عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 01-01-2012, 09:15 PM   رقم المشاركة : 21
معلومات العضو
الدكتور سيد نافع
أقلامي
 
إحصائية العضو







الدكتور سيد نافع غير متصل


افتراضي رد: ماذا بعد بوابة الموت...؟؟؟

ماذا بعد بوابة الموت؟
]وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء-85
1- لو أطلع الإنسان علي الغيب لزالت حكمة التكليف ولنتفي الإيمان بالغيب ولو رأي وسمع الناس المعذبون في قبورهم لما تدافن الناس ، كما في الصحيحين : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ﴿ لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع ﴾ ، حجب الله السمع والرؤية عنا إلا أن البهائم تسمعه فقد حادت برسول الله بغلته وكادت تلقيه عندما مر بمن يعذب في قبره .
ولمنكري عذاب القبر إلا يعلموا أن في الدنيا أعجب من ذلك ، الملائكة والجن يعيشون معنا ويتكلمون ويرونا ولا نراهم ويسمعونا ولا نسمعهم ، وقد كانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط وتضرب أعناقهم بالسيوف والمسلمون معهم ولا يرونهم ولا يسمعون كلامهم .
قياس أمر البرزخ والأمور الغيبية الأخرى بمقياس المادة وهي المقاييس الدنيوية جهل وضلال وتكذيب أصدق القائلين وهذا غاية الجهل وظلم النفس .
وسبب الإنكار هو عدم الرؤية والسماع ، وسر المسألة أن ضيق القبر واتساعه ونعيمه وعذابه ليس من جنس المعهود والمتعارف عليه في الدنيا والقياس خطأ فقد أعد الله لعباده في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر علي قلب بشر وبالقياس ما أعده لأصحاب النار ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر علي قلب بشر فهل يمكن تصور قدرة جهنم أعاذنا الله منها علي الإحراق ، إنها أوقد ت ألف علم حتى احمرت وألف عام حتى ابيضت وألف عام حتى اسودت ، هل يمكن مقارنتها بنار الدنيا ؟ هل يمكن مقارنتها ببئر بترول أضرم فيه النار ؟ إن شعاع الليزر الذي هو ضوء يقطع ويثقب وقانونه يختلف عن قانون الضوء العادي ، إن شدة التبريد تحرق واستخدم التبريد للحرق والقطع والاستئصال في الجراحة .
لكن كونك لا تري عذاب القبر لا يعني عدم وجوده ، كون الإنسان يري المقابر هادئة ويستخرج الجثث فلا يري فيها تغيير فهذا لا ينفي العذاب الواقع علي البدن ، ولتقريب الصورة يقول ابن القيم رحمه الله :
إن الله جعل الدور ثلاثاً : دار الدنيا ، ودار البرزخ ، والدار الآخرة ، ولكل منها قوانينه وأحكامه الخاصة والتي لا تنطبق علي سواها .
ففي دار الدنيا : جعل أحكامها علي الأجساد فهي الظاهرة وتسري علي الأرواح بالتبعية فهي خفية ، فالبدن يباشر المتعة والألم ويسري ذلك علي الروح بالتبعية ، أما البرزخ فأحكامها علي الروح وتسري علي البدن بالتبعية فالروح هي التي تباشر العذاب والنعيم ويسري ذلك علي البدن وإن إختفي عن الأبصار كحال الروح في الدنيا ، ولكي نقرب المسألة أكثر حال البرزخ يشبه حال النوم في الدنيا ، فالنائم يري ويسمع ويشاهد بلا عين ولا أذن ( فهذه هي رؤية وسمع الروح ) ، إذا كانت الرؤية سعيدة سري ذلك إلي الجسد فقد يري النائم أنه يأكل ويشرب ويستيقظ وهو يجد طعم الطعام والشراب في فمه ويذهب عنه الجوع والعطش ، وأحياناً يحلم الإنسان بمن يضربه ويعذبه ويستيقظ ويجد أثر هذا علي جسده ، وأعجب من ذلك إنك تجد النائمين في فراش واحد وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم علي بدنه وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب علي بدنه وليس عند أحدهما خبر بما عند الآخر ، وأمور البرزخ أعجب من ذلك ، فضيق القبر واتساعه هو للروح بالذات والبدن تبعاً له فيكون البدن في قبر ضيق وقد يفسح لروحه مد بصرة فينعكس ذلك علي البدن بالتبعية ، أم عصرة القبر حتي تختلف الأضلاع فهذا يحدث للروح والبدن بالتبعية أيضاً فيصير إلي البدن ما تعانيه الروح من الضغط والألم والعذاب .
