منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - باريس سرير وثير ولوحة من لوحات الفنان التشكيلي العربي السوري (احمد معلا )
عرض مشاركة واحدة
قديم 04-06-2006, 04:00 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عبود سلمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبود سلمان غير متصل


باريس و الولادة الجديدة وسحبان سواح ؟؟

[B

]الولادة الجديدة
سحبان سواح / سورية/
المدينة،
بداية الكون وانطفاء الجنون..
سلة نفايات مسكونة بالرغبات، أو مفجوعة بالذكريات.
أو هي،
سرب فراشات ملونة محلقة فوق حقل من شقائق النعمان.
ها هي تتبدى عبر الطريق القادم من البحر معلقة حليها وأثوابها على أعمدة إنارتها الباهتة سبعة أعمدة بسبع قطع حلى وثياب. ومعلنة للقادمين إليها:
ـ هذه أنا، عارية من أثواب حشمتي أنتظر وصولكم..
مفتوحة الذراعين، تفوح من إبطيها رائحة الأعشاب الندية. عارية الصدر، ناعمة ملمس الجسد، تحضن كل القادمين إليها. وفي مكان العانة منها، حيث يتجذر شامخاً نصب ذكرى أول اتصال لها بالحضارة الحديثة، ترميهم بفنادقها الرخيصة، بعد أن تمتص رحيق أيامهم الحلوة.
فينتظرون هناك سبعة أيام، أو سبعة أشهر، أو سبعة زمنية ما..
الباحث عن أسرار الحكماء السبعة، محشور في مقعد خشبي في عربة من الدرجة الثالثة داخل قطار يئن على السكة، ويدخل المدينة عجوزاً مهترئاً يبصق سعاله دخاناً أسود يغطي مشهد المدينة البهي.
تستقبلني المدينة للمرة الأولى وقد طرحت عنها حلّيها وثيابها قطعة قطعة. ثم حررت ثدييها، وفتحت ذراعيها، وكورت حضنها المقدس، لتستقبل ولادتي الثانية، أنا المولود أصلاً من رحم البحر.
يقول أبي:
ـ وجدناك في سلة مرمية على رمال البحر، تتقاذفك الأمواج فحملناك إلى بيتنا. وكنت لا أغادر البحر، هائماً بين براري رمله ومياهه تحادثني حيواناته وطيوره.
تقول أمي، بعد موت أبي في البحر:
ـ كنا متأكدين أنك وُلدت من رحم البحر فليس من أنثى قادرة على أن تحمل بك كيف تورطت وتبعت الصياد.. كيف تجرّأْت وتركْت البحر حزيناً؟ وأنا أعرف أنني حين أعود لن يتعرف علي، وسينكرني، كما ستنكرني حيواناته وطيوره التي شبت معي. ستسكنني رائحة المدينة التي استقبلتني بعد أن علقت ثيابها وحليها على أعمدتها السبعة. معها قضيت سبعة ليال وستة أيام. ثم تركتني وحيداً، مركوناً في واحد من أقبيتها الرخيصة.
سبع ليال بستة أيام،
وأنا قد غادرت البحر، والبحر صديقي القديم،
لم أحمل معي شيئاً سوى دفاتري وكتبي. لم أودع أحداً، فقط، والبحر يبتعد عن ناظري حركت يدي مودعاً. فتلاطمت أمواجه، معلناً عن غضبه الأزلي، ثم اختفى. والقطار يتلوى متعرجاً، والركاب يضجون، والصياد الذي ينحشر قربي في المقعد يرقبني بعد أن لاحظ حركة يدي تودّع البحر.
يقول الصياد:
ـ آنسه، فما دمت متعلقاً به لن تقبلك المدينة.
نظرت إليه. كيف يفكر صياد قواربه تنزل كل يوم إلى عرض البحر لتعود محملة بخيراته التي تتحول إلى نقود يبعثرها في المدينة. تلك القوارب التي قتل أحدها أبي. يومها عادت جميع القوارب إلا القارب الذي يحمله. خسر هو حصيلة الصيد، وخسرنا نحن راعي البيت. كيف يكون بهذا الجحود؟ وهل سأكون مثله حينما أصير في المدينة.؟
والحضن المقدس يتكرر..
