الموضوع: شباشب
عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 29-05-2006, 02:49 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
د.أيمن الجندي
أقلامي
 
إحصائية العضو






د.أيمن الجندي غير متصل


افتراضي شباشب

يخطئ من يظن أن كل الشباشب سواء ..فالحقيقة أن الشباشب عالم معقد متنوع مثير للإلهام..فهناك شباشب وهناك شباشب..
.............
1- شبشب ماما :
شبشب المرحومة والدتي كان من أهم معالم طفولتي .. كان لونه أحمر قانيا وبلاستيكيا وشديد المرونة ولذلك كان يلسع بشدة .. المرحومة أمي أنجبت ثلاثة صبيان ..ثلاثة شياطين ..ثلاثة أوغاد ..ثلاثة قنابل ذرية ..( أختر الوصف الذي يروق لك ).
حينما كنت أشاكسها ( وأرخم عليها ) حتى استنفذ صبرها كانت تخلع شبشبها الأحمر في مرونة فائقة ..ترفع قدمها قليلا وفي رشاقة راقصات البالية تطوح بالشبشب البلاستيكي الأحمر إلى أعلى في الوقت الذي كانت تميل بجذعها لتتلقفه بيدها الصغيرة في جزء من ثانية ليهبط في فيمتو ثانية على أم رأسي .
وبالمران والتجربة تعلمت حينما أضايقها أن أتتبع نظرة عينها فإذا وجدتها اتجهت لقدمها أدركت ما هو آت وتحولت – فيما يشبه المعجزة – إلى قط صغير ينسل من بين الأقدام لينجو بحياته .
وتمر الأيام تلو الأيام ..وينمو شارب خفيف لا يكاد يرى بالعين المجردة مع بروز تفاحة أدم صغيرة في العنق ..وتقتنع أمي أني قد كبرت وصرت رجلا لا يليق ضربه بالشبشب ..لتنتقل المهمة المقدسة إلى حزام أبي رحمة الله عليه ( وكان يلسع أيضا ) ولكن هذا موضوع آخر ..
ومن أعماق قلبي تخرج تنهيدة دافئة كأحضان أمي أترحم على تلك الأيام التي لن تعود وأود لو كان ممكنا أن أدفع كل ما أملك مقابل ذلك الشبشب البلاستيكي الأحمر لأقبله ..وأقبل فيه رائحة أمي والأيام السعيدة .
.........................
2- شبشب الحبيب
شبشب آخر يستحق التقبيل لكن لأسباب مختلفة .إنه شبشب الحبيب ..شبشب الهنا.
كلكم لا ريب تعرفون تلك الأغنية الباسمة :
يا شبشب الحبيب ..يا شبشب الهنا
يا شبشب الحبيب ..يا ريتني كنت أنا
................
لن تندهشوا من رغبة الشاعر الملحة في أن يصير شبشبا للحبيبة إذا تذكرتم أن هذه الأغنية تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي حينما كانت المرأة كيانا أسطوريا في مخيلة الشعراء المحرومين ..طيفا جميلا يتوارى خلف المشربيات والشبابيك .. .
في هذا العهد السعيد كانت المرأة معبأة بالأنوثة قبل عصر الإسترجال والشعر القصير والبنطلونات الجينز ..امرأة لم تخرج للشارع وتصارع الرجال..امرأة بمعنى امرأة ..أنثى بكل ما تعني الأنوثة من معان ..حينما كانت الدنيا بخيرها والفراخ بلدية مدللة بدون هرمونات تقلب الرجل أنثى والأنثى رجل ..حينما كانت المرأة مصنع هرمونات أنوثة لا يهمد ولا يكف عن العمل أربعة وعشرين ساعة يوميا ..هرمون الأستروجين صنع بلاده.
وتخيل معي القدم الناعمة كبشرة وليد ..كثمرة خوخة ..كملمس الموز بعد تقشيره وخلطه باللبن..وتخيل الأصابع المدهونة بعناية باللون الأحمر تبرز من فتحة الشبشب ..مدهونة بدم العاشق المتلهف المحروم ..أصابع رقيقة صغيرة تغري ليس فقط بالتقبيل وإنما بالأكل أيضا ..أصابع تم الاعتناء برفاهيتها .. ألن تود في تلك الحالة أن تصبح شبشب الحبيب ..شبشب الهنا ؟ .
لذلك لن أندهش لو كان رجال هذه الأيام يعتبرون الشبشب رمزا للفتنة الأنثوية التي تعد بتحقيق جميع الأمنيات المؤجلة ..
.............................
