتاب ( مجموعة من الحكايا ) للمؤلف المصري المشهور ( محمد عبد الحليم) ..
وكان يحمل اسم ( أسطورة من كتاب الحب ) ..
فتحت صفحة منه .. وقرأت .. ( إن الببغاء لم يكن ناطقا ً ولا مغردا ً ولا مشقشقا ً ولكنه نطق عندما لمسه الحب .) .. وتذكرت تلك اللحظة التي لمس فيها الحب فؤادي ..
فشعرت بنفسي أختنق أكثر وأكثر .. واختفت الحروف من الكتاب .. فلم أعد أرى شيئا ً .. وغرقت عيناي بالدموع .. أغلقت الكتاب .. وأجهشت بالبكاء ..
4)
بعد مدة ليست بقصيرة .. توقف الثلج ... وباتت تلك الأرض أمامي ..
جامدة .. ميتة .. لا حراك فيها .. ولا شجر .. وكأنها ممتدة إلى ما لا نهاية ..
أحسست بالوحشة .. والعتمة في قلبي .. وضعت يدي على صدري ..
وأخذت أتحسس قلبي .. هل لازال ينبض !! أم توقف ؟
فأحسست بالراحة قليلاً عندما شعرت بنبض قلبي الواهن ..
أسندت رأسي إلى المقعد الخشن في هدوء .. أغمضت عيناي ..
ورحلت بعيدا ً إلى حيث ركبت القطار أول مرة ..
عندما اخترت هذا المقعد بالتحديد .. وفي هذا القطار ..
كنت على موعد مع جامعة الإسكندرية للدراسة ..
أخذت أترقب في شوق تلك الوجوه الجديدة والتي ستشاركني في القطار ..
وفي السكن .. وفي قاعات الدراسة .. بل وفي الإسكندرية كلها ..
كنت سعيدة جدا ً لقبولي في الجامعة .. كنت طفلة .. لم أخض أي تجربة بعد .. كانت عذريتي تفوح من جسدي ممشوق القامة .. صاحب الشعر الحريري الأسود كالفحم .. الطويل كقطعة قماش ٍ أسود تغطي ظهري ..
(5)
كنت أنظر لبابِ المقصورة بسعادة .. ترقبا ً لمن سيرافقني فيها ..
وإذا بشيخ ٍ عجوز أعمى يدخل من الباب .. ويجلس ..
اختفت الابتسامة من شفتي .. وعجبت من هذا القدر الذي جمعني مع هذا العجوز .. حولت وجهي للنافذة .. وإذا بالباب يفتح لتدخل فتاة ..
ثم تخرج بعد أن تصطحب العجوز معها..
تنهدت لما حدث .. ترى .. ماذا يخفي لي القدر الآن من أمور ..
أدرت رأسي .. وأخذت أرقب الناس الواقفين عند المحطة .. امرأة تودع ابنها .. ورجلٌ يودع ابنته .. وهذه عائلة تقف بالقرب من فتاة يودعونها .. وهي تحمل طفلاً صغيرا ً لتودعه .. تقبله .. والطفل يبكي .. وتلك أم ٌ تحتضن ولدها .. وتذكره بأن يبعث لها الرسائل .. فذكرت أمي عندما ودَّعتُها في المنزل .. قالت أنها ستترقب رسائلي .. وابتسمت .. فسمعت فجأة صوت شخصٍ يتنحنح أمامي .. التفت فزعة فإذا به شاب ٌ أسمر ..قد شوه وجهه ندب كبير ..
جعلت وسامته تتلاشى من بين السنين ..
- عذرا ً لم أقصد إفزاعك ِ ..
قلت له : لا بأس .. لكنني لم أنتبه لوجودك ..
وأخذت أفكر بعد صمت .. ترى كيف لم أنتبه لدخوله !!
