ما جاء في موضع دفن الإنسان التذكرة ) القرطبي
يدفن العبد في الأرض الذي خلق منها ويذر عليه من تراب حفرته :-- أبو عيسى الترمذي عن مطر عكامش قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا قضي الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة ﴾ صححه الحاكم ووافق الذهبي .
- وروي الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول :
عن أبي هريرة قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ببعض نواحي المدينة وإذا بقبر يحفر فأقبل حتى وقف عليه فقال لمن هذا ؟ ، قيل : لرجل من الجنة ، فقال : لا إله إلا الله سيق من أرضه وسمائه حتى دفن في الأرض التي خلق منها )
- وروي في الأثر :
أن سليمان عليه السلام كان عنده رجل يقول : يا نبي الله إن لي حاجة بأرض الهند فأسألك أن تأمر الريح أن يحملني إليها في هذه الساعة فنظر سليمان فرأي ملك الموت وهو يبتسم فقال : مم تبتسم ؟ قال : تعجباً إني أمرت أقبض روح هذا الرجل في بقية هذه الساعة بالهند وأنا أراه عندك ، فروي أن الريح حملته في تلك الساعة إلي الهند فقبض روحه بها ) رواه الإمام أحمد وأبو نعيم .
-أبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم﴿ ما من مولود إلا وقد ذر عليه من تراب حفرته ﴾ حديث حسن بشواهد ، قال أبو عاصم النبيل : ( ما نجد لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فضيلة مثل هذه لأن طينتهما طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أخرجه أبو نعيم في باب ابن سيرين عن أبي هريرة ، وقال هذا حديث غريب من حديث عون لم يأتي إلا من طريق أبو عاصم النبيل وهو أحد الثقات الإعلام من أهل البصرة .
- أخرج الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نواد الأصول : ما روي مره عن ابن مسعود : أن الملك الموكل بالرحم يأخذ النطفة من الرحم فيضعها في كفه ثم يقول يا رب مخلقة أم غير مخلقة ؟
فإن قال رب العزة مخلقة ، قال رب ما الرزق ؟ ما الأثر ؟ ما الأجل ؟ فيقول أنظر أم الكتاب ، فينظر في اللوح المحفوظ فيجد فيه رزقه وأثره وأجله وعمله . ويأخذ التراب الذي يدفن في بقعته ويعحن به نطفته . فذلك قول الله تعالي : ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ ، وذكر عن علقمه عن عبد الله بن مسعود قوله :
إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه فقال يا رب مخلقة أم غير مخلقة ؟ فإن قال غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دماً ، وإن قال مخلقة قال أي رب أذكر أم أنثي ؟ أشقي أم سعيد ؟ ما الأجل ؟ ما الأثر ؟ وما الرزق ؟ وبأي أرض يموت ؟ فيقول اذهب إلي أم الكتاب فستجد هذه النطفة فيها ، فيقال للنطفة من ربك ؟ فتقول الله ، فيقال من رازقك ؟ فتقول الله ، فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل رزقها وتطأ أثرها فإذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان ، ( الأثر ) : هو التراب الذي يؤخذ فيعجن به ماؤه .
وقال محمد ابن سيرين : لو حلفت حلفت صادقاً باراً غير شاك ولا مستثن أن الله ما خلق نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ولا أبا بكر ولا عمر إلا من طينة واحدة ثم ردهم إلى تلك الطينة .

عن أبي هريرة قال : ﴿ أرسل ملك الموت إلى موسي عليه السلام فلما جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلي ربه فقال أرسلتني إلي عبد لا يريد الموت ، فرد الله إليه عينه وقال ارجع إليه وقل له يضع يده علي متن جلد ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة ، قال أي رب ثم مه ؟ قال ثم الموت ، قال فالآن ، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت ثم لأريتكم قبره إلي جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر﴾ .
(رواه البخاري ومسلم )
الشاهد من الحديث أنه عليه السلام سأل الله عز وجل أن يدنيه من الأرض المقدسة حتي يدفن بجوارها ، واستجاب الله عز وجل لدعائه فكان قبره عليه السلام كما أخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم .
وإن قال قائل كيف جاز لموسي أن يقدم علي ضرب ملك الموت حتي فقأ عينه ؟ والإجابة عن هذا السؤال ذكرها ابن العربي في قبسه ونفل ذلك عنه القرطبي في التذكرة ، قال موسي عليه السلام كان يعلم أن الله لا يقبض روحه حتي يخيره ( خرجه البخاري ) كما هو الحال بالنسبة للأنبياء ، فلما جاء ملك الموت علي غير الوجه الذي علمه إذ لم يصرح له بالتخيير بادر بلطمه ففقأ عينه (وكلنا نعرف قوة موسي البدنية عليه السلام ) لأنه لما رجع إليه ملك الموت وخيره اختار الموت واستسلم . وذلك أن ملك الموت كان يأتي للناس عياناً حتي حدث ما حدث فجاء للناس بعد ذلك خفية ، ذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول حديث أبي هريرة عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم .قال :
كان ملك الموت عليه السلام يأتي الناس عياناً حتي أتي موسي عليه السلام ففقأ عينه ....الحديث بمعناه وفي آخره فكان يأتي الناس بعد ذلك في خفية .