3-شبشب توت غنخ آمون:
شبشب توت عنخ آمون هو أكثر ما يلفت نظري عند زيارتي للمتحف المصري وليس أي شيء آخر ..
هل زرت المتحف المصري من قبل في ميدان التحرير ؟ .. باختصار المتحف المصري هو المكان الوحيد الذي تختفي فيه نظرة الاستعلاء من عيون الأجانب لتحل محلها نظرة انبهار وتواضع وشغف .. المتحف المصري بكل تأكيد واحد من تلك الأماكن القليلة إلي تشعر فيها بالفخر القومي وتنفش صدرك وترفع حاجبك الأيمن ( المكسور دائما يا عيني ) وتقول : أنا مصري ..سليل الأجداد العظام .
مقتنيات المتحف المصري تزري بمقتنيات عشر متاحف لوفر .. أنت تتحدث عن فجر التاريخ ومهد الحضارة فلا تنس هذا من فضلك.. ولا تنس أن عدد الآثار المصرية المهربة ( أستعد للمفاجأة ) أكثر من 17 مليون أثر ( وهو رقم مضحك بقدر ما هو فاجع ).
المهم أن هذا المتحف المصري ( والذي شاهدته مرارا وتكرارا ) قد أختزل بالنسبة لي في شيء واحد هو شبشب الفرعون الصغير : توت عنخ آمون .
وتوت عنخ آمون لم يكن ملكا مهما بالمناسبة في التاريخ الفرعوني لكن أهميته تعود إلى أن مقبرته كانت الوحيدة التي لم تتعرض لنهب اللصوص. بهذا يمكن تخيل مدى الترف الذي كان يحيا فيه ملوك الفراعنة ..وبالمقارنة بهم فأن أغنى أغنياء الأرض حاليا فقراء .
القناع الذهبي الملكي الذي يعتبر تحفة لا نظير لها في تاريخ البشرية ) لتنوع ألوانه وأصدافه ومجوهراته وبريق معدنه لم يلفت نظري مثل شبشب الفرعون ..ربما لأني أفهم كل هذا الإتقان في الصنعة من أجل القناع الملكي ولا أفهمه بالنسبة لشبشب يفترض استخدامه من أجل دخول الحمام ( ولا مؤاخذة ).
مسكين يا بيل يا جيتس ..مؤكد أنك لم تزر المتحف المصري ..أو ربما زرته في زيارتك الأخيرة لمصر لكن مساعدوك حرصوا على أن يصرفوك عن رؤية هذا الشبشب الذهبي الثمين ..ربما لأنهم كانوا يعرفون ( كما أعرف أنا ) أنك ( ستنفتح في العياط ) بمجرد أن تراه و( تدبدب بقدميك ) على الأرض وترثي لنفسك .. فما قيمة كل ملياراتك التي صنفتك الأغنى في العالم إذا كانت لا تجديك نفعا في الحصول على شبشب مثيله؟.
........................
4- شبشب الحاج
هذا الشبشب عادي جدا ..ليس مصنوعا من الذهب وثمنه على الأكثر خمسة ريالات..ولكنك حين تفقده فكأنما فقدت أبنك.
إنه يا عزيزي الحاج شبشبك الذي تركته على باب المسجد الحرام وأنت ترتدي ثياب الإحرام البيضاء ..منهك طبعا بعد قضاء مناسك الحج ..بعد استنشاق آلاف الأطنان من عوادم السيارات في النفرة المباركة من عرفة ..قضيت الليل كله ساهرا في مزدلفة ومع الشروق مضيت إلى منى حيث حلقت شعرك ( مبرووووووووك ) وها أنت ذا تجر أقدامك إلى مكة بعد ليلة طويلة لتؤدي طواف الإفاضة وبذلك يتم الركن الأعظم من الحج الذي قضيت عمرك تنتظره وتدخر له .
بمعجزة ( وبفضل من الله الكريم ) انتهيت من طواف الإفاضة ومن سعي الحج ..وخرجت متطهرا من ذنوبك ( والبلاوي المتلتلة ) كيوم ولدتك أمك ..وتنوي أن تحافظ على سجلك أبيض ثياب أحرامك قبل أن تتسخ ..تنوي ذلك ولكن لا تعرف كيف .
تجر أقدامك خارج المسجد الحرام وكل ما تتمناه أن تذهب بسرعة إلى الفندق لتأخذ حماما سريعا ثم تنام مدة عشرين عاما على الأقل ..ولكنك تجد مفاجأة غير سارة أمامك لحظة خروجك من المسجد تقلب كل خططك رأسا على عقب .
لقد اختفى شبشبك .
صحيح أن أمامك عشرات الآلاف من الشباشب تصنع بها ما تشاء ولن يستوقفك أحد ..ولكن تصعب عليك الحجة والمعصية الأولى .
