السيدة / يسرى المحترمة
في هذه المساحة أعرض للبحث الذي كتبته عن مرحلة وحدة الوجود من كتابي الموسوم " التصوف الاسلامي الوعي والثورة " ...
" هذه المرحلة في تاريخ التصوف أغزر وأخصب مرحلة عاشها التصوف الاسلامي , فقد تبرعم فيها " الحب الالهي " وانساب نحو مذهب وحدة الوجود , والذي ظهر في أقوال بعص أئمة التصوف الاسلامي مثل الجنيد البغدادي , أستاذ الحلاج , والشبلي , صديقه ...
يقول الجنيد البغدادي :-
ياموقد النار في قلبي بقدرته
لو شئت أطفيت عن قلبي بك النارا
لاعار إن مت من خوف ومن حذر
على فعالك بي لاعارا لا عارا1
ويقةل الشبلي :-
على بعدك ر يصبر من عاداته القرب
ولا يقوى على هجرك من تيمة الحب
فان لم ترك العيون فقد أبصرك القلب2
ولكن مولانا الحلاج - رض - أول من جهر بوحدة الوجود مقدما رأسه ودمه قربانا لدعوته , وكان ذلك نتيجة مخاض صوفي , وجذب صوفي شفاف ممزوج بوقدة روحية وفناء بشري , يقول ابن سريح عنه بأنه كان حافظا للقرآن , عالما به , ماهرا في الفقة , عالما بالحديث والأخبار والسنة , صائما الدهر , قائما الليل , يعظ ويبكي 3" .
ونحن نرى أنه لم يتجاوز الخطوط الحمراء في الاسلام عقيدة وشريعة , ولم يخرج عن نطاق الحديث النبوي الشريف الذي يرويه مسلم في صحيحه :" لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاه , فانفلتت منه , وعليها طعامه وشرابه , فأيس منها , فأتى شجرة , فاضطجع في ظلها , قد أيس من راحلته , فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده , فأخذ بخطامها , ثم قال من شدة الفرح :" اللهم أنت عبدي وأنا ربك ! أخطأ من شدة الفرح 4" .
حقا ! لقد جمع مولانا الحق من أطرافه والسنا من لبابه والعشق في عذريته , فليس غريبا أن تبلغ العذرية سناها , فيذوب في مولاه , ويصرخ في لحظات إشراقه الصوفي :" ما في الجبة إلا الله " , " وأنا الحق " , وينشد راقصا :
عجبت منك ومني يامنية المتمني
أدميتني منك حتى ظننت أنك أني
رغبت في الوجد حتى أفنيتني بك عني5
ويقول :
وأي الأرض تخلو منك حتى
تعالوا يطلبونك في السماء ؟
تراهم ينظرون إليك جهرا
وهم لا يبصرون من العماء6
ويسكر بعذريته الشفافة , فيقول :
اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي
ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي
إن عندي محو ذاتي من أجل المكرمات
وبقائي في صفاتي من قبيح السيئات7
ويعربد بقوله :
رأيت ربي بعين ربي
فقلت من أنت ؟ , قال : أنت8
بهذه الحرقة العذرية , وبهذا الجذب الصوفي الصادق تجلى في معراج التجلي وزيادة .... فالله تعالى في كل مكان ولا مكان .... وفي كل جهة ولا جهة , يقول :" أين أنت , واين مكان لست فيه ؟ 9" , وبذلك كان حبه العذري الالهي مفتاح شخصيته وبضعة ذاته , وذوقه التواجدي البلوري الشفاف الرفيع , فسما إلى المحبوب , وفنا فيه , فكان بحق ةليا إلهيا , يقةل :
أنت بين الشفاف والقلب تجري
مثل جري الدموع من أجفاني
ويحل الضمير جوف فؤادي
كحلول الأرواح في الأبدان10
ويقول :-
إذا بلغ الصب الكمال من الهوى
وغاب عن المذكور في سطوة الذكر
فشاهد حقا حين يشهده الهوى
بأن صلاة العارفين من الكفر11
ونحن نرى أنه في الأبيات السابقة يصل درجة التألق الروحاني الانفجاري المشع حتى أن صلاته تصبح كفرا أي تغطيه لئلا يحترق من صبابته لا كما يفهم الدكتور شوقي ضيف باسقاط الفرائض , بقوله :" وهو يريد أنه حين يصل إلى هذه الحال يرتفع عنه التكليف , وبذلك يتضح أنه هو الذي أعد للانفصال بين أهل الحقيقة من المتصوفة وأهل الشريعة من الفقهاء 12" , فهذا تجني ما بعده تجني , وقسوة ما بعدها قسوة , وغلظة عن الفهم ما بعدها غلظة !!! ...
