عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 15-06-2006, 01:13 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
يوسف الديـك
أقلامي
 
إحصائية العضو







يوسف الديـك غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى يوسف الديـك إرسال رسالة عبر Yahoo إلى يوسف الديـك

افتراضي

العزيز الأستاذ هشام الشربيني ..
بعد التحية والمودّة والاحترام ..البالغ .

ابتداءً لا بد من الإشارة أن إختلاف الأذواق في الشعر العربي ... يماثله تماماً اختلافها في السلع .. فلولا هذا الإختلاف لفسدت ..، وهو بالضرورة ظاهرة صحّية .. والدليل هو كما تفضلت .. ديمومة القصيدة الكلاسية ومعجبيها وكتّابها منذ فجر التاريخ الأول للكلمة وحتى زماننا المعيش ،مع اهمية التمييز بين المستويات عبر كل عصر .. بما فيها عصر الانحطاط .. والتكلّف اللفظي ..،

لا شك ان البارودي وشوقي وحافظ ابراهيم أثروا المكتبة الشعرية العربية بالخرائد والفرائد الشعرية .. وفي المثال الذي سقته حول المتنبي وعنترة ..لم يكن هناك ثمة مجال لذكر كل الأسماء الشعرية ولكن كانت إشارة سريعة لمستوى الشعر الذي أراه اكثر قدرة على الديمومة من سواه في القصيدة الكلاسيكية ... وهذا المستوى قد يكتبه شاعر مغمور .. وقد يكتبه شاعر علم ..، وكثيرا ما نقع في الشبكة على قصائد لأسماء لا نعرفها تهز كياننا ووجداننا وتحرك كل السواكن ..وهذه إحدى مثالب النت التي لا بد من الإعتراف بها .

صديقي العزيز ...

الشعر الحرّ ظهر في مرحلة ما يسمى بالبحث عن الدينامية .. وهو في بداياته كان يشكّل مغامرة كبرى ليس بالشعر العربي فقط ولكن بأسماء كتابها .. لذا قال لي المرحوم البياتي ذات يوم .. انه اول من كتب قصيدة الشعر الحر .. لكنه ليس أول من نشر .. وفي هذا دلالة خفية على الوجل الذي كان يعتريه كلما حاول التصريح عن تجربته ...وهذه تسجّل للسياب ونازك الملائكة .. لأن روح المغامرة هذه كان من الممكن ان تودي بهما كشاعرين إلى الأبد .. ونظراً لتقبّل جمهور النقاد والقراء لهذا التغيير في تركيبة القصيدة العربية فإن التجربة بدات تنتشر كالنار في الهشيم .. بين رواد هذا النوع .. السياب الملائكة البياتي في العراق ثم الماغوط في الشام ثم في مصر ولبنان وسواها ، ولم تأت محاولات الشعر الحرّ الأولى كردّ على البارودي وشوقي بقدر ما جاءت عبر محاولة للبحث عن فضاءات اكثر دينامية للروح الشاعرة والحراك الشعري الأكثر حرية .. ومن هما جاء مصطلح " الحر " .

عبر كل مراحل التاريخ هناك شعراء وهناك ناظمون .. وهذا ما أدّى بالجاحظ إلى المناداة بمصطلح الشاعر " الفحل " ونسبة عدد من الشعراء له دون سواهم ، للتمييز بين مستويات متعددة للشعر في عصره والعصور التي سبقته .. ولا شك أن النقّاد ايضاً اختلفوا فيما بينهم بطرائق تناول النصوص .. فمنهم من ركّز على البناء الخارجي .. ومنهم من جنح إلى الروح الداخلية .. المعنى ، ومنهم أيضاً من اعتمد على موضوع القصيدة كأساس لنظريته النقدية ، وهذا ما دفع بالأصمعي المعروف بشدّة ورعة وتقواه ، للقول بضرورة عزل الشاعر عن النصّ .. أي محاكاة النص من حيث كونه ابداعاً مستقلا عن صاحبه .. فأشاد بنصوص تناولت الخمر والتشبب بالنساء وقلل من قيمة نصوص ذات اخلاقيات عالية .." المعيار الفنّي " ..،

لقد اطلت عليك الإجابة صديقي هشام ،لكنها محاولات أرجو ان تكون موضوعية لاستكناه مفاهيم مشتركة فيما بيننا جميعاً .. وحوار حول رؤى كلّ منّا للشعر ..،

اما فيما يتعلّق بالشعر الحر .. وعلاقته بالحافظة الشعرية لدى كلّ منا .. فاقول لك انني احفظ عشرات القصائد للسياب ..، ومديح الظل العالي .. وايها لموت انتظرني .. والهدهد .. وماساة النرجس ملهاة الفضة .. وسواها العديد لمحمود درويش حفظاً غيبياً .. وهناك من قابلتهم ومن لم اقابلهم ويحفظون اكثر مني بالتأكيد ..رغم طول بعضها وامتداده الى عشرات الصفحات واحيانا كتابا كاملاً كما هو الحال في مديح الظل العالي ، وفي الوقت نفسه عجزت رغم محاولاتي عن حفظ سطرين للشاعر أدونيس .. مثلاً ، احد روّاد قصيدة النثر والحداثوية ، " وللناس فيما يعشقون مذاهبُ " ..، وما يغريني بكتابة الشعر الحرّ هو قدرتها الشكلانية على امتصاص حالة الشاعر الوجدانية بين الفقرات " طول النفس الشعري في الشطر الواحد او قصره " والموسيقى التي تنساب بين السطور كنهر رقراق ..وهذه الموسيقى تتوفر ايضاً في الشعر الخليلي .. لكنها محاصرة لدى بعض الشعراء ولا تمتلك القدرة على الانفلات .. ليس من الوزن والموسيقى الداخلية ..ولكن من التناغمات الجوّانية للشاعر مع النص ، ومن هنا تاتي بعض القصائد الكلاسيكية متكلفة الصنعة والقافية احيانا .. طبعاً لدى البعض كونها مسألة نسبية .

يبقى السؤال الجوهري الذي طرحته قائماً .. ويبقى مثيراً للجدل ما بقي الشعر .. ومفاهيمه المتقاطعة او المتضاربة بين ناقدٍ وآخر وشاعرٍ وسواه ، وأظنّ أن مسالة التركيز على الشكلانية .. بين الكلاسي والحرّ ..رغم مبرراتها الجوهرية المقنعة كانت حافزاً ومحرضاً لرواد كل منهما نحو مزيد من الابداع المقنع ...للآخر من جهة .. وللمتلقي من جهة ثانية ، ولكن ما هو أهم من ذلك هو تناول كل نص بعيداً عن انتمائه الشكلاني ...هلى حدة ..فهناك نصوص في الشعر الكلاسيكي غاية في الروعة والتفرّد .. وهناك نصوص سيئة الصنعة ، كما هو الحال في الشعر الحرّ تماماً .. فكل قصيدة تحمل عناصر ديمومتها أو فنائها بين طيّاتها ، بغض الطرف عن الشكل " خليلي أو حرّ " .

نسيت نفسي وأسهبت ...

معذرة على الاطالة ..والإلتفاف حول بعض المصطلحات احتراماً لمتذوقي كل نوع ، وحتى لا يظنّ البعض انتقاصي من ذائقتهم او مستواهم او انسجامهم مع شكل دون سواه .

محبتي لك اخي هشام وللجميع .







التوقيع


http://www.latef.net/alnokhbah

 
رد مع اقتباس