الحديث عن سنن التغيير يفرض نفسه كحقيقة واقعية كانت فيما مضى تتناول على سبيل التنظير والتفلسف والجدل النظرى ... لكنها اليوم وبعد الربيع العربى أصبحت واقعا نراه بأعيننا ونحن نلهث وراء متابعة الأحداث ...
كنا نعيش قهرا أمنيا وحصارا اعلاميا وضغوطا نفسية وأحداثا مأساوية جعلت الكثيرين منا يتصورون استحالة التغيير فى ظل الهيمنة الأمريكية على صناعة القرار فى بلادنا بدءا من تنصيب ولاة الأمور وأبنائهم وانتهاء بلقمة العيش حتى ظن البعض أن أمريكا هى المسيخ الدجال أعاذنا الله جميعا من فتنته ...
لقد كان الخوف من البطش هو أثقل شئ جثم على النفوس وكبل الارادة الجمعية وشل الحركة الجماهيرية الى أن جاءت اللحظة الفارقة ... لحظة التحرر من الخوف ... ربما كانت الجموع وهى تهتف حينها : ( الشعب يريد اسقاط النظام ) أكثر سعادة ونشوة من لحظة سقوط النظام ...
كيف تتغير الحالة النفسية فى لحظة أو لحظات وبشكل جماعى من الخوف والهلع المميت الى مواجهة الموت بجرأة وشجاعة واستخفاف ... هل شحنت بطارية الايمان فى القلوب كلها فى نفس التوقيت أم ولدت الارادة ولادة جمعية أم انفجر بركان من الغضب فى نفس الرقعة الجغرافية ...
النفس البشرية جبلت على حب البقاء وحب التملك ... وذلك هو المدخل الذى دخل منه ابليس عليه لعنة الله الى ادم عليه السلام ( قال يا ادم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) ... نلاحظ هنا تقديم الخلود على الملك كما نلاحظ أن الله تعالى قدم الأنفس على الأموال فى عقد الشراء الذى ورد فى قوله تعالى ( ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) ... ثم عقب على ذلك العقد بقوله ( فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) ... ومن عظمة ذلك الفوز أنه يشمل الدنيا والاخرة كما يشمل الحياة الكريمة والتمكين فى الأرض ...
ومع أن العقد لا يعطى ثمنا الا الجنة فان من نتائجه التحول من حالة الخوف والاستضعاف الى حالة النصر والتمكين والعزة ... ( وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) ...
قانون التغيير الذى نعرفه من كتاب ربنا هو ( ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ... اذن فحين يوثق عقد البيعة مع الله فى النفوس تنحل عقدة الخوف والحرص وتلك هى لحظة التحول الفارقة والتى تتبعها حالة الاستبشار ويعقبها النصر وان سبقته التضحيات واستبطأته الهمم ( حتى يقول الرسول والذين امنوا معه متى نصر الله . ألا ان نصر الله قريب ) ...
يتبع ان شاء الله