في البدء بدا لي الأمر شبيها بحلم ..كان ليل الشتاء قد سقط مبكرا كعادته..وثمة لذعة برودة محببة في الهواء ..وبينما كنت أسير في طريقي لمنزلي سمعت غناء جماعيا تصاحبه أوركسترا كاملة فتوقفت مستطلعا ..وبدا واضحا أن الغناء ينبعث من المبنى العتيق لقصر الثقافة.
مضيت إلى القاعة فوجدت ما يقرب من أربعين فتاة وفتى وقوفا يصدحون وقوفا بأغنية لأم كلثوم طالما اعتبرتها من أجمل ما غنت ..طقطوقة " ما دام تحب بتنكر ليه " .. كتبها الشاعر العاشق أحمد رامي ولحنها المتيم المقهور محمد القصبجي فلا عجب أن بدت الأغنية أقرب لتنهيدة ..
الغناء كان من أجمل ما يكون ، أقولها بثقة عاشق قديم للطرب الشرقي الأصيل..كانت القاعة تموج بالأنغام الشجية ..وكنت في حال من النشوة والذهول .. النشوة بفعل تلك الكيمياء المجهولة التي نسميها الفن وتأثيرها الغامض على الروح ..أما العجب فلأنني من رواد قصر الثقافة المنتظمين لترددي على المكتبة العامة ، ناهيك أن المبنى يقع في طريقي للمنزل فكيف ومتى حدثت تلك النهضة الموسيقية التي لا أدري لها تفسيرا .
دارت هذه الخواطر في ذهني كلمحة خاطفة ..ومضيت أنظر حولي محاولا العثور على إجابات لأسئلتي الحائرة ..القاعة كانت متواضعة للغاية ...الأرضية من البلاط القديم باهت اللون ، والجدران كالحة مشققة ..الكراسي الخشبية عتيقة جدا ، والمكان برمته ينتمي لعالم المباني الحكومية المتداعية التي نشعت جدرانها وسقط سقفها منذ ثلاثين عاما .
ملابس الفتيات متواضعة جدا ..بسيطة إلى حد يوجع قلبك كلما فكرت أن أخوانك من بني البشر يقضون رحلة حياتهم على الكفاف دون أمل في مستقبل أفضل اللهم إلا قطعة لحم أثيوبي عابرة يقيمون الاحتفالات من أجلها وتستقبلها الوزيرة بنفسها احتفالا بالحدث العظيم ..ثياب الفتيان لم تكن أفضل حالا كما هو متوقع بل إن بعضهم كان يرتدي جلبابا بلديا ..وبالتأكيد لا يزيد ما في جيوبهم عن ثمن الميكروباس الذي سيعودون به لمنازلهم في نهاية الأمسية ..باختصار جو عام من البؤس والعوز يتناقض – بشدة – مع ذلك المحتوى الفني شديد الثراء الذي تموج به الأنغام الدافئة في فناء القاعة .
النظر لأعضاء العازفين تثير الشجون أيضا ..عازف الكمان – مثلا - يناهز الثمانين ..نحيف بشكل يصعب تصوره ..الكمان الذي يعزف عليه قديم وبائس ومتواضع ..باقي العازفين على نفس الشاكلة ..نفس الملابس البسيطة والملامح الجادة..
وقتها بدا لي الأمر كلغز غير قابل للتفسير حتى وقعت عيناي على المايسترو فعلمت – بالإلهام وحده – أنه مفتاح السر ..عملاق عريض المنكبين شديد الجاذبية ..له لحية بيضاء ونظرة متوهجة..يقف مسيطرا بنظراته وحركات يديه على أعضاء الفرقة الموسيقية الواقعين كلية تحت تأثيره ..أسد لو كنت تفهم تلك الهالة المغناطيسية التي تبعث من عيون أسد . فيما بعد عرفت أن اسمه ساري .
....................................
مرت بي هذه الذكريات البعيدة وأنا أتابع بدهشة وقائع محاكمة المطرب ( تامر حسني ) ..الفتى تهرب من الخدمة العسكرية وزور في محرر رسمي لاستخراج جواز سفر ..المفروض أن هذه التهمة تمس شرف الإنسان في أي مجتمع متحضر وتوجب احتقار المجتمع له .. لكن واضح أن الأمور أختلت – ربما بلا رجعة – في المحروسة ..الذي حدث كان مدهشا . تبادلت المراهقات فيما بينهن نداءات للخروج بالسيارات يوم المحاكمة للتعبير عن رفضهن لمعاقبة نجمهن المحبوب ..وتبنت زوجات كبار المسئولين الدفاع عن تامر حسني ..وطلق رجل زوجته التي لبست ثياب الحداد حين تم القبض عليه ..وفي سجن أبي زعبل كانت الزيارات بالطعام الفاخر وزجاجات المياة المعدنية تتوالى على المطرب وسط ذهول المسجونين وابتسامات المسئولين .
يوم المحاكمة تجمع نحو ألفي مراهقة ومراهق لمساندته ..وكان الحكم – ولا تعقيب على أحكام القضاء – هو السجن عام مع وقف التنفيذ ..
ألف علامة استفهام هنا ..لكل علامة ألف دلالة على ما آل إليه حال المجتمع المصري .
...........................
شخصيا أنا لا أميل كثيرا لنظرية المؤامرة ..ليس لأنها غير حقيقية ولكن لأنها تحولت لإجابة جاهزة مملة تصلح لكل التساؤلات ..ولكن إذا كانت هذه النظرية صحيحة فإنني أهنأ المتآمرين على نجاحهم الباهر في تجريف التربة المصرية الخصبة المتراكبة عبر أجيال ..
