السلام عليكم ...
تمارس النفس في هذه القصيدة انطلاقاً أشبه بالتحرر أو الانفلات بعد كبت ...في البدء كان الكبت...حيث يحاول الشاعر الارتقاء والتسامي بدافع من ظهور الشيب في رأسه كإنذار بضرورة مسايرة التقدم في العمر بنوع من الكبت المسمى ( ارتقاء)
ضاقت نفسي
من زخات ارتقائي ،
بامتطائي
موجات الشيب الوئيد
لكن النفس لم يعجبها هذا الالتزام فتمردت عليه بمخالفته وأخذت تمارس انطلاقها كما يفعل أسير بعد التحرر
صاحت أضاعت صبرها
نطت ،
بروحي هاجرت
طوافة .
في ليل مديد
حطت جوار الصخر الكئيب
تاقت لمحو السابق التليد
خالت اهتمامي ... قيدا مهينا ،
والركض ليلا في مدار النجم الجديد
رفضا قويا للسوار .
الطوق ..
الحديد .
استمتعت
لما توارى صمتها ، تمادت .
لاذت بوكر الباز وابن آوى ،
تاهت بسفح الشارد الطريد .
تنضو مآقي خفاش عالق
مصلوب ،عنيد .
ودار صراع وتقلبات في نفس الشاعر بين الالتزام وبين المروق والتمرد ..
ضعف المطايا
حال دون المرتجى الحميم .
......
ما راعها
العمق السحيق ، رغم ،
إدراك أخطار الطريق .لما ،
تاقت لمد الرافد ،
عادت بكف فارغ .
الصراع انتهى ببشرى انتصار النفس الملتزمة على النفس المارقة ..
ولت ،
أشاحت ،
ثم ألفت لهفتي .
باءت وعادت
تحمل البشرى ،
بطيف المارق الفقيد .
باختصار ..هذا رائع ..لكن بعض الغموض قد يلف كل تلك الانفعالات المتقلبة للنفس عند القراءة المستعجلة ..فالمطلوب هنا قراءة متأنية جداً مع محاولة ربط تسلسلية للدلالات التعبيرية عند الشاعر..ربما يفوت بعضها على القارئ البسيط ..
ما أعجبني وأدهشني ذلك التصوير البارع لانفلات النفس ومحاولة تحرشها بالكائنات الحية
لما توارى صمتها ، تمادت .
لاذت بوكر الباز وابن آوى ،
( انظرإليها وهي تلوذ بوكر الباز وابن آوى مع انني لا أظن للباز وكراً ..لكن اللقطة بارعة جداً ..مذهلة )
تاهت بسفح الشارد الطريد .( هنا ترافق النفس المنطلقة الطريدة الشاردة الهاربة من الافتراس .. كالغزال وغيره
تنضو مآقي خفاش عالق
مصلوب ،عنيد .
( ما أذكى الشاعر ..ما شاء الله لدقة ملاحظته ..النفس المنفلتة تتحرش بعيون الخفاش الأعمى ..الخفاش المصلوب .
..تأملوا كيف التقط صورة الخفاش المصلوب إذ عادة ما يتدلى الخفاش بحيث يتمسك بقدميه بشيء ٍ ما من الأعلى مدلياً رأسه للأسفل ..وهذا المصلوب عنيد ..فهل هو مصلوب كنتيجة لعناده ؟؟ مذهل هذا التنقل
لم يعجبني وصف ( النبتة الصلعاء ) ..ولربما أساء للمستوى الرفيع للمشاهد الشعرية للقصيدة
والسوسن الثاوي ، برأس سافر ،
أمسى حزينا ، يكتوي
بالنبتة الصلعاء
أحيي الشاعر بحرارة ..وأتمنى له المزيد من روعة الابتكار الشعري