يتهيأ،
يتوسع الرحم..
وتبتدئ الولادة.
والصياد، أبي الجديد يقول:
ـ وجدناك في سلة مرمية فوق أعشاب النهر الندية.
وهل يتساوى النهر بالبحر؟
والصياد يقول أيضاً:
ـ مكانك ليس هنا، سأصحبك معي إلى المدينة.
والمدينة،
تحضنني في اليوم الأول،
مشرداً برياً مشحوناً بالجنون رائحة البحر. ينزلنا القطار قريباً من النصب يتجذر ما بين الساقين تحيطه نباتات العانة، رطبة ندية مشربة بماء النهر. والبحر صار بعيداً لمدى ساعات ممضة. وزوربا وسعيدة لم يعلما بعد أنني غادرت إلى لا عودة، هما سينكرانني على أية حال إن عدت.
والمدينة،
الحلم الأبدي بالحضارة..
تتمطى أمامي مبدية مفاتنها، أغادر القطار مشحوناً برائحة التبغ المحروق، وتعرق الأجساد.
أحاول أن لا يشتم أحد رائحة غربتي، أو عفونة سذاجتي. والصياد الذي تعود النزول إلى المدينة كما تعود التردد إلى بيتنا بعد موت أبي يصرخ مبتهجاً:
ـ هي ذي المدينة أمامك، وجبة دسمة، اغرف منها ما تحب.. ولكن انتبه! لا تدع امرأة تغويك وتهرب بنقودك.
هل أغوته أمي أم هو الذي أغواها؟!!
أي شيء وجده في كوخنا؟ أي دفء وجدهه تحت لحاف أمي المهترئ. وتحت سقف كوخنا الذي ينز رطوبة وعفونة. أنظر أمامي، التفت خلفي، وهو يراقب دهشتي. فأسير أو تسيرني دهشتي مبتعداً عنه.
والمدينة تخلع قطعة حليها الأولى،
وأنزل الدرجة الأولى..
الدهشة في العينين، الخوف من الناس المسرعين، من المجهول الذي ينتظرني.
الساعة الأولى..
من الليلة الأولى،
قطعة حليّ،
تاج من اللازورد..
يعلق على العمود الأول..
والحارس،
يفتح البوابة الأولى..
وزوربا هناك، يركض على براري البحر في يوم شتوي. أرمي له الكرة إلى ذرا الأمواج البيضاء حيث حوريات البحر يلوحن لي مبتهجات. فيلهث راكضاً ليعيدها لي يعاند الأمواج، يقاومها، فتلطمه، ثم يعود حاملاً الكرة فرحاً بانتصاراته المتتالية آخذها منه فيركض نحو سعيدة التي تخبئ رأسها تحت درعها محتمية به من دعاباته السخيفة.
الساعة السابعة،
من الليلة الثانية..
قطعة حليّ ثانية، صولجان الآلهة،
يعلق على العمود الثاني..
والحارس حاملاً الصولجان يفتح البوابة الثانية..
وأنا أتابع السير خلف دهشتي، تتكشف المدينة أمام عيني، شارعاً شارعاً، وحارة حارة.
يفجؤني منظرها المبهرج وأنوارها المتلألئة. نساؤها المختلفات المتبرجات. والصياد يرافقني يعرّفني على المدينة وأسرارها تاركاً الفسحة لي لأشاهد كل شيء. وأمي هناك تنتظر أوبته متبرجة متزينة مهيّئة الكوخ الذي ما عاد ينز ماء من السقف. والعفونة فارقته إلى الأبد.
هل ارتبطت العفونة بأبي؟..
أهمس لنفسي وأتابع السير خلف دهشتي. والمدينة جورية تتفتح أمامي ورقة ورقة. وهناك تركت زوربا يداعب سعيدة، وأمواج البحر تتلاطم حاملة الحوريات صديقاتي المجهولات، ورحت أقرأ لهن آخر قصائدي، وهن سعيدات بتغزلي.
