منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - بيت عاتكة
الموضوع: بيت عاتكة
عرض مشاركة واحدة
قديم 25-12-2012, 01:25 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي بيت عاتكة



بيت عاتكة


أعرق ثانوية في البليدة ، يعود تاريخها إلى الثلث الأخير من

التاسع عشر... تخرج منها نخبة من قادة الثورة ...

سلخت فيها أجمل أيام عمري تدريسا ، و أجمل الأجمل فيها هي الأيام التي درست فيها ابنتي رشأ مع كوكبة من زملائها كانوا نخبة تلاميذ الثانوية ...كان لهم شرف استقبال رئيس الجمهورية حين زار الثانوية عام 2006 وحضر لهم حصة مع أستاذ التاريخ وحاورهم و حاوروه ، كانت لهم جرأة و شجاعة أدبية في طرح الأسئلة . منها سؤال ابنتي رشأ ...كان رئيس الجمهورية يحمل برنامجا يدعو إلى السلم و المصالحة في وقت كان الإرهاب يدمر فيه حياة البلاد و العباد .


كان بوتفليقة يفكك آلة الإرهاب بأسلوب العصا و الجزرة وكان سؤال رشا :
- "هل المصالحة في برنامجكم مصالحة من موقع القوة المتحكمة أم من منطق الضرورة التي تفرض معها تنازلات للقتلة ؟"
و جاء جواب الرئيس حكيما متماشيا مع موضوع الدرس (السلم و المصالحة ) كان جوابه – "يا بنيتي القوي هو الذي يصالح ."

ولما خرج أمر بأن ترمم الثانوية باعتبارها معلما تاريخيا لا ينبغي تركه نهبا للبلى .


وها هي الثانوية مغلقة الأبواب تخضع للترميم ، للجراحة و الشد و المد، وقد وزع تلامذتها و أساتذتها على مؤسسات تربوية مختلفة ...

مررت بها هذا الصباح فأثارت في نفسي موجة عاتية من الانفعالات و التداعيات المتداخلة .


ذكرتني الثانوية و هي على هذه الحال ببيت عاتكة في قول الشاعرالأحوص :
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا و بك الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود و إنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل


أتذكر جيدا الأسف الذي ارتسم على وجوه الطلاب ذات مرة حين ذكرت لهم هذين البيتين اللذين اتخذهما خصوم ابن المقفع حجة لاتهامه بالزندقة ثم الحكم عليه بالإعدام ...

السياسي حين يريد تصفية المثقف يبحث له عن تهمة يلفقها له ، والتهم دائما هي هي لا تتبدل على مر الأجيال : إما العمالة و التآمر على البلد أو الزندقة و الكفر . وكانت الزندقة هي ما قذف به ابن المقفع الذي أزعج السلطة آنذاك بعقلانيته و ميوله العلوية فقررت تصفيته في السر بعد اتهامه في العلن بالزندقة ، ودليل الزندقة عندهم أنه شوهد يقف عند بين نار مجوسي و يردد بيتي الأحوص :
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا و بك الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود و إنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل

فقالوا كان يبث حنينه إلى مجوسيته ، وهو يظهر الإسلام و يبطن المجوسية .


ونفذوا فيه حكم الإعدام و ابتكروا في ذلك طرقا فظيعة حكاها الرواة بأساليب مختلفة لكنها تشترك في القسوة و التوحش ...

ابن المقفع الذي أرسى أسس النثر العربي و ساهم في نقله من الشفاهة و السذاجة إلى التدوين و العمق المعرفي .

ابن المقفع الذي نجح في أن يهرب إلى الإنسانية واحدا من أنفس الكتب " كليلة و دمنة " حين ترجمه من الفارسية إلى العربية .وبعد ضياع النسخة الهندية و النسخة الفارسية ظلت النسخة العربية الأصل الذي تعود إليه الإنسانية في ترجماتها المختلفة لهذا الكاتب الخطير ...كانت نهايته مأساوية على يد الجهلة كما كان الأمر قبل ذلك مع سقراط الذي نفذ فيه أسياد أثينا الحكم بالإعدام بتهمة أنه يفسد عقول الشباب بفلسفته ...

مفارقة عجيبة حتى صاحب الشخصية التي سميت بها ثانويتنا " ابن رشد " لم يسلم من الاضطهاد بنفس التهمة ، فقد حرض عليه الجهلة السلطة و اتهم بالإلحاد فجمعت كتبه لتحرق في الساحة العامة ...وتعرض لأشد أنواع الإعدام " إعدام الفكر " ...

وحتى أمسح الحزن الذي ارتسم على وجوه طلبتي قلت لهم : لكن العقل هو المنتصر في النهاية ،
فها نحن اليوم نقرأ كتب ابن المقفع ، و كتب ابن رشد ونمجد ذكرهم .















 
رد مع اقتباس