وبعد دقائق قصيرة .. سمعنا صوت صافرة القطار تعلن عن رحلة لا نعلم عن قدرنا فيها كيف سيكون .. وبدأ المحرك بالعمل .. سار بنا القطار .. كما بدأ يسير بنا القدر .. والصمت يعلو مقصورتنا ..
(6)
بعد نصف ساعة من صمت ٍطويل ظننته لن ينتهي تكلم الشاب الجالس أمامي سائلا ً :
- أذاهبة للدراسة ؟
- نعم .. أنني في السنة الأولى .. وأنت ! هل تدرس ؟؟
فابتسم الشاب .. وأخذ ينظر لقسمات وجهي طويلا ً .. وكأنه يتأمل في لوحة أمامه .. ليعرف تلك الأسرار التي يخفيها الفنان عادة في لوحاته .. فطأطأت رأسي وأحمر وجهي خجلا ً منه ..
فقال : وهل أبدو كطالب علم !!
- لا أدري !!
- أنني أعمل هناك في عمل ٍ يغنيني عن السؤال .. أسمي رضا .. بماذا أستطيع مناداتك ؟
فقلت باستحياء : وجود .
(7)
لقد المر الوقت في ذاك اليوم بسرعة لم أصدقها ..
دارت بيننا أحاديث كثيرة .. في أمورٍ شتى ..
وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن .. حتى توقف القطار في أول محطة ..
أذكر تفاصيل ما حدث .. أذكر كل شهقة وكلمة ونفس في ذاك اليوم ..
وكيف لا !! وقد تغير فيه تقويم حياتي !!
(8)
توقف القطار عند نفس المحطة التي توقفت عندها ذكرياتي..
(هنا نزلت مع رضا لنشتري لنا بعض الطعام.. لكنني الآن لا أشعر بالجوع ).. هكذا حدثت نفسي وقتها .. فذهبت لشراء إحدى المجلات .. وعدت للقطار .. أخذت أقرأ المجلة لعلها تنسيني قليلا ً من ذكرياتي الحافلة .. لكن الذكريات تحضرني بصورة ملحة وغريبة .. وكأنني على موعد معها .. فأغلقت المجلة .. ونظرت للقفاز في يدي .. هذا القفاز الذي بقي ذكرى .. من الطيف الذي رحل ..
(9)
نعم .. لقد أحببته .. أحببته كثيرا ً ..
ودخل حبه في قلبي بلا استئذان .. أحببته .. حتى خلت نفسي أني لن أعيش بدونه.. أذكر كيف عدت من الجامعة في إحدى الأيام الماطرة عندما غرقت مظلتي بالماء..صعدت الدرج القديم ..حيث كنت خائفة من أن يتهدم في أية لحظة .. وفتحت باب الغرفة .. كانت دافئة .. تفوح منها رائحة عود الطيب المحترق .. هذه الرائحة التي كان يعشقها رضا كثيرا ً ..
دلفت ُعند المدفأة .. كان البرد يعتصر جسدي .. والشوق لرضا قد حبس أنفاسي ..
(10)
قدم رضا لي القهوة .. تلك التي صنعها بيديه .. احتسيتها ببطء .. فشعرت بلذة رائعة .. نعم .. فالقهوة لذيذة في الجو الماطر .. وخصوصا ً عندما تكون من يد حبيب ..
أخذت أرقب الدخان الذي يتصاعد منها .. حتى رفعت رأسي عنها .. فلمحت نظرات هادئة كنتُ أحبها ترقبني .. فسرَتْ رعشة في جسدي .. نظرت إليه .. ثم قلت بخبث بعد تفكير : أليس الجو بارداً قليلا ً !! فزادت ابتسامتهُ اتساعاً بعد أن كشف ثغره عن أسنان لؤلؤية .. وضع الفنجان على طاولة خشبية قريبة منه .. واقترب مني .. أمسك يدي بحنان .. قبلها وقال :
أتريدين يا وجود.. أن تنعمي بدفئي !
