قبل كل شي .....
دعوني أنحني احتراما الى أستاذي الكبير الذي ما فتأ مرشدي الأول في دروب القصة القصيرة ، والذي لولاه ما كانت قصصي لتنشر هنا ، وليسمح لي أن أقدم له بباقة معطرة بالشكر على ذلك الجهد الذي بذله في تهذيب لغتي ، وتنقيح قصصي من الأخطاء التي تعيث فيها الفساد ، و على ذلك التشجيع المستمر ، وعلى ذلك الامل الذي يقنعك بأن المحاولة تستحق منا الكثير ...
فخورة بأني أتعلم منك الكثير ... الكثير ، وعبثا تحاول كلماتي التعبير عن إمتناني لشخصك الكريم.... فالى من علمني ان الأدب لا يتوقف عند حدود الكلام كل شكري واحترامي وتقديري أستاذي الكبير (محمود الحروب)......تلميذتك المزعجة (روان).
__________________________________________________ _______
عذرا على طول القصة مسبقا .....
بـسم الله الرحمن الرحيم
وجوه مكفهرة
أكاد لا أبصر شيئاً؛ يهم الزكام بإتلاف آخر قدراتي البصرية، و أخالني سأفقد إحدى لوزتي العليلتين عما قريب في نوبة عطس.... هذا المكان يكتم أنفاسي المتبقية، وتلك الأصوات تزيد من حدة الطبول التي أشعر أنها تقرع في رأسي، وهؤلاء المارين من جانبي، المرتطمين بذراعي المترنحة خارج حدود المقعد يشعرني بأني من الكائنات التي انضمت للجنس البشري بطريق الخطأ، أما ذلك الأحمق حسن ، فيقبع بجواري ، ماذّاً لسانه الرطب ككلب يتشوَّق لالتهام عظمة وهو يطالع ورقة "الاتيكيت"، لو سألت عن حسن، لقلت إنه إنسان لا يصلح إلا لمشاركتي بالمصائب، طول السنين العشر التي مضت، كانت توقفني حقيقة الصداقة المرة التي تجمعنا، فتنتابني حيناً أمنية لقتله، فهو من الأشخاص الذين تشعر بضرورة التخلص منهم لأنهم دائماً يشاركونك نصيبك من الهواء، وعندما يختفون تجد نفسك فجأة غير قادر على التنفس دونهم، انه باختصار ملح الحياة الذي أحب حتى مع ارتفاع الضغط، على كل حال يكفي أنه شاحن جيد لبطارية أملي الضعيفة.
تباً لهذا المكان، انه يسبب لي التوتر، وتلك البذل المتحركة تغيظني، تجعلني أغوص داخل المقعد لألملم ثيابي الفاضحة –عبثاً- لأخفيها... أخالهم يشيرون إليّ بالقول:" يجب أن نلقي بهذه القمامة سريعاً "...يا إلهي.. لماذا أنا هنا؟؟... لقد تمنيت لنفسي يوماً سعيداً في المرآة وعزمت الإقبال على يوم خال من حسن !!!ز يوم خال منه تماماً، كمبنى خال من التدخين، لا مصائب، ولا مشاجرات، ولا مشاحنات أمل كاذبة !!!.
كنت أقول أني عزمت أن أبدأ حياتي بحلة جديدة رغم الزكام الذي أصابني، عندما سمعت أجراس البناية العشر تنذر بزائر، وأطل من النوافذ المشرعة للشارع تسعة رجال بوجوه مكفهرة، طبعاً الشخص العاشر كان أمي !!! ، لا زلت ألقي الوعود لنفسي أمام المرآة التي عكست وجه أبي المكفهر (فرجال البناية الواحدة لم نفس الوجوه المكفهرة)، تساءل وهو مازال أسير النعاس عمن كان بالباب، فقلت منشغلاً بالابتسام:"أمي هي التي خرجت لترى!"، فباغتني بصفعة على خدي الأيمن واعتقدت بعدما غادر مسرح الجريمة، بأنه سيكون سعيداً، لأنه استطاع تفريغ عصبية النهوض باكراً في صفع وجهي، لكنه عاد بوجهه المكفهر ليتأملني طويلاً، فتهيأت لصفعة أخرى، غير أنه قال بتهكم:"أسرع يا بيكاسو عصرك فمعجبك الوحيد بانتظارك في الخارج"، وانصرف محافظاً على تعابير وجهه المتحجرة، عندها نظرت في المرآة عابساً ملغياً بذلك وعود اليوم السعيد فالمنتظر بلا شك... حسن !!! . هذا يعني أن مصائب الدنيا العشر ستقع اليوم، خرجت أستقبله كمن مر عليه دهر، واستقبلني هاتفاً بأمطاره اللعابية الساقطة على وجهي وحروفه المأكولة:" اليوم سوف توزع الجوائز"، فقلت وأنا أجفف بعضاً من لعاب أنفي ولعاب حسن " إن هذا خبر سار "، ودعوته للدخول لشرب قهوة الصباح مع أبي، لكنه اعترض بأنه يجب علينا الحضور مبكراً حتى نحجز مقاعداً في الصفوف الأمامية، فقلت بسخرية لم تستطع نوبة العطس المفاجئة أن تخفيها:"أن معظم المسرحيات تعرض بعد السابعة مساءاً "، وأمسكت بيده أدفعه للدخول وهو يردد بلا هوادة:" إنها الساعة التي ننتظر !!"
