أنت عمري
قصة قصيرة ..
تأكد من إقفال بابسيارته جيداً ، وارتقى سلالم ثلاث ، وتوقف لوهلة ثم زفر ، ثم طرق الباب مرتين ،وانتظر.
عقارب ساعته تشير إلى الثامنة والنصف مساءً ، وأصابعه خالية ٌ من أيخاتم ، وابيضاض بعض خصلات شعره ، لم يغير
من شكله قبل سنوات عشر.
سيدةٌثلاثينيةٌ تماهى ظلها عبر الباب الزجاجي المزركش ، وقد عدلت من تسريحة شعرها ، ومدتيدها نحو المقبض في هدوء ، وفتحت لضيفها الباب .
تبادلا ابتسامتين وتصافحالدقيقة كاملة وبضع ثوان ، وأفسحت له الطريق .
مرآة جميلة على يمين الممر المؤديإلى ردهة فسيحة ، وطاولة ٌ خشبيةٌ توسطتها ، وأرائك خمس توزعت حولها .
وعلىالحائط ، عُلقت لوحة لرجل في الستين من عمره توشح طرفها شريط ٌ أسود .
أشارتإليه أن أقعد هنـا ، فتقدم خطوات ، وفك أزار بدلته ، قبل أن يستقر على أريكته ،وعدَل من هندامه في هدوء، وابتسم.
تداركت نفسها قبل أن يلحظ سرحانها ، وقد يممتوجهها صوب المطبخ ، دون أن تسأله عن عدد ملاعق السكر في فنجان قهوته .
تأملجنبات المكان ، وتوقف نظره عند صورتها وقد وقفت بجانبه ، وخلفهما ورودٌ حمر .
قاده فضوله إلى الاقتراب منها أكثر ، ففعل .
ثم دقق في وجهها النظر ، كأنهيتحقق من صدق ابتسامتها معه .
- شعرت للحظات بأنه سجان ٌ ، والقدر يرفض أنيريحني من الأسر .
تناول فنجان قهوته من يدها ، وتابع الإنصات لها ، فشعرتبارتياح كعادتها كلما تحدثت معه ، فاستطردت ..
- عشر سنوات ، كأنها الدهرطولا .
ثم تنهدت وابتسمت له وقالت في هدوء :
- وأنت ..؟
كأنسؤالها باغته قليلاً ، فوضع فنجانه على الطاولة ، وشبك يديه ، وقال في رضا :
- أحياناً نفشل في التظاهر بالسعادة – لسنوات – مع الطرف الآخر ، ولانستطيع تفادي النتائج ، مهما حاولنا .
قال جملته الأخيرة وهو يفرك بيدهاليمنى بنصره الأيسر ، وهزت رأسها في موافقة لرأيه ، ومدت له سلة الشكولا ..
- تفضل ..
لم يفكر كثيراً في البحث عن صنف معين ، فجميعها يعرفطعمها جيداً ، وتعرفه ، فالتقط واحدة ، وشكر ..
ثم إنها وضعتها على الطاولة ،قبل أن تقعد على الأريكة المجاورة ، ولفت ساقاً على ساق .
ارتشفت من فنجانهارشفةُ ، بينما كان هو يشعل سيجارته بولاعة ذهبية فاخرة ، وعندما أدركت عيناهاولاعته ، شيءُ ما بداخلها قد ابتهج
- كيف حال والدك ؟ هل لازال عصبياً ؟
- بخير ..
لم تعقب على كلمة عصبياً ، إذ أنها أدركت مقصدها جيداً ، ثمإنها نظرت إلى بنصره الأيسر في وضوح أدركه ، وسألته في حيرة
- منذ متى ؟
كانيضع سيجارته على المنفضة ، قبل أن يرد على سؤالها ..
- بعد سنوات خمس منالإرتباط ، يبدو بأنني لا أتقن فن التعامل مع النساء ..
تلت كلماته ابتسامةباهتةً على شفتيه ، لكنه أزالها في محاولة للهروب من الماضي .
عقرب الدقائقيقترب من الأثني عشر ، والمذياع يستعد – كعادته في هذا الوقت – لاستقبال صوت كوكبالشرق ..
وكانا قد تعاهدا على سماع محطتها ، في كل يوم ، وفي ذات الوقت .
- لماذا لم تنجبي إلى الآن ؟
- لأني لا أريد له أباً نذلا ..
قالت جملتها الأخيرة ، وقد نظرت إلى عينيه مباشرةً دون ارتباك .
رجعوني عينيك لأايام اللي راحو ، علموني أندم ، على الماضي وجراحو
الليشفتو ـ قبل ما تشوفك عينااايا ، عمري ضايع ، يحسبوه ازاي عليا ..
أطفأسيجارته ، وهم بالاستئذان ، بعد أن أدرك حقيقة ما بداخله ، وصافحها لدقيقة أوإثنتين .
وتوجه صوب الباب ، خطواته تتحرك بتثاقل جلي ، وأدار المقبض ، وقد وصلالصراع في داخله إلى ذروته .
وفتح الباب في هدوء ، ثم إنه استدار نحوها ، وهمبسؤالها ..
- هل أنـا حقا ... ؟
وقبل أن لم يكمل جملته ، صدحت كوكب الشرق
أنت عمري ، أنت عمري اللي بتدا بنوره الصباح اللي ابتدى بنوره الصباح وانتوانت انت عمري
فصمت لبرهة ، ثم مضى ..
تمت ..