أجل ! جاهد بالحب , وقاتل بالهوى , فالتهبت أشواقه وانتفخت أوداجه بالمحبة والعشق في أبهى رقرقة زرقاء نحو السنا ... " لم تسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن 13" ... فكان مجاهدا على سفر دائم في ملكوت الأرض ومعراج السماء راشفا براق المحبة المجنح .... فحب بكل ذرة في كيانه , وبكل نبضة في قلبه , وبكل خلجة في روحه فمتلأ كيانه وقلبه وروحه عشقا وصبابة .... سنا ووجدا ... فلا يرى في الوجود إلا الله ... " ما رايت شئ إلا رأيت الله فيه14 "
حويت بكلي كل حبك ياقدسي
تكاشفني حتى كأنك في نفسي
أقلب قلبي في سواك فلا أرى
سوى وحشتي منه وأنت به أنس15
فترقى في الأحوال والمقامات : تخلي ... فتحلي .... فتجلي .... فسكر وعربدة .... فغدا وليا إلهيا , وبذلك تطور الزهد والحب الالهي على يديه إلى العشق والفناء البشري , يقول الباحث عبد الكريم حسان :" أما حين انتهى أمر الحب الالهي إلى الحلاج فانه اتخذ شكلا قويا لما رتب عليه الحلاج من مذاهب صوفية كثيرة , فقد تكلم صراحة في اتحاد المحب اتحادا يزيل صفة البشرية عن المحب باستبداله بصفات الله عزوجل , وصحب هذا الكلام في اللاهوت والناسوت لأول مرة في تاريخ التصوف 16" .
لهذا كام مجئ الحلاج إيذانا بفض بكارة مرحلة عذرية خصبة في التصوف الاسلامي , وبخاصة تلك القفزة النوعية التي أحدثها في " الحب الالهي " ... فبقطرات روحه , وحرقة وجده , وفناء روحه في محبوبه عشقا وهياما فض تلك العذرية وكان دوما يلهث للتخلص من بشريته إلى بهاء التجلي سموا إلى الحقيقة الالهية , يقول الحلاج :" حقيقة المحبة , قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك والاتصاف بأوصافه 17" , ويقول :" لا سبيل إلى معرفة الله تعالى بالعلم بل إن الحب هو الطريق إليها إذ ليست المعرفة الفكرية للفضاء الالهي هي التي تقربنا من الله , بل إنما هو خضوع القلب للأمر الالهي في كل لحظة فما من أحد يعبد الله بفعل يكون أحب إلى الله من حبه تعالى , يقول الحلاج :
شرط المعارف محو الكل منك إذا
بدا المريد بلحظ غير مطلع18
ويقول في إحدى مناجاته للذات العلية :" أنت تعلم ولا نعلم , وترى ولا نرى , وأنا بما وجدت من روائح نسيم حبك وعواطر قربك أستحقر الراسيات وأستخف الأرضين والسموات , وبحقك لو بعت مني الجنة بلمحة من وقتي أو بطرفة من أحر أنفاسي لما اشتريتها ولو عرضت على النار بما فيها من ألوان عذابك لاستهويتها في مقابلة ما أنا فيه من حال استتارك عني 19"
ولم يقتصر دوره التاريخي على فض البكارة وإنما تطورت على يديه أكبر حركة تطور في تاريخ التصوف كما يقول المستشرق نيكلسون , فهو أول من ابتكر المصطلحات الصوفيه التي وسعت آفاق التصوف , وهو الذي جعل من الحب الالهي فلسفة كاملة , ومنهجا متماسكا , وكل من جاء بعده إنما كان ينسج ويقلد 20" , يقول :
وما شرب العشاق إلا بقيتي
وما وردوا في الحب إلا على وردي21
ومذهب مولانا الحلاج في العشق الالهي هو العذاب لا اللذة ... هو التضحية لا الكهنته ... هو حركة دائبة واستغراق كياني لا حبا معرفيا باردا ... وبذلك يكون قد امتطى صهيل أسمى آيات الحب وأعذبه شفافية وأنداه طراوة , وهذا ما سجله دمه في يد الله لحظة ميلاده .... بل لحظة خلوده التاريخية ... " الله .... الله 22"
الهوامش
1 اللمع : ص381
2 ديوان الشبلي : ص87
3 أخبار الحلاج : ص106 - 107
4 رواه مسلم
5 شرح الديوان : ص285 - 286
6 شرح الديوان : ص141
7 الشعر الصوفي : ص207 نقلا عن : ن ز م - ص166
8 شرح ديوان الحلاج : ص177
9 اتجاهات الأدب الصوفي بين الحلاج وابن عربي
10 المرجع السابق
11 المرجع السابق
12 تاريخ الأدب العربي : العصر العباسي الثاني ص481
13 ترويه كتب الصوفيه ولم أعثر عليه في كتب الحديث المعتبره عند أهل السنة
14 اتجاهات الأدب الصوفي بين الحلاج وابن عربي
15 الشعر الصوفي : ص207 نقلا عن ن ز م : ص225
16 التصوف في الشعر العربي : ص292
17 اتجاهات الأدب الصوفي بين الحلاج وابن عربي
18 المرجع السابق
19 المرجع السابق
20 الحلاج شهيد التصوف الاسلامي : ص223
21 دراسات في التصوف الاسلامي : ص270
22 اتجاهات الأدب الصوفي بين الحلاج وابن عربي
عبد ربه محمد سالم اسليم
أبو اسلام
التصوف الاسلامي
الوعي والثورة
قطاع غزة - فلسطين
10 / 10 / 2005م