نأتي الآن إلى الغرض الثالث من أغراض كتابة الشعر عند الشاعر وهو التلذذ بالعملية الإبداعية الذي يفرض على الشاعر المتلازمة النفسية الإبداع – إشباع الحس الجمالي والتي تتسم بها الحالة الشعرية عنده .
في البدء أريد أن أؤصل العملية الإبداعية المتمثلة في الكتابة عند الشاعر فأردها إلى الظاهرة النفسية التي تظهر عند الطفل منذ بدء تفتح وعيه حوالي السنة الرابعة من العمر وهي ظاهرة أحلام اليقظة ..فالطفل يبدأ بتخزين مدركاته التي تكتظ بما هو ضخم من التصورات غير الواقعية التي يلبسها الطفل لباس الواقع ويعيشها لوحده وهو يعلم أنها خاصة به .. . فعندما يكتشف الطفل أنه يمتلك أداة الخيال وأنه قادر على إعادة صياغة العالم وفقاً لحاجاته ورغباته هو عبر أحلام اليقظة ...فإنه يحوز على متعتين اثنتين إحداهما متعة إعادة تشكيل العالم بتقمص ما يشبع دوافعه الغريزية من شخصيات القصص التي يأخذ فيها دائماً دور البطولة ، والثانية هي متعة الاستعراض التي توفرها مشاركة الأصدقاء في التقمص عبر اللعب أو مشاركة الآخرين عموماً ويدخل فيهم من يزعج الطفل في حياته عبر حلم اليقظة الذي سيمكن الطفل من الانتقام أو إعادة اعتباره والانتصار لكرامته ممن يسيء إليه في الواقع .
أحلام اليقظة تستمر عند الإنسان حتى الموت ...لكنها تشهد نشاطاً مميزاً عند الطفل وعند المراهق بشكل واضح ... وفي حين يؤثر ارتفاع معدلات النشاط الواقعي في الحياة على معدل نشاط أحلام اليقظة فيضعفه أو حتى يقوم بقطعه وإيقافه لفترات معينة مع الانخراط في معترك الحياة اليومية وممارسة العمل أكثر عند الإنسان العادي .. فإن شخصية الفنان عموماً تتميز باستمرارية ارتكازها بشكل كبير على تحقيق التوازن عبر التقمص المرتبط أصلا ً بحلم اليقظة فحتى لو ازداد معدل النشاط الواقعي عبر ممارسة العمل في حياة الفنان الشاب فهو لن يتخلى عن الخيال في إدارة شؤون شخصيته ...لكن بسبب نضج العقل والحاجة إلى المصداقية في الحياة و كي يحقق الفنان الشاب الاحترام الذاتي فإنه يحاول التعويض باستخدام العملية الإبداعية بدلاً من حلم اليقظة فهنا تصبح الحالة الشعرية عند الشاعر هي الإطار نفسه الذي كان يحيط سابقاً بحلم اليقظة ...لكن الآن الشاعر يصر على مشاركة هذا الحلم مع الأصدقاء وهم المتلقون الذين يوجه الشاعر إليهم نتاجه الشعري ...
فالعملية الإبداعية سيتدخل فيها عاملان في الحالة الشعرية الأول يرتبط بما لدى الشاعر ويرغب بعرضه ( الاستعراض ) لأصدقائه والثاني يرتبط بأصدقائه الافتراضيين وهم المتلقون أنفسهم ...فكي يضمن الشاعر مشاركتهم سيتقرب إليهم بما هو موجود فيه ويعلم أنه موجود عندهم أيضاَ ..لذا فإن متلازمة الإثارة -المبالغة كما ذكرت سابقاً ستحتل مكانة مهمة في الحالة الشعرية عند الشاعر أثناء إشراك المتلقي من خلال قدرة الشاعر على تمثل حالة المتلقي أثناء تذوقه للعمل الشعري .
ولعل هذا الكلام يدفع بنا إلى القول إن الشاعر لن يتمكن من كتابة الشعر إذا تصور عدم وجود المتلقي مطلقاً لا الآن ولا في المستقبل ... ونستنتج أن العملية الإبداعية (الكتابة ) تستلزم إشراك المتلقي بما لدى الشاعر عبر عملية الاستعراض من قبل الشاعر والتذوق من قبل المتلقي ..
لكن في الحقيقة فإن الحالة الشعرية تتضمن فضلاً عن متعة الاستعراض التي يمكن تأصيلها إلى إشباع دافع الكرامة والإحساس بالاحترام الذاتي عند الشاعر متعة أخرى مهمة جداً عنده هي متعة إشباع دافع الحس الجمالي وهي متعة خاصة قد لا تتوفر بشكل واضح ودائماً عند كل الناس , وذلك لأنها تتطلب الصقل المستمر كي تنمو وتتضح وأريد أن أشبهها بغدة صغيرة في الجسم قد يتمكن الإنسان من العيش بدون إفرازاتها عندما تكون ضامرة أو ضعيفة النشاط ولكنه يعيش بسعادة أكبر عندما تكون نشيطة وقائمة على رأس عملها ...
الحس الجمالي في الأصل يرتبط بالغريزة الجنسية عند الحيوانات إذ نلاحظ كيف تزدهي الحيوانات بالألوان الجذابة خلال مراحل الغزل في مواسم تكاثر الأسماك والطيور مثلاُ ...لكن عند الإنسان فإن الحس الجمالي وإن كان يرتبط أصلاً بالغريزة الجنسية إلا أنه ينمو مع الصقل ليتداخل مع جميع أنواع الانفعالات عند الإنسان خاصة وأن تجربة التفكير ترقى به عبر ربطه بالقيم المعنوية الأخلاقية والدينية والفنية ...وما يحدث أن الشاعر( الفنان عموما) يكتشف أكثر من غيره متعة الحس الجمالي أثناء محاولاته المستمرة للتعبير البلاغي فتظهر قدرة الشاعر (الأديب ) على الكشف عن الخصائص الجمالية للموضوع الذي يصفه بالوصف والربط بين الصفات وهنا فإن مهمة الشاعر أن يتفوق على المتلقى ليكشف له بحسه الجمالي ما لا يستطيع المتلقي العادي الانتباه إليه ...فتتركز مهمة الشاعر في أن يرسم بالكلمات الصور الشعرية التي تشكل المشهد الشعري عموماً ...وبرأيي الشخصي ..كلما كانت الصور الشعرية متسقة كوحدات بناء صغيرة مترابطة وموظفة ضمن الرؤية العامة لبناء المشهد الشعري كانت تدل على درجة أرقى وأكثر تطوراً من وعي الحس الجمالي عند الشاعر . الأمر يشبه تماماً أن ترسم لوحة بالفرشاة والألوان على خلفية قماش اللوحة ...فهل يقبل الحس الجمالي أن تكون هناك بقع غير ملونة في خلفية اللوحة ؟ غير أن ميزة الصور الشعرية الجميلة أنها فضلا ً عن اتصالها العضوي بعضها مع بعض ضمن المشهد الشعري فهي قادرة على أن تتضمن نوعاً من الحركة التي ينتقل عبرها الشاعر من منطقة إلى أخرى عبر المشهد الشعري بشكل متسلسل ...وتتأتى هذه الميزة من أننا عندما ننظر إلى لوحة حقيقية مرسومة بالريشة فنحن نراها ككل ...بل مطلوب منا أن نتأملها ككل وإن كنا نستطيع تركيز بصرنا على بعض أجزائها دون الآخر بغاية اكتشافه أكثر...لكن الصورة الشعرية ولأنها محمولة عبر الكلمات لا نستطيع أن نتذوقها كلها دفعة واحدة ولا ينبغي لنا ذلك بل إن إحداها تنتقل بنا إلى الأخرى عبر تسلسل يفترض أن يكون منطقياٌ مراعاة لعدم الانقطاع في تصور المشهد الشعري في ذهن المتلقي . لذا فإن هذه الميزة تسمح أيضا ً للشاعر بنقل حالته الشعرية بشكل مسترسل يساعده عل جذب القارئ تدريجياً لامتلاك وعيه لحظة القراءة . فالذكاء عند الشاعر أن يراعي ذهنية المتلقي في طلبه متعة التذوق مع الترابط ...وربما يفقد الشعر بعضاً من هذه الخاصية عند الشعراء المبتدئين أو الذين لا يعيرون أهمية لإخراج القصيدة كعمل فني متكامل ...
ومطلوب من الشاعر أن يتمكن من إثارة دهشة المتلقي عبر كشفه عن الروابط الغامضة أو إنشائه لهذه الروابط والعلاقات غير المتوقعة بين الأشياء التي يقوم برسمها أو وصفها في الصورة الشعرية ...ومن هنا فقد ابتكرت القدرة الشعرية عند الشعراء ما يسمى ظاهرة تراسل الحواس التي يوظف فيها الشعراء الأفعال الحسية ويوزعزنها بين الحواس بشكل غير مألوف مخالف للطبيعة وهو ما يزيد من تألق الصورة الشعرية ويعطيها أبعاداً جمالية عميقة التأثير في نفس كل من الشاعر الذي أنشأها والمتلقي الذي يتذوقها ...ذلك أن منهج الخروج عن المألوف في الإثارة يظل هو الأقوى في الحالة الشعرية . ولو انتبهنا إلى ما يتعرض إليه الشعراء من النقد لوجدنا أن مشكلة تكرار الصور الشعرية واستهلاكها تبرز كخطر يهدد شخصية الشاعر بالاضمحلال أو الذوبان في الشخصية الشعرية لغيره من الشعراء إذ المطلوب دائما ً هو الإتيان بالجديد والمتفرد من قبل كل شاعر وهذا لا يتحقق للشاعر إلا بمزيد من الصقل للحس الجمالي عند الشاعر ...لكن عملية الصقل نفسها والتي تعتمد بالدرجة الأولى على تثقيف الشاعر نفسًه بالقراءات الدؤوبة لأعمال غيره من الشعراء هذه العملية نفسها قد ترسم إطارا لأبعاد الحس الجمالي عند شاعر ما عندما يقع تحت تأثير أحد الشعراء الأقوياء مما يجعله ودون انتباه منه يعكس خصائص ذلك الشاعر القوي في حسه الجمالي ...فكي لا يحدث ذلك ربما يجب أن ينوع الشاعر في طبيعة المعطيات الثقافية التي يصوغ بها وعيه الجمالي .. بعبارة أخرى ...كلما عدد الشاعر ونوّع من طبيعة قراءاته ومصادر معينه الثقافي كان أكثر فرادة في تشكيل حسه الجمالي ..فثقافة الشاعر هي ثقافة كونية كما أراها في الحالة المثالية ...يجمع فيها بين فنون العلوم الطبيعية والفنية التشكيلية والأدبية والدينية ...إلخ .