- الروح لأبن القيم : روي بعض الصادقين أنه حفر ثلاث قبور فلما فرغ منهم نام ليستريح فرأي فيما يري النائم ملكين نزلا فوقفا علي أحد القبور فقال لصاحبه أكتب فرسخ في فرسخ ، ثم وقف علي الثاني فقال أكتب ميلاً في ميل ، ثم وقف علي الثالث فقال أكتب فتراً في فتر ( الفتر هو المسافة بين الإبهام والسبابة أع حوالي عشرين سم ) ، ثم انتبه فجيئ برجل غريب لا يؤبه به فدفن في القبر الأول ثم جيئ برجل آخر فدفن في القبر الثاني ثم جئ بامرأة مترفة من وجوه البلد حولها خلق كثير فدفنت في القبر الضيق ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ طه124
- أما دار القرار فالعذاب والنعيم فيها علي الأجساد والأرواح ظاهراً ونادياً فيتم بذلك النعيم إلي أقصاه والعذاب إلي منتهاه ، فتعلق الروح بالبدن في هذه الدار هو أشد أنواع التعلق والالتصاق حيث لا فراق ولا تجرد عن بعضهما .
فعندما نعرف هذه الأمور ونتدبرها نفهم كيفية عذاب القبر ونعيمة وضيق القبر واتساعه وضمته وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة وتبين لنا فهم الأحاديث الواردة عن رسول الله في هذا الموضع ، وهذا أمر مطابق للعقل ولا لبس فيه إنما أشكل علي من أشكل عليه لسوء فهمه وقلة علمه .
والمصلوب والغريق والحريق وأكيل السبع له من عذاب القبر ونعيمة قسطه الذي تقتضيه أعماله كالمقبور تماماً فقد ظن بعض الأوائل أنه إذا أحرق جسده بالنار وصار رماداً وذري بعضه في البر وبعضه في البحر في يوم شديد الريح أنه ينجو من ذلك فأمر بنيه أن يفعلوا به ذلك ، فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال له قم فإذا هو قائم بين يدي الله فسأله ما حملك علي ما فعلت ؟ فقال خشيتك يارب وأنت أعلم
فتلقاه الله برحمته وأدخله الجنة ، لحظة صدق مع الله كانت سبباً في دخول الجنة وكانت هي ما ختم الله له بها وإن كان عمله لا يؤهله لدخول الجنة لكن هي رحمة الله وعفوه فالعبرة بخاتمة العمل نسأل الله حسن الخاتمة .
فلم يفت عذاب القبر ونعيمه هذه الأجزاء التي صارت رماداً جمعها الله وهو أعلم بكيفية جمعها ثم أرجعه إلي أصله ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ ق4 ، ولو علق الميت علي رؤوس الشجر في مهب الريح لأصاب جسده وروحه من عذاب البرزخ حظه ونصيبه ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار لأصاب حسده وروحه من نعيم البرزخ حظه ونصيبه الذي قدر له ، فيجعل الله النار علي هذا برداً وسلاماً والريح علي ذاك ناراً وسموماً ، وإن كان الإنكار يرجع إلي عدم الرؤية والسماع فهناك في الدنيا أصوات لا تسمع وموجات فوق صوتيه لا تستطيع الأذن التقاطها وهي موجودة ، وهناك الأشعة التي لا تري كالتي فوق البنفسجية ومادون الحمراء وهناك المجال الكهربي المغناطيسي ، ويكنك أن تثقب جسماً بشعاع ليزر لا يري ، وبالتأكيد رؤية الملائكة علي صورتهم التي خلقهم الله مستحيلة وسماع أصواتهم كذلك ، كذلك روح الإنسان التي في النعيم والعذاب وما يصدر عنها من صراخ وعويل رؤيتها بالعين المجردة غير ممكنه إلا بإذن الله فمن البشر من يطلعه الله علي جزء من هذه الحياة البرزخية لحكمة ، وهذا العذاب والنعيم هو للروح وينعكس علي الجسد بالتبعية ونصدق بما أخبر به الله ورسوله تصديق الموقنين وللمكذب والمنكر عليه الانتظار حتي يعاين ذلك بعيني رأسه وسوف يندم ندم فات وقته ويا ليته لا يأخذ معه في إنكاره غيره الذي يمكن أن يتأثر به ويقتنع بكلامه ،
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ آل عمران185
فعذاب البرزخ ونعيمه هو قسط من عذاب الآخرة ونعيمها وهو القيامة الصغرى فمن مات قامت قيامته ، وتوفيه الجزاء والحساب هو يوم القيامة الكبرى .
فالمؤمن في القبر يفتح له باباً إلي الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها والفاجر يفتح له في قبره باباً إلي النار فيأتيه من حرها وسمومها إلي يوم القيامة ، هذا لأن البدن يأخذ قسطه من هذا الباب كما تأخذ الروح قسطها ونصيبها .






 
رد مع اقتباس