كنت أستمتع بسادية، وأنا أرى حسن يجلس صامتاً متخشباً، كمن يستعد لموته أمام أبي الذي يقرأ جزءاً من الجريدة، بعد جولة قصيرة بين وجهينا، ولكن هذه المتعة لم تكتمل إذ أن حسن، وانطلاقا من حقه المكتسب كصديق لي، قال لأبي عني بحزن:"إنه لا يهتم بصحته جيدا حتى أنه أصبح ينام بالمحاضرات إرهاقا...صدقني يا عمي... إنه مسدود الشهية منذ وقت...إن ذهنه شارد في مكان خارج نطاق الدراسة "، فنظر إلي أبي نظرة لو نطقت لقالت: "سأسحقك أيها الوغد "، فنسخت هذه النظرة إلى عيني ووجهتها إلى حسن وتطبيقا لمقولة الهروب ثلثي الرجولة، دسست كمية من المناديل الورقية في جيبي، وسحبت حسن من يده يعد عطسة أنهت لقاء مع صاحب الوجه المكفهر.
كان كلانا يغرد خارج الحلقة المشتركة، لا يمكن له أن يفهم معضلتي مع أبي لأنه لا يسمع إلا نفسه، لا يكلمني إلا بنتائج أفكاره، كان ينظر لي بعد إطراقه قصيرة ويقوم كلماته-التي أبترها بعطسي-:"لماذا لا تجرب"..."لابد أن يضحك الحظ لك مرة ".... أعطس بكثرة فيسترحمني بكثرة فيسترحمني بكثرة حتى رغبت بأن أسحقه للتو واللحظة وصرخت في وجهه:"لماذا شرفتنا؟؟ألم نقل لك اليوم يوم الصداقة العالمي؟؟ إذا نحن في إجازة !!!"... فيرد يناقش قضية معضلة:"غبي:منطقك، لكن الجائزة ستوزع اليوم "، فرددت ببلاهة طفل يكتشف العالم للتو:" عن ماذا تتحدث؟؟" طبعاً"،يجيب عن سؤال غبي:" جائزة المسابقة... طبعاً" ، فقلت كمن يتابع حديثاً لا يفهمه :" آه .. هذا جيد.. رائع " ثم عطست، فشدني من يدي وهتأعرف.اً هيا بنا إلى مكان الجائزة "، أنسقت لشده وأنا أزيل بعض لعاب أنفي ثم أسأل:" أي جائزة؟" ولكنه لا يجيب فسرت معه حيث لا أعرف... وهنا نحن هنا .. زرعنا في هذا الجو الخانق والطبول ، تزداد في رأسي دقاً ، ألم أقل أن يوماً بلا حسن كمبنى خال من التدخين !! ، لقد مللت الجلوس هنا ، مللت كوني أنتمي لجنس يفقد أصحابه إدراك وجوههم كل لحظة ، سوف أتسلل من بين الجموع لأترك حسن وحده بين هذه الكائنات ، خطوة ، خطوتان وبهدوء تام استطعت أن أتخلص من حصار المقاعد وسوف أصعد السلم إلى أعلى المدرج وأهرول إلى مكان خال من تلك الكائنات البشرية ... قرع أجراس الكوارث يرن في أذني ، الجموع الراغية تتوقف فجأة وتندس في مقاعدها ، وتنطفئ الأضواء وتلطم جسدي أجساد أخرى فأدرك أن الرجوع إلى حيث حسن أهون من الموت تحت الأقدام ... يطبق الصمت ... يلكزني حسن الذي لا أرى وجهه ومع ذلك ترشقني أمطاره اللعابية ويطلب مني الإنصات كأني كنت قائد الرغي قبل قليل!!!.... و إن كنت أرغب بتوجيه ذات النصيحة له ؛ إذ أنه نصب نفسه معلقاً لي : كنت أسمعه يقول بعد ظهور أحد الأشخاص على المسرح ليلقي درره ، " هذا صاحب الجائزة ، هذا المنسق العام ، هذا رئيس اللجنة ، هذا الناقد دكتور في كلية الفنون ...."حتى خلت أنه قادر على ولوج اختبار أسماء جميع البشر على وجه الأرض ، وربما تحتها!!! ، ولكن ما كان يريبني أن هذه الوجوه مألوفة لي وأني أكاد أجزم أني أعرفها ، لكن ذلك الزكام يسبب لي ضباباً يحجب ذاكرتي.
