تلك القصّة التي رويتها عن إبراهيم رواها هو بدوره لعامر وهما يجلسان تحت سدرة قريبة من السوق. ويبدو لي أنهما اتفقا بعدما أحسّ عامر بألفة شديدة تجاه هذا الوافد من برّ فارس وأنّه غدا متحمساً لخوض المغامرة معه. لكن ما هما قلقان بشأنه الآن هو أنهما لا يملكان أي مال ليشتريا راحلة أخرى يركبها عامر وطعاماً للرحلة.
وهما جالسان ومفلسان حتى من الأفكار إذا برجل ضخم ذو سحنة سوداء يعلّق في رقبته طبلاً يتجه نحوهما. حين وصل حيث يجلسان تحت السدرة استدار ليواجه مدخل السوق وبدأ يضرب طبلته حتى اجتمع حوله الناس من كل أرجاء السوق وأخذ ينادي بهم
-أيها الناس....أيها الناس.....قد أهدر الوالي دم قاطع الطريق حنظلة ومن معه من الصعاليك، وفوق ذلك فمن يقتله أو يقبض عليه له عشرة آلاف دينار.
لم تكد كلمة الدينار يكتمل دخولها لأذني ابراهيم حتى قام وشقّ الجموع حول المنادي ووقف وسطهم قائلاً
-أيها الناس.....أيها الناس....أنا ابراهيم الكحلي من سادات البرّ الفارسي أتعهد بأن أخلصكم من حنظلة وصعاليكه.
ضجّت الجموع حوله بالتهليل والصياح مما جعل الحماسة تتدفق لرأسه، سلّ سيفه ورفعه عالياً بينما هبّ بعض الرجال ليحملوه على الأكتف في موكب مهيب لمقرّ الوالي مردّدين أشعار الحماسة. عامر بقي تحت شجرته مبهوتاً لبعض الوقت كأن أحداً أفرغ عليه ماءً بارد. لم يصدّق ما أقدم عليه صاحبه للتو. "بالتأكيد هو لا يعرف من حنظلة هذا" ....هكذا خاطب عامر نفسه ثم هزّ وجهه ليصحو من الصدمة وأسرع خلف الناس يجرّ جمل ابراهيم.
هناك، كان خبر وجود من هو مستعدّ لمحاولة قتل حنظلة أو القبض عليه قد طار للوالي قبل أن يصل الموكب فخرج الوالي مبتهجاً مرحباً بالفارس المقدام. نزل ابراهيم من على الأكتاف وأغمد سيفه وأبدى احترامه للوالي
-أسعد الله أوقاتك أيها الوالي....أنا ابراهيم الكحلي من سادات البرّ الفارسي وأشهر مقاتل عربي من الأحواز حتى بحر عمان.
-كم نحن سعداء بوجودك هنا أيها السيّد، فمنذ ما يزيد على السنة ونحن نعلن يومياً عن الجائزة لمن يخلصنا من حنظلة وصعاليكه الذين عطّلوا تجارتنا دون أن يجرؤ أحد التقدّم لهذه المهمة. أنا على استعداد لتقديم كل ما تحتاجه أنت ورجالك.
-لا تقلق أيها الوالي فقد ساقني الله بقدرته لأقبض على قاطع الطريق هذا وزمرته، وكل ما أطلبه الآن هو جمل لرفيقي ومئونة الرحلة.
-ماذا؟!؟!.....قلت جمل لرفيقك!!!.....حسبت أن معك مئات الرجال . هل تهزأ منّا أيها...السيّد من البر الفارسي.
وتعالت الأصوات الساخرة والضحكات من الجموع الملتفة. لكن سلّة السيف المفاجأة من ابراهيم جعلت الجميع يشهق من المفاجأة ويتراجع للخلف. تعلّقت العيون بسيفه الذي رفعه عالياً وهو يقول
-ليشهد علي من يسمع. أنا ابراهيم الكحلي، أعدكم بأن آتي بحنظلة وصعاليكه لهذه الساحة لتروا فيهم رأيكم. وإن لم أفعل ذلك فلا أحمل سيفاً ما حييت بعد ذلك.