صحيح أن الكل يأخذ أي شبشب وينصرف باعتبار الشباشب منفعة عامة ..لكنك لا تفعل هذا في مصر وبالأحرى لن تفعله هنا ولذلك تأخذ قرارك بالمشي حافيا رغم الأسفلت الساخن الذي يلسع أقدامك وتدعو ربك أن تظهر لك بسرعة أحدى هاته السمراوت اللاتي يجلسن بجوار الحرم يبعن تلك الشباشب الثمينة ..
...................
5- شبشب بابا
في الحقيقة هو ليس شبشب بابا بالمعنى الحرفي للكلمة .. كان المفروض أن يكون شبشبي أنا ولكن هذا لم يحدث والسبب سوف تعرفونه فورا .
صغير الحجم ..قصير القامة أمسك بيد أبي مخترقا شارع الخان المزدحم ..أبي كان تعبير نموذجيا عن الأب كما يرسمونه في قصص الأطفال الملونة .. طويل القامة ..متين البنيان ..له صلعة توحي بالحكمة وصرامة وجه قاض رأي الجانب المظلم من القمر واكتسبت ملامحه تعب الأيام .
كنت وقتها دون العاشرة بالتأكيد .. وبرغم منصب أبي الكبير فقد كنت أظنه وقتها من عامة الشعب ولم أفطن أبدا لأهمية مركزه.
..................
كان الطريق مزدحما بآلاف العابرين والباعة منتشرون على قارعة الطريق يعرضون بضاعتهم ..ومن ضمنهم باعة الأحذية والشباشب ..توقف أبي فجأة وراح يرمق الشباشب بعناية ثم انتقى واحدا وطلب مني أن أقيسه بقدمي ..وفعلت كما قال أبي وخطوت خطوة واحدة على الطريق ..هنا وجدت البائع شرس الملامح يدفعني في صدري حتى كاد أن يوقعني على الأرض وهو يقول بتوحش : لا تمش به في الطريق ..
وتملكني الرعب والارتباك ..ونظرت لأبي الذي أحمر وجهه من فرط الغضب وصرخ في البائع : لا تلمسه ..أفهمت ؟ ..ثم أمسك بي أبي من يدي في حزم ومضى بي وسط الزحام .
رغم السنين الطويلة فما زلت أذكر مشاعر الحزن والغضب التي اعتملت في صدري ..لماذا لم يتصد أبي لهذا الوقح ؟ كيف يتركه يضربني أمامه دون أن يعاقبه ؟ ..كنت ( دلوعة ) أبي وكان يدللني عن سائر أخوتي فلماذا لم يدافع عني ؟ ..
وتزايد لدي أحساس القهر أن أبي دون سائر الآباء رجل متواضع مسكين ، وسألته في عتاب : لماذا لم تعاقبه يا أبي ؟
ما زلت أذكر كلمات أبي بعد كل هذه السنين ..قال لي بصوته المتعب ..يا أبني ..لو عرف هذا الرجل أنني قاض سيصيبه الرعب وسوف يتذلل لي وأنا يا ابني لا طاقة لي على أن أرى رجلا ذليلا أمامي ..لا أستطيع تحمل هذا الموقف فتركته لله.
..................
كنت بحاجة لعمر كامل حتى أفهم المعنى الكامن وراء عباراته التي لم تكن بالنسبة لي مقنعة أبدا ..كنت أود انتقاما مروعا يعيد لي كرامتي المبعثرة ويجعلني فخورا بأبي المهم القادر على حمايتي ومعاقبة الأعداء..وتمر الأيام تلو الأيام ..لأفهم وأعرف ما معنى هذا الموقف البسيط ..وأعرف أن هذا الرجل كان ببساطة رجلا حرا يؤذيه أن يرى أخوانه من بني البشر في موقف الخضوع حتى لو كان قد تسبب في إيذاء أبنه الصغير المدلل المحبوب .
وعلى مدى رحلة العمر شاهدت مواقف كثيرة كلها تواضع لخالقه وعزوف كامل عن استغلال وظيفته أو حتى إعلانها ولكن تلك الحادثة بالذات كانت أبلغ تأثيرا في نفسي من مليون خطبة عصماء عن ضرورة التواضع لله رب العالمين .
وكلما مررت في شارع الخان المزدحم بعد كل هذه السنين ..نظرت بحنين إلى الباعة البسطاء المفترشين قارعة الطريق عارضين الأحذية والشباشب ملتمسين الرزق من صاحب الرزق تذكرت الوجه الحزين والملامح المتعبة ..مسحت دمعة على خدي وقرأت له الفاتحة .
.......................
وكما قلت من قبل إن عالم الشباشب معقد ومتنوع ومثير للإلهام..فهناك شباشب وهناك – على الجانب الآخر - شباشب..







 
رد مع اقتباس