وضع حسن في حجري ورقة الاتيكيت تلك حتى يتمكن من التصفيق فتصفحتها في مرواغة للملل من سماع أصوات تعلو وتخبو ترافقها صفقات في محاولة لاختراع نوع جديد من الموسيقى ، كان كتب على الورقة الخارجية :"الموسم الثقافي والفني ال(...)الاتحاد الفني والثقافي للجامعات ال(...) مسابقة الرسم بالألوان الزيتية ... " تزاحمت المشاهد في ذهني ، لقد تذكرت الآن إنها المسابقة التي عنوة دفعني حسن للمشاركة فيها ، بعد أن رأى أنها الطريقة الوحيدة ، للحصول على ما أحتاجه من المال ، لشراء الفرش ، والألوان الزيتية ، التي نضبت مؤخراً من مرسمي ، الذي يحتل زاوية ملطخة من غرفتي ، حفزني بقوله أن إبداعاتي يجب أن تظهر، وأن الأشياء المحجوبة عن الضوء تتعفن ، وأنه يجب علي ألاّ أقف أمام الحواجز التي اصطدم بها ، بل يجب أن أكسرها وإن كنت حقيقة أواجه حاجز واحد لا يمكن اجتيازه ، إنه بكل فخر وتواضع " أبي بوجهه المكفهر" ... فهو دائم القول أني فتى "هامل" وأني أضيع أوقاتي في أشياء فارغة مثل التأمل في اللوحات المعلقة على الجدران، فهي لا تتعدى –بالنسبة له – خربشات محاطة بإطار، وفجأة تتملكه الرأفة عندما أحبس أختي الصغيرة على المقعد أكثر من ثلاث ساعات لأرسمها، وتعتبرني جالباً للمصائب مع جيراننا بدعوة رسم بناتهم، وإن كنت في كل مرة أقوم برسم المنظر الذي يقطن خلفهن، فهن لا يثرن في نفسي إلا الرغبة بالتقيؤ، ويقوم أن الأفعال الرومانسية التي تنتابني أمام أي منظر جميل، تجلب العار لعائلة يتمتع رجالها بالفحولة، والنضج، والشهامة. وما زاد الطين بله، تلك العلامات التي كان يخال أنها متدنية باستمرار، و لا أعرف إن كان هبوط معدلي بمقدار علامة هو إشارة إلى قرب نهاية الأرض !! وهكذا كان من العبث أن أحاول إقناع أبي أني أجد نفسي بين الفرش الرسم والألوان، لأنه سوف ينبرم قائلاً:انه مازال لي عقل طفوليّ يستمتع في تلويث ثيابه "، وتشاركه في ذلك أمي التي عبثاً تغير مسحوق الغسيل في البحث عن أفضل ما يزيل البقع الزيتية، وربما كان حسن برئ من تهمة وجودي هنا، وربما كان أبي هو المتهم الأول، فهو من الآباء الذين يتذرعون بمعاقبة أبنائهم على أشياء سخيفة بهدف عدم دفع النقود، فعندما هيئت جسدي للوقوف بين يدي أبي لطلب النقود استطعت بقدرة كريم أن أتفادى ركلة تصيب الهدف، (إن أبي ممن يجيدون التصويب حقاً ) واستمتعت بقليل من الشتائم التي تصفني بدقة، وهكذا بتّ حائراً بين مرسمي الخاوي وأفكاري المتزاحمة على طابور الإنتاج، وجيوبي التي تتدلى بألسنها، ثم جاء حسن، الفارس المغوار، بالحل المختار، وهو أن أشارك بإحدى لوحاتي في المسابقة التي كان قد أُعلن عنها في الجامعة في ذلك الوقت، مغرياً إياي بأن المسابقة ذات جوائز نقدية، وما زال يغريني حتى وقعت بالغرام وبت لا أجد حلاً لمشكلتي سوى المشاركة بهذه المسابقة الراقية، فانضمت بلوحة كانت أعجبت حسن – فهو كما قال أبي المعجب الوحيد بلوحاتي – لكني ندمت بعد ذلك على حماقتي فمن سينظر للوحات اخرق مثلي، وتناسيت ذلك أصلاً ولم اعد أجدّ في معرفة أخبار المسابقة، حتى جاء بي هذا الأحمق إلى هنا....