- وعن بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال﴿ من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها ﴾ صحيح رواه الترمذي وبن حبان
- وفي موطأ الإمام مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول : اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك ووفاة في بلد نبيك ، رواه مالك
- وخرج أبو نعيم الحافظ باسناده من حديث مالك بن أنس عن عمه نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم﴿ ادفنوا موتاكم وسط قوم صالحين فإن الميت يتأذي بالجار السوء﴾
- وخرج أبو سعيد الماليني في كتاب المؤتلف والمختلف له ، وأبو بكر الخرائطي في كتاب القبور له من حديث سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندفن موتانا وسط قوم صالحين فإن الموتى يتأذون بالجار السوء كما يتأذى الأحياء .
- وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار : عن بن عباس رضي الله عنه عن النبي r قال : إذا مات لأحدكم الميت فأحسنوا كفنه وعجلوا انجاز وصيته واعمقوا له في قبره وجنبوه جار السوء ، قيل يا رسول الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة ؟ ، قال هل ينفع في الدنيا ؟ ، قالوا نعم ، قال كذلك ينفع في الآخرة .
- قال القرطبي رحمه الله : قال علماؤنا يستحب أن تقصد بميتك قبور الصالحين ومدافن أهل الخير فتدفنه معهم وتنزله بإزائهم وتسكنه بجوارهم تبركاً بهم وتوسلاً إلي الله عز وجل بقربهم وأن تجتنب به قبور من سواهم ممن يخاف التأذي بمجاورته والتألم بمشاهدة حاله ( التذكرة ص 81 )
- وذكر القرطبي في التذكرة ما ذكره أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة له قال :
يروي أن امرأة دفنت بقرطبة فأتت أهلها في النوم فجعلت تعاتبهم وتشكوهم وتقول أما وجدتم أن تدفنوني إلا إلى فرن الجير ؟ ، فلما أصبحوا نظروا فلم يروا في ذلك الموضع كله ولا بقربه فرن جير ، فبحثوا وسألوا عمن كان مدفوناً بإزائها ؟ فوجدوه رجلاً سيافاً كان لأبن عامر وقبره إلى قبرها فأخرجوها من جواره .
- وعن أعرابي أنه قال لولده ما فعل الله بك ؟ قال ما ضرني إلا أني دفنت بإزاء فلان وكان فاسقاً وقد روعني ما يعذب به من أنواع العذاب .
- وذكر القرطبي في التذكرة ص 81 ما ذكره أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب الديباج له قال : ذكر طاووس بن ذكوان اليماني أنه قدم حاجاً فمر بالأبطح عند المقابر مع رفقاء له فقال بينما أن أصلي في جوف الليل وعلي برد أحرش أخذته من اليمن بسبعين ديناراً وقبر قريب مني محفور ، إذ رأيت شمعاً قد أقبل به مع جنازة ، فإذا قائل يقول في قبر قريب من القبر المحفور اللهم إني أعوذ بك من الجار السوء ، قال فركعت ثم سجدت ثم سلمت ثم خرجت حتي لقيت أصحاب الجنازة فسلمت وقلت لا تقربونا وتنحوا عنا عافاكم الله ، قالوا ما نستطيع ذلك وقد حفرنا قبرنا هذا ولا نستطيع أن نذهب إلي غيره ، فقلت من أولي الجنازة ؟ فقالوا هذا ابنه فقلت له هل لك أن تتنحي عنا وتناولني ثوبك هذا الذي عليك فألبسه وأعطيك بردي هذا فإني قد أخذته من اليمن بسبعين ديناراً وهو ها هنا خير من سبعين ؟ فإن كان علي أبيك دين قضيته عنه وإن لم يكن انتفع بذلك الورثة وتكف عنا ما نكره ، قال فأنكر القوم قولي أن يكون علي رجل برد يلتف به ثمنه سبعون ديناراً فاحتجت أن أخبرهم من أنا ، فقلت أتعرفون طاووس اليماني ؟ قالوا نعم ، قلت فأنا طاووس اليماني وما قلت في البرد إلا حقاً ، فناولني الرجل رداءه وأخذ ردائي وانصرف عنا ، وأقبلت حتي وقفت علي صاحب القبر فقلت ما كان لك ليجاورك جار تكرهه وأنا أستطيع رده ، ثم عدت إلى صلاتي .