وغرقت في أحضانه .. أنفاسه الدافئة كانت تنعش قلبي .. وقبلاته الشفافة تحيي كياني .. ويده الضخمة تتخلل شعري الذي ينساب بدلال على ظهري .. فتدفئني .. نعم .. حدث هذا ..
ولم أصدق أنه حدث .. لقد حدث بعد أن أصبح رضا .. زوجي ..
11)
فتحتُ عينَّي وأنا فزعة .. فلقد سقطت المجلة من يدي عندما سرحت ..
وغرقت في بحر ذكرياتي .. والقطار لا يزال يسير ببطء على سكة الحديد ..
و التي اختفت معالمها لكثرة الثلج الذي غطى المكان ..
الساعة تشير إلى الواحدة ليلا ً .. والهدوء يعم أرجاء القطار .. الكل ينعم بنوم ٍ هادئ وبال ٍ لا تؤذيه الذكريات .. كما تؤذي الذكريات عقلي وقلبي .. وربما يكون هناك من جافاه النوم لأنه فقد شخصا ً عزيزا ً .. أو توفي لأحدهم حبيب .. وربما يوجد في إحدى المقصورات عاشقان قد سلب الدفء لبَّهُما وطار النوم من عينيهما .. فنعم كل واحد ٍ منهما بدفء الآخر ..
(12)
أغلقت عينيّ في محاولة جديدة للنوم .. لكنه جافاني ..
أخذت أدعوا أن تُغلق عيناي لأنام .. كنت متعبة جدا ً ..
والذكريات أهلكتني .. لكن محاولاتي باءت بالفشل .. فأخرجت ورقة وكتبت :
بسمه تعالى ..
اليوم الثالث عشر من شهر أغسطس .. في ليلة باردة .. شعرت بأني أفتقدك كثيرا ً ..
أعتدت أن تنام في أحضاني .. لكن حضني اليوم خالي ..
********
رفعت رأسي .. و مددت بصري عبر زجاج النافذة .. بحثت عن القمر .. لكن الغيوم كثيفة .. والضباب من حولي .. والعتمة في كل مكان .. فغرقت عيناي بالدموع مرة أخرى ..
ثم مرَّ القطار على لوحة مكتوب فيها .. ((قرية الوديان ترحب بكم )) فأغمضت عيناي .. ودموعي لازالت تنساب بحرية على وجنتي .. نعم .. بكيت أكثر عندما رأيت أعتاب قرية الوديان .. هذه القرية التي شهدت أجمل لحظات عمري مع رضا .. أذكر وكأنها الآن .. كيف كانت رحلتنا هنا .. على قمة الجبل ..
(13)
كانت الشمس مشرقة وضوئها ينير صفحة السماء .. والنسيم الهادئ يداعب الأشجار والأزهار .. وصلت إلى أعلى الجبل مع رضا .. كنَّا ننوي أن نقضي ليلتنا في أحدى المباني الموجودة في قمته .. والتي كانت في غاية الروعة ..
كان الجو عليلا ًجدا ً في الأعلى .. وهمسات رضا تغمرني بالسعادة أكثر ..
همس لي وقال .. وجود .. أحبك ِ ..
فشقت ابتسامتي طريقها إلى شفتي .. ثم اختفت تحت شفتيه القاسيتين .. وضاع وجهي بين قسمات وجهه والتي عشقتها بندبته الكبيرة .. نعم أحببتها فيه .. وأصبح في نظري .. وسيما ً جدا ً ..
(14)
في ذاك اليوم هبط الليل علينا وغابت الشمس .. وكأنها خجلت من همساتنا .. واختبأت عن قبلاتنا الحميميه .. خلف الجبل الكبير ..
في تلك الغرفة الصغيرة .. لبست ثوبا ً أبيضا ً حريريا ً طويلا ً .. عاري الكمين ..
ورميت بشعري الفاحم خلف ظهري بعد أن صبغت شفتي بالأحمر القاتم .. صنعت القهوة .. ثم حملتها إلى رضا .. حيث كان يجلس في الشرفة المطلة على القرية الصغيرة أسفل الجبل .. وكان يقرأ قصائد لنـزار .. لأستمع إليه ..
