بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ ياسر حفظه الله..
حتى نصل معا إلى الجواب على سؤالك لا بد أولا أن نعين معنى الحزب:
أما الحزب في اللغة: يقول الراغب الأصفهاني في المفردات: "الحزب جماعة فيها غِلَظٌ". ويقول الفيرزو أبادي في القاموس المحيط: "الحزبُ بالكسر: الوِرد، والطائفة، والسلاح، وجماعة الناس... وجند الرجل، وأصحابه الذين على رأيه" ويقول ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: "الحزب: الجماعة من الناس".
فالجماعة من الناس، وجند الرجل أو أصحابه الذين على رأيه، هم حزب. وحزب الله، هم أنصار الله. وحزب الشيطان، هم أتباعه. فكل جماعة اتبعت شخصا لرأيه، أو شجاعته، يقال لهم حزبه.
هذا من حيث اللغة، أما من حيث الاصطلاح، فقد عرِّف الحزب بأنه: مجموعة أفراد آمنوا بفكرة يراد إيجادها في المجتمع. وإذا لم يكن لهؤلاء الأفراد فكرة ولا تنتظمهم إرادة جماعية لإيجاد الفكرة في المجتمع، فلا يصح أن يقال عنهم أنهم حزب، بل يقال أنهم جماعة، وليسوا حزبا، إلا إذا قاموا على فكرة، ووجدت لديهم إرادة إيجادها في المجتمع.
وإذا طبقنا هذا الواقع سواء من حيث اللغة أو من حيث الاصطلاح على واقع رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فإننا نجد أن المعنى ينطبق عليه في الحالين، أقصد من حيث اللغة ومن حيث الاصطلاح؛ وبيان ذلك كما يلي:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم بدأ الدعوة في مجتمع مكة بفكرة جديدة هي الإسلام، وكتل من كان يؤمن به حول الفكرة التي جاء بها؛ أي حول الإسلام. فكان النبي صلى الله عليه وسلم بمن آمن معه كتلة، سرعان ما تحولت إلى حزب يعمل في المجتمع. وعندما اكتمل تكتل النبي صلى الله عليه وسلم، بدأ صراعا فكريا مريرا وكفاحا سياسيا شرسا مع قادة قريش في مكة، وكان هذا الصراع وهذا الكفاح مستندا إلى الفكرة التي أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم تكتله على أساسها، وبذلك بدأ يرتفع شأن الفكرة التي أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم التكتل على أساسها، وبدأ كذلك يرتفع شأن أصحابه أعضاء كتلته، وأصبحت قريش تحس بهذه الحركة الجماعية، وتحسب لها حسابا، فأخذت بالتضييق عليها، بالدعاية، والإيذاء، والحصار، والاغتيال، إلى أن تحولت الفكرة الإسلامية إلى قوة مادية في المدينة المنورة، فتحولت من كتلة حزبية، إلى حركة شعبية، