ترى هل يدوم هذا الالتصاق كثيراً؟ ويهنأ الفتى بحياة يؤملها مثل أترابه؟!
في لحظة شاردة، لم يحسب لها حساب، غربت الشمس، بعد أن كانت تملأ الأفق كله.. وهجمت عتمة عجيبة، ملأى بأكوام من غيوم داكنة تتكتل كأنها لفائف ضخمة.. ما أن تنقشع بفعل الريح حتى تعود كما بدأت.. ومن بين تلك الأكوام المخيفة لاتشاحها بسواد قاتم، انسل القمر، ليتسيد المساحة الفارغة للتو، وأخذ يقدم ضياءه ليمثل إطار نجاة، قدم للفتى فرصة للإبحار بين هذه الأكوام المتلاطمة.. عله يصل إلى شاطىء الأمان..
لم يكن ذلك سهلاً على الإطلاق، فقد حفر في جبهته علامة فارقة تجذرت في دواخل نفسه، واستقرت حتى اللحظة!
عندما انقشعت أجزاء كبيرة من العتمة، عاد الفتى إلى حقيبة المدرسة في الفصل الرابع، لم يكن في الحقيبة يومها سوى بقايا الأقلام التي أحضرها والده فرحا به وتحبيبا له في تلوين خربشاته التي ينثرها في صفحات دفاتره المدرسية عله يضمن من هذا الفتى مزيد اهتمام ورغبة في أن تظل تلك الأقلام رفيقته.. فما أن يلهو مع أترابه ويأخذ قسطه الطبيعي من ذلك، حتى يعود عن رغبة، ليلهو بتلك الأقلام؛ يلهو ويرسم أكثر من أي شيء آخر..
هل كان لتلك الحزمة من الأقلام الملونة أثر في تكوين شخصية الفتى؟!
ربما..
إذ كان الفتى يلحظ أن أترابه في الفصل لم يكن بعضهم يتوفر على القلم الرصاص أحيانا.. (فقد كانت الظروف الحياتية لأهالي القرية، وربما لكثير من سكان البلد كله صعبة ولا تجد ثراء ذي بال إلا عند قلة قليلة، وقد كان دخل أغلب الأسر لا يتجاوز حاجتها من طعام وكساء وأدوات تدفئة في أوقات البرد القارص، بل كانوا يحتطبون من الغابات المحيطة بالقرية ما يدفئون بها تلك المساكن الطينية التي كانت تغلب على القرية كلها). كانت تلك أجواء ما بعد حربين تركتا ظلالهما على الوطن الناشيء..
تلك أجواء حفرت كثيراً في ذاكرة الفتى.. وأخذت موقعها الدائم في دواخله..