أمام سور النهر أتوقف، أبحث عن سراطين النهر وضفادع الساقية، فلا أجد سوى الماء يهدر قادماً من الغرب. فأسير مع مجرى النهر معاكساً لسير مائه، وأعبر الجسر العتيق، ملتفتاً حولي، دائماً ملتفتاً حولي. مغيباً سذاجتي ورائحة غربتي والصياد خلفي مبتهجاً بما حققه.
وهناك خارج كوخنا يقول لي:
ـ مكانك ليس هنا، سأصحبك معي إلى المدينة، هناك ستعيش مجداً لم يسبقك إليه أحد.
كيف تورطت وتبعته؟ كيف وضعت يدي في يد قاتل أبي؟ أية إغراءات قدمها لي؟..
يقول أبي للصياد:
ـ إنك ترسلنا للموت، لا أحد يخرج للصيد في هكذا يوم.
فيقول الصياد غاضباً:
ـ لماذا أنت دائماً المعترض الوحيد؟ ما دام الجميع موافقين على الإبحار فستبحر مثلهم.
ولي يقول في ليلة أخرى:
ـ سأكون مثل أبيك، سأعوضك عنه..
ولكنه عوض أمي عنه، ثم أغراني كي أرافقه، ما كان يجب أن أوافق، منذ وعيت وأنا أفكر في وسيلة أنتقم بها منه، ولكنه أغواني فتبعته.
أسمعه يقول لأمي ذات ليلة:
ـ ابني هناك في المدينة وحيداً يعيش، لا صديق له. لأنه لم يجد بين أترابه من هو قادر على أن يكون له نداً. سأصحب ابنك معي، حيث سيكونان معاً، صديقين رائعين. وكما أعامل ابني سوف أعامله.
في الليلة نفسها، وبعد أن غادر الصياد سرير أمي متوجهاً إلى بيته سمعت صوت بكائها خافتاً حزيناً. هل كانت تبكي موت أبي؟ أو فراقي. وهل يبكي الآن زوربا وسعيدة بعدي؟ وحوريات البحر هل افتقدن قصائدي والملاحم التي كنت أرويها لهن. منفثاً حزني وخيبة أملي.
وكان البحر يهدأ، والطيور تصمت، والحوريات بعيون دامعة يطلبن المزيد فأزيدهن إلى أن يحل الغروب فأتوقف، ويختفين قبل ظهور القمر.
الساعة الرابعة،
من الليلة الثالثة..
والمدينة تخلع من أذنيها أقراطها
وأنزل درجة أخرى
والحارس يفتح البوابة الثالثة..
والمدينة تتكشف أمامي مبدية مفاتنها وأماكنها السرية، أقبيتها التي تعج بروائح النساء وتعبق بأنين الرجال، وتلك التي تعج بالعفونة والعسكر والصراخ.
يقول الصياد بعد أن تعب من السير خلفي ليلة وصولنا المدينة:
هيا بنا نرتاح. أما تعبت، غداً ستنابع الجولة في المدينة سأعلمك كل شيء لتكون جاهزاً للتعرف على عليّان.
وتقول أمي للصياد:
ـ اعتن به إنه من رائحة المرحوم.
وأقول للصياد:
ـ أريد أن أتعرف على المرأة. أنا لم ألمس امرأة قط.
يقول الصياد:
ـ المرأة آخر المعارف ومبتدؤها.
والمدينة تغوص بي وأغوص بها، تتعرف عليّ وأتعرف عليها. أتشممها وتتلمّسني. أقرأ بدايتي معها، وتستمع إلى بدايتها معي. أكرهها وتحبني، أحررها وتقيدني. أقيدها فتحررني. أهرب إليها من حريتي فتستقبلني بأنواع مختلفة من السجون والممنوعات والكذب.
يقول الصياد:
ـ هذه امرأتك.. هي ملكك فتعرّف عليها
في البيت ترحب بنا المرأة، واحدة من الحوريات اللواتي عاشرتهن في البحر، أو هي تشبهها.
إليها يقول الصياد:
ـ (هو ذا يا فتاة البهجة، حرري ثدييك
عرّي صدرك يقطف ثمرك
لا تخجلي خذي إليك دفأه)[1]
في دفء البيت والمرأة يتركني الصياد. وحيداً أمام نفسي، وحيداً أمام المرأة التي لم أعرف. وحيداً مع المرأة التي سأتعرف. وحيداً بين جدران صماء ملونة.
