بسم الله الرحمن الرحيم
كنت قد استخرت البارحة في أمر , راجيا من الله تعالى أن يشرح لي صدري في ذلك و ييسر لي أمري , ويرزقني لكل خير , وأسأل الله تعالى أن يلطف بي في قضائه بي , و أن ينزع الأثر في النفوس , و أن يوفق كل المسلمين الى كل خير .
فرأيت أن أكتب بعض الأمور عن صلاة الاستخارة و مفهومها للفائدة :
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول:
إذا هم أحدكم بأمر فليصلِّ ركعتين ثم ليقل :
" اللهم إني أستخيرك بعلمك ، واستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب . اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسمي حاجته - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ، ويسره لي ، ثم بارك لي فيه . وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به" . [البخاري ]
مفردات الحديث :
الاستخارة : طلب الخيرة في شيء ،
وهي استفعال من الخير أو من الخيرة – بكسر أوله وفتح ثانيه ، بوزن العنبة ، واسم من قولك
خار الله له ، واستخار الله : طلب منه الخيرة ،
وخار الله له : أعطاه ما هو خير له ، والمراد : طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما .
قال في عاجل أمر وآجله : هذا شك من الراوي ، وأي يقول هذا أو هذا ، وجاء في بعض الراويات الجمع بينهما بلفظ : وعاقبة أمري وعاجله وأجله .
يسمي حاجته : أي يذكرها بدل قوله (أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ) كأن يقول – اللهم إن كنت تعلم أن عملي في المكان الفلاني خير لي … إلخ .
التعليق على الحديث :
واعلم أن العبد يحتاج في فعل ما ينفعه في معاشه و معاده إلى علم ما فيه من المصلحة وقدرته عليه وتيسيره له – وليس له من نفسه شيء من ذلك ، بل علمه ممن علم الإنسان ما لم يعلم ، وقدرته منه ، فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز ، وتيسيره منه فإن لم ييسره عليه وإلا فهو بعد إقداره – أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى محض العبودية وهو جلْب الخِيرَة من العالِم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها ، وطلب القدرة منه ، فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز ، وطلب فضله منه ، فإن لم ييسره له ويهيئه له وإلا فهو متعذر عليه ، ثم إذا اختاره له بعلمه وأعانه عليه بقدرته ويسره له من فضله فهو يحتاج إلى أن يبُقيه عليه ويديمه بالبركة التي يضعها فيه ، والبركة تتضمن ثبوته ونموه ، وهذا قدر زائد على إقداره عليه وتيسيره له ، ثم إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضيه به ، فإنه قد يهيئ له ما يكرهه فيظل ساخطاً ويكون قد خار الله له فيه .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
ما ندم من استخار الخالق ، وشاور المخلوقين ، وثبت في أمره .
وقد قال سبحانه وتعالى :
( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (سورة آل عمرا ن : 159) ،
وقال قتادة : ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى أرشد أمرهم
.
قال النووي رحمه الله تعالى : باب الاستخارة والمشاورة :
والاستخارة مع الله ، والمشاورة مع أهل الرأي والصلاح ، وذلك أن الإنسان عنده قصور أو تقصير ، والإنسان خلق ضعيفاً ، فقد تشكل عليه الأمور ، وقد يتردد فيها فماذا يصنع …
طرق الاستخارة :
الطريق الأول :
استخارة رب العالمين عز وجل الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون .
الطريق الثاني :
استشارة أهل الرأي والصلاح والأمانة ، قال سبحانه وتعالى :
{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر}
وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقال سبحانه وتعالى :
{ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } (سورة آل عمرا ن : 159) ،
وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو أسدُ الناس رأياً و أصوبهم صواباً ، يستشير أصحابه في بعض الأمور التي تشكل عليه ، وكذلك خلفاؤه من بعده كانوا يستشيرون أهل الرأي والصلاح .
شروط الاستشارة :
1- أن يكون ذا رأي وخبرة في الأمور وتأن وتجربة وعدم تسرع .
2- أن يكون صالحاً في دينه ، لأن من ليس صالحً في دينه ليس بأمين وفي الاثر ، عن الحسن البصري قَالَ لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ ولادِينَ لِمَنْ
لا عَهْدَ لَهُ ، لأنه إذا كان غير صالح في دينه فإنه ربما يخون والعياذ بالله ، ويشير بما فيه الضرر ، أو يشير بما لا خير فيه ، فيحصل بذلك من الشر ما لله به عليم .
ما هو المقدم المشورة أو الاستخارة :
أختلف العلماء هل المقدم المشورة أو الاستخارة ،
والصحيح ما رجحه الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله –شرح رياض الصالحين –
أن التقديم أولاً الاستخارة ،
لقول النبي صلى الله عليه وسلم :
( إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ …إلى أخره )
ثم إذا كررتها ثلاث مرات ولم يتبين لك الأمر ، فاستشر ، ثم ما أشير عليك به فخذ به وإنما قلنا : إنه يستخير ثلاث مرات ، لأنه من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا دعا دعا ثلاثاً ، وقال بعض أهل العلم أنه يكرر الصلاة حتى يتبين له للإنسان خير الأمرين .
بعض فوائد الاستخارة :
قال عبد الله بن عمر :
( إن الرجل ليستخير الله فيختار له ، فيسخط على ربه ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خار له ) ..
وفي المسند من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم
(
من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى ، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله ، ومن شقالوة ابن آدم تركه لاستخارة الله عز وجل ، ومن شقلوة ابن آدم سخطه بما قضى الله ) ،
قال ابن القيم فالمقدور يكتنفه أمران : الاستخارة قبله، والرضا بعده .
ا
وقال عمر بن الخطاب : لا أبالي أصبحت على ما أحب أو على ما أكره ، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره ،
فيا أيها العبد المسلم لا تكره النقمات الواقعة والبلايا الحادثة ، فلرُب أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك ،
قال سبحانه وتعالى : {
وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }
(سورة البقرة : 216) ،
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ما ندم من استخار الخالق ، وشاور المخلوقين ، وثبت في أمره .
انتهى
و حاصلة القول أقول بناء على ما استخرت
اللهم اني قد توكلت عليك, اللهم ان لم تكن غضبانا علي فإني لا أبالي , اللهم اني أبالي بعبادك
و أبالي بأهلي و من أحببت حبا جما , فوفقهم الى كل خير , فأنت القائل
وعسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم