بعد ثلاثة أيام من السير الحثيث كان ابراهيم يتهادى فوق جمله في الميناء جيئة وذهاباً، كان يتفحص الوجوه والأشياء ويتصيّد الكلمات الطائرة لعلّه يجد وسيلة ما ليركب سفينة ما إلى مكان ما على جزيرة العرب.
مضى نصف اليوم عليه دون فائدة، والأسوأ هو أن صرّة نشوقه باتت فارغة مما عكّر مزاجه. وهو على تلك الحال إذا بمجموعة من الرجال والنساء القرويين يتبعهم بعض الصبية قادمين من ناحية الجبل. كانوا جميعاً يتشاركون أمارات التعب ويتهامسون بقلق. وقف ينظر لهم حتى عبروا من أمامه وهم صامتون كأنهم لايريدون أحداً أن يعرف ما يدور بينهم. تملّكه الفضول الشديد فمد عصاه من فوق جمله أمام أحد الصبية في المؤخرة وسأله
-ماذا هناك أيها الفتى؟!.....أخبرني ماذا حدث.
-إنها بنت خالي أكرم. اليوم زفافها لكنّها هربت خوفاً من الزواج. منذ الصباح ونحن نبحث عنها في الجبل وكلما رأتنا فرّت بعيداً حتى تعبنا من ملاحقتها.
قال الصبي ذلك وانطلق مسرعاً ليلحق بالبقية. ولحق بهم ابراهيم أيضاً بعد أن أثاره الأمر. تقدم أمام أكرم ومن معه من الرجال والنساء وقال يعرض عليهم المساعدة
-لقد عرفت ان ابنتكم هربت للجبل خوفاً من الزواج، أنا مستعد لأن أجدها واقناعها بالرجوع.
-لقد حاولنا معها كثيرا، وإن استطعت أن تعيدها لنا فأنت تستحق مكافأة.
مكافأة.....ذلك ما كان يبحث عنه ابراهيم. ترك جمله عندهم وقصد الجبل ماشياً. دخل أول وادي صادفه بعدما ظنّ أنّه مكان مناسب للإختباء وأنها ربما فكّرت بالمثل. سار لبعض الوقت حتى أحسّ بالعطش والتعب. حاول العودة لكن يبدو أن عدم وجود النشوق والعطش قد أثّرا على إدراكه للجهات وانتهى به الأمر من شدّة الإجهاد أن تزل قدمه ويسقط وهو يحاول تسلّق إحدى الصخور. أغمي عليه لبعض الوقت، وعندما أعاد فتح عينيه كان رأسه في حجر فتاة حسناء تقطّر في فمه الماء بيدها المنقوشة بالحناء. للحظة اعتقد أنّه مات ودخل مباشرة للجنّة وأن تلك الفتاة هي إحدى الحور العين خصوصاً وأنها كانت ترتدي ثوب زفاف. لكن عاد له إدراكه حين كلّمته الفتاة قائلة
-كدت تموت يا هذا. مالذي جاء بك للجبل بدون ماء أو طعام؟!.....هل أنت هارب من أحد؟!.
وتخلّقت في ذهنه ساعتها خطة.....أجابها...
-نعم.....أنا هارب.....يريدون أن يزوجونني وأنا خائف.....أرجوكِ لا تخبري أحداً أنّكِ رأيتني.
-ماذا؟!؟!؟....أنت مثلي إذن!!!....هل تصدّق أني أنا أيضاً هاربة خوفاً من الزواج.
وجلس الهاربان يتحادثان وكل منهما مستأنس بالآخر. وحين غربت الشمس بحثا عن كهف ليبيتا فيه. كان ليل الجبل موحشاً وعواء الذئاب مخيفاً. ومن شدّة خوفهما التصقا ببعضهما حتى الصباح. حين استيقظا قال لها.....
-هل تعلمين أنّ ما فعلناه البارحة هو الزواج؟!!.
-حقاً؟!؟!؟!.....أهذا هو الزواج؟! ممممم هل تفكّر في العودة مثلي.
-نعم، إني أفكر بالعودة. ما رأيكِ؟
وهكذا نزل ابراهيم الكحلي من الجبل تتبعه العروس الجميلة ليعيدها لأهلها وقد باتت هي الآن مشتاقة للزواج، وتقديراً لجهده الذي استمرّ ليلة كاملة أعطاه أبوها عشرة دراهم مكافأة له. من تلك الدراهم العشرة دفع ابراهيم تسعة أجرة نقله مع جمله في السفينة للبر العربي وبقي له درهم واحد اشترى له به عامر صرّة نشوق.