إنه يلكزني كثيرا، عندما نخرج من هذا المستنقع سوف آخذه للصحراء لأقضي عليه وأمتع العالم بأرض خالية من حسن، يلكزني مرة أخرى، أصوات متداخلة وأمطار ترشقني، أدرك أنه يقول شيئاً فاقترب منه أكثر، يهتف بلسانه البالع لمعظم حروفه:"لقد فذت ".."ماذا قلت؟؟ من مات !". .." أيها الأخرق لقد فذت بالمثابقة "، يبتلع نصف الكلام ويتهمني بالأخرق، إن حسن في حالة غير طبيعية، أسمع من ينادي على اسمي فأتلفت، يعاود تكرار الاسم، موضحاً أنه فاز بالجائزة الأولى عن أفضل لوحة معبرة، تقع نظراتي على بقعة ضوء يحتلها جسد تصدر منه كلمات ضخمة، هل ينطق هذا اسمي؟؟ .. إنه أنا...أنا فزت!!! .. كان على أن أقوم وأتقدم بقطع الثياب الفاضحة بخجل، أتسلم الشيك الثمين وأصافح مسؤول الجائزة وأبتسم للكاميرا كأي أخرق، أدس الشيك بجيبي كمن يخاف الحسد وأعود بنوبات عطس متوالية حيث يجلس حسن...
لقد امتلأت جيوبي من مناديل الورق الملوثة بمخاطي، يجب عَلَيَّ أن أتخلص منها قبل العودة لأمي التي ستقول:"ابق نظيفاً خارجاً وألقي أوساخك هنا !!" ، أقف أمام مكب النفايات مبتسماً لحسن، المارة يتهامسون بحقيقة جنوني، أما أنا فممتن لحسن لأنه دفعني لهذه الحماقة، لم أشعر بامتنان لحسن قبل هذا كلّه، انه يشبه من أنقذني من رمال متحركة، أشبه بمن فك اللعنة عني، فزت أخيراً بلوحة تأمل، رسمتها لأبي وهو ينفث الغليون ويفكر بطريقة ما، لسحق رأسي العنيد، لقد فازت هذه بالجائزة الأولى، ليس المبلغ كبيراً ولكنه مهم... مهم جداً بالنسبة لي ، أودع حسن بجسده المنتفض فرحاً بعد أن أناوله ورقة "الاتيكيت"، اعتلي الحافلة ، أتأمل صورة حسن القافز كملسوع ، فابتسم في سري وأقول انه حقاً أحمق ، واستسلم لاهتزاز الحافلة على أوتار المطبات ثم أنجو بأعجوبة من دور القفز من شباك الحافلة ، بنزولي منها بعجل قرب المصرف ، اتجه نحو المصرف لصرف الشيك دون أدنى اهتمام بذلك الدوار الذي يصيبني ، حتى الزكام لم أعد أشعر به فأنا سأعاود الإنتاج .. أنا سعيد.. مهووس لحد الجنون.. أتقدم نحو رجل يرتدي بزة أمنية أسأله وأنا أدس يدي في جيبي عن إمكانية صرف هذه النوعية من الشيكات لأفاجأ باختفائه من جيبي.. أبحث عنه.. أعبث بيدي في جيبي كمن دخل في ثيابه فأر... ابتسم في نوعٍ من اللباقة.. ثم ... أخرج من المصرف وأنا أفكر إن كنت أحلم حلم يقظة.. تراقبني عيون رجل الاستقبال الذي يهز يده في إشارة لمجنون دلف فندقه يبحث عن نقود!!!!