الساعة السادسة
من الليلة الرابعة
عقد من الأحجار الكريمة يعلق على العمود الرابع
أنزل درجة أخرى
والحارس بيده العقد يفتح البوابة الرابعة.
وحدي في المدينة، وحدي أستكشف أسرارها دون توجيه من الصياد، أستقصي مبتدؤها.
أراقب شرطتها السرية بسياراتهم في زوايا الساحات. وحدي أبدأ بتعلم أبجديتها الأولى والصياد يستسلم لنزولي حين أقول له:
ـ أريد أن أكون وحيداً في المدينة في الغد. ما عدت بحاجة إليك.
وحينما فتحت الباب وخرجت. تذوقت طعماً آخر للمدينة، ها هي المدينة تتبدى أمامي وحيداً دون رفيق.
هيّا يا حبيبة،
أيتها المدينة المبهرجة بالحلي
المسكونة بثياب المجد والسلطان
كوري الحضن المقدس،
هيّئي ثدييك للرضاعة..
افتحي ساقيك، لتحتفلي بي، طفلاً وليداً..
وعاشقاً أبدياً.
عالم من السحر، وعالم من الرجس. كون كبير يفتح يديه لاستقبالي. بدايات لنهايات ما، ونهايات لبدايات العشق والجنون. والمرأة غير أمي ما زالت تفلت مني، تنزلق من ذاكرتي. والعلام فسيج مسكون بالرغبات والآمال.
يقول الصياد:
ـ ستُمضي ليلتك الأولى هنا، نظف نفسك من وعثاء السفر. في الخزانة ملابس جديدة على مقاسك. وهذه المرأة ستعتني بك.
أنا الذي لم يعرف امرأة من قبل، وجهاً لوجه أمام المرأة. أنا الذي لم يلمس امرأة قط تلمسني المرأة الحورية وهي تأخذ بيدي تجول بي في أرجاء البيت، تدلني على غرفتي، ثم على الحمام.
درجة أخرى،
وقطعة حليّ خامسة
خاتم ذهبي في يد الحارس
وبوابة أخرى تفتح.
والمدينة عالم مسكون بالرغبات، أو مسكونة بالذكريات. والناس يهرولون خلف ذكرياتهم يركضون أمام ماضيهم. يتلمسون ما افتقدوه، ويخبئون ما سوف يفتقدونه.
والمدينة،
سرب فراشات ملونة محلقة فوق حقل من شقائق النعمان
وتعويذة الولادة صارت في يد حارس البوابات،
سبع بوابات، بسبع قطع ثياب وحلي.
سبع درجات للوصول إلى قاع المدينة
سبع درجات للوصول إلى أسرار الحكامء السبعة،
وأنزل الدرجة السادسة،
ويفتح الحارس بوابة أخرى..
سبع ساعات حتى مطلع الفجر وأن أتعرف على المرأة. الجسد، الملمس، الطعم، الرائحة. المرأة التي كانت حلماً في ذرا الأمواج تلوح لي، صارت بين يدي. طرحت ثوبها. حررت ثدييها، عرت صدرها، وأخذت إليها دفئي.
سبع ساعات حتى مطلع الفجر والقمر يطل علينا بدراً مكتملاً ينير الغرفة والجسد الفسيح. وأنا أتعرف على المرأة بكل حواسي البدائية. والمرأة فرحة باكتشافاتي، فرحة بافتقادي عذريتي. وبعد أن رويت نفسي منها، استلْقت تستريح.
حاولت تذكّر البحر والحوريات
فلم أستطع،
حاولت تذكّر زوربا وسعيدة والنورس
فأنكروني..
وأسمع الصياد يقول:
ـ هيا فقد آن الأوان فعليان بانتظارك...
وأنا تفجؤني المدينة،
وأنا تفجؤني الكلمات التي لم أستطع قولها، أو التي قيلت ولم يسمعها أحد.
أنزل الدرجة الأخيرة..
الدرجة السابعة..
وتفتح البوابة الأخيرة..
بعد أن تخلع المدينة كل ملابسها

من مجلة الف السورية
.[/B]






 
رد مع اقتباس