لم يولد عهد علي صالح في ظروف طبيعية، ولد من جثة سلفه احمد الغشمي الذي اغتيل في (1978). وكان عهد الغشمي ولد من جثة سلفه ابراهيم الحمدي الذي اغتيل في (1977). الحكم في اليمن يشبه الجلوس على برميل البارود. وفي الشطر الجنوبي لم تكن القصة أرحم. وفي دفاتر الخيمة الماركسية التي نُصبت هناك دم وفير. جثة سالم ربيع علي. ثم جثة عبد الفتاح اسماعيل وعلي عنتر ورفاقهما، يومَ فتك الرفاق بالرفاق، وراح علي صالح ينتظر سقوط الشطر الجنوبي في الوحدة كثمرة ناضجة، وهو ما حصل لاحقاً.
اليمن تضاريس صعبة وتركيبة اصعب. بلاد فقيرة وشعب طيب وعنيد ينام على غابة من السلاح. العناق شديد والفراق مرير. ولجان الحوار والمصالحة تولد وتموت، وبين وقت وآخر تدوي المدافع. حارب علي صالح كثيراً وطويلاً. على حدود الشطرين وداخل الشطر الشمالي. أنقذ الوحدة بالحديد والنار، لكن أسلوب إدارة دولة الوحدة أنعش مجدداً مشاعر الطلاق في الجنوب. تكاثرت الحروب. جولات مع الحوثيين. وجولات وهدنات مع «القاعدة». استنفدت الحروب هيبة الجيش. استنفدت اتهامات الفساد رصيد الدولة. استهلك الوقت جزءاً غير يسير من براعات الرئيس.
جاء الربيع العربي حاملاً كاسات السم لمن أدمنوا التمديد وراودهم حلم التوريث. لم يتنبه علي صالح إلى ان هذه العاصفة لا تشبه سابقاتها. وأنها من قاموس آخر وأشد فتكاً. مصير بن علي ليس مغرياً لمن لم يخسر كل رصيده بعد. مشهد حسني مبارك بين المحقق والطبيب لا يشجع على الاقتداء به. كان من الصعب عليه سماع كلمة «ارحل» يرددها من ولدوا في عهده. استيقظ فيه المحارب. اخترع ساحة اخرى وأخذته اللعبة بعيداً. رفضت قبيلة الدولة هدير الثورة وانزلقت الى الصدام مع دولة القبيلة. دولة آل الأحمر. ومن تبادل الضربات ولد المشهد الحالي، رئيس غاضب وجريح وبلد غاضب وجريح. كانت المبادرة الخليجية فرصة ذهبية لتلافي المشهد الحالي وضمان انتقال هادئ للسلطة.
قبل عامين سألت الرئيس علي صالح عن الحكم في اليمن، فأجاب: «انه يشبه الرقص على رؤوس الثعابين». وكان يقصد القوى السياسية لا الناس. وقبل عام سألته ان كان بدّل رأيه فقال: «لا، باستثناء تحول الثعابين الى أفاع». وحين سألته ان كان يخشى لدغ الأفاعي قال: «نحن وشعبنا قادرون بإذن الله تعالى على التعامل معها وترويضها. نحن لا نخاف». أخطأ الرئيس في قراءة العاصفة الاخيرة وخطورة اجتماع العواصف. الرئيس لدغته الثعابين.
غسان شربل الحياة/ لندن