أنا لا استهين أبدا بالتراث الفني الثقافي للأمة المصرية .. على العكس تماما أنا أؤمن أن ما يصنع الهوية هي مئات التفاصيل الدقيقة - ومنها بلا شك تلك الأغاني التي سمعناها من الراديو أثناء حياتنا العادية فعلقت بذاكرتنا دون أن ندري - لتتجمع سويا وتغزل ثوب المواطنة على مقاسك بالضبط ..ثوبا لا تراه العين أبدا إلا وقت مفارقة الوطن لتكتشف في دهشة بالغة أنك مصري شديد الانتماء للهوية المصرية ..
الأمم المتقدمة أدركت ما للفنون من تأثير بالغ في تكوين الهوية القومية..وفي وقت ما تكدست الزهور في الحديقة المصرية ..كان يصعب أن تحدد مطربك – أو ملحنك - المفضل لسبب بسيط أنه كان لديك عشرة على الأقل يستحقون المركز الأول بامتياز في كل مجال..وكان تأثير تلك النهضة عارما على المحيط العربي من حولنا ..باختصار ما يمكن أن ندعوه دون خطأ ( القوة الناعمة ) لمصر.
وتغير الزمان وصارت الغلبة للأغنية الهابطة والكلمة الركيكة واللحن الصاخب ..تفوق الزجاج الملون على الماس الأصيل الذي استغرق صنعه ملايين السنين ، وتشابه الفالصو مع المعادن الثمينة ، وصرنا – كذوق عام – نجد من يفضل النخيل البلاستيكي الصناعي على شجرة التوت العتيقة ..
شخصيا لم أسمع عن تامر حسني من قبل ولكني علمت أن شهرته الساحقة كانت مع تلك الأغنية التي تقول كلماتها :
كل مرة باشوفك فيها بابقى نفسي أ..
أ...
أجيلك أقلك إنك كلك
على بعضك عندي بالحياة
طب أ..
طب أ..
........................
شيء ما خطأ يحدث للأمة المصرية بصرف النظر عن أي خلفية دينية..الفنون تعكس ثقافة المجتمع وترتيب أولياته ونظرته للقيم في الحياة . أم كلثوم كانت تغني لعمالقة شعراء الفصحى والعامية فأرتفع الذوق العام للمجتمع كله .. قولوا لي من فضلكم ماذا قدم تامر حسني من صنيع للأمة المصرية بحيث يستحق كل هذا التكريم الذي لم ينل قطرة منه رجل كالأستاذ ساري الذي قدم – ولا يزال - شيئا حقيقيا له طعم ولون ورائحة ..له اسم وهدف وأسلوب؟ ..
فيما بعد عرفت الكثير عن الأستاذ ساري الرجل الخمسيني الجاد الذي وهب نفسه للفن الذي أحبه وأخلص له ..مثله في ذلك مثل باقي أفراد الفرقة الموسيقية المغمورة ..كلهم ارتضوا الفقر لأنهم – ببساطة – يفعلون ما يروق لهم ويحترمونه ..ألا وهو الحفاظ على الهوية الفنية للأمة المصرية ..شيء ما قريب الشبة بالرواية المشهورة 451 فهرنهيت للكاتب راي برادبوري حينما قام النظام القمعي بحرق كل التراث الثقافي للإنسانية وكانت المقاومة الوحيدة الممكنة هي تلقين الصغار شفاهة ذلك التراث الثقافي في مشاهد بالغة الروعة أخرجها فرانسو تريفو ..
يخطئ من يظن أن الأمر لهوا ..الموسيقى كأي لغة مكتوبة في العالم لها قواعدها الصارمة جدا والتي تحتاج دراسة شاقة من أجل فهمها وممارستها ..وقد شهدت بنفسي جلسات التدريب المنهكة وثورة الأستاذ العارمة على تلاميذه الذين يحتملون كل شتائمه بحب واضح ..وسمعت بأذني اللعنات التي تنهال على رؤوسهم حينما يخطئون فيما يراه هو بديهيا وواضحا ..
كان واضحا أنهم يحبونه حقا ويجلونه ..لذلك- فقط -استطاع أن يحول البؤس إلى شهد صاف كما يخرج اللبن من بين فرث ودم ..واستطاع شغل وقت شباب في عمر المراهقة كان مصيرهم المحتوم الجلوس على المقاهي أو ما هو أسوأ ..
وأيا ما كان رأيك في الغناء حسب خلفيتك الثقافية والدينية وحسب نصيبك أيضا من كيمياء الفن وما إذا كانت عصاه السحرية قد لامست روحك أم لا ..فإنك في كل الأحوال تشعر أنك أمام شيء جاد لا خلاعة فيه ولا سطحية ..عمل يؤخذ بنفس الجدية التي يدق بها النجار شاكوشه على قطعة خشب ..أو استماع طبيب لدقات قلب مريضه ..نفس ملامح الانهماك والتركيز..أما المقابل فهو لا شيء من الناحية المادية ولكنه الكثير جدا من احترام الذات والإيمان بأهمية ما تقوم به.
............................
أستاذ ساري – كما يجب أن نعلم كلنا – ليس الوحيد من هذا الطراز ..في كل أنحاء مصر ..في المدن الصغيرة والمراكز والنجوع يوجد أمثاله يختلفون في الطول والعرض واللون ويتشابهون في الإيمان بقيمة عملهم والإخلاص له ويتشابهون أيضا في الفقر الشريف..يرفضون العزف في الملاهي الليلية لأن فطرتهم السليمة تنفر منه ولأنهم يؤمنون بأهمية الحفاظ على تراث الأمة المصرية المستباحة بالطول والعرض.
وردة بيضاء له - ولأمثاله- مع الكثير من الحب والاحترام عالما أنهم لا يطمعون في شيء آخر من هذه الدنيا المحيرة .
...............