فهتف عندما رآني ...
قولي احبك كي تزيد وسامتي .. فبدون حبك ِ لا أكون جميلا ..
ضحكت من أعماقي .. أحطت عنقه بذراعيّ العاريتين .. وأسندت رأسي إلى رأسه .. هتفت في أذنيه .. أحبك رضا .. وسأظل حتى آخر حياتي ..
فمال جسده لي .. وعانقني .. ليختفي جسدي .. وأبتسَِِم .. كطفلة صغيرة قد ولدتها أمها للتو .. فأعجبت بالحياة .. وأحبتها ..
(15)
لازال القطار يصدر صوتا ً مزعجا ً بالنسبة لي .. ولازال الفجر بعيدا ً .. وليلي طويل ..
مزقت الورقة التي كتبت فيها تلك الكلمات التي تنهد بها صدري بتأوه .. وهتفت .. آه منك يا زمن .. كم هي الأيام مخيفة .. تخفي لنا ما لا نعتقد حدوثه .. بل ولا نستطيع تحمله ..
الطريق بدا لي طويل جدا ً .. والذكريات لا تزال تلح ّ علي ّ لأحضرها .. والليل أصبح في نظري أطول وأطول ..
(16)
في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل .. أُطرق باب مقصورتي ..
فتعجبت ..ترى من القادم !!
ودخلت هيام ..امرأة طويلة وضعيفة لدرجة القبح .. ترتدي كعبا ً يزيد من قبحها بشاعة .. نعم ..هذه المرأة التي أكرهها من أعماق قلبي ..
سألت نفسي .. كيف يا ترى علمت بوجودي هنا ؟ وما الذي جاء بها إليّ !!
فسألتني بغنج وهي تميل رأسها بدلال قبيح إلى خلفها ..هل أستطيع البقاء معك باقي الليل !! فالنوم قد جافاني وأعتقد أنه كذلك بالنسبة إليك ِ .. لا أظنك ِ تمانعين بقائي ؟!
ثم أخذت تنفث بقايا الدخان الذي كان في يدها والذي أضاق بصدري أكثر..
وجلست على المقعد أمامي .. بالضبط .. في المكان الذي جلس فيه رضا أول مرة .
(17)
نعم ..حدث هذا وأنا لم أفتح فمي بكلمة واحدة ..فكُرهي لها لا يحتمل أن أتبادل الحديث معها أبدا ً .. وخصوصا ً هذه الليلة .. نعم هذه المرأة التي فتحت لها باب حياتي منذ سنوات .. فلقد كانت هيام .. من أغلى وأحب الصديقات إلى قلبي.
(18)
بعد لحظات قصيرة .. هتفت هيام : أتذكرين عزيزتي كيف كانت طفولتنا .. كيف كانت صداقتنا ..آه .. هي أجمل ما كان في حياتي..
فهتف قلبي ..أجل .. لابد أن تكون أجمل ما كان ..
لأنها قد أكسبتك ِ أثمن ما أملك .. نعم .. إنه رضا .. زوجي .
(19)
أخذت هيام تتحدث وكأنها صاحبة المقصورة .. وكأنني أنا التي دخلت عليها ..
حتى وصلت إلى الموضوع الذي أتحسس منه كثيرا ً.. والذي كنت أدعو أن لاتصل في حديثها إليه .. فقالت : أتذكرين يا وجود كيف جُنّ رضا عندما رآني لأول مرة وهو معك ِ !!
ابتلعت ريقي في غصة مريرة .. وكيف لا أذكر !! وهي التي لفت شباكها حوله ..
كيف لا أذكر !! وهي التي جذبته إليها بعدما وشت بيني وبينه ..
بعدما أوقعتني فيما لم أفعله أبداً .. ثم ارتمت هي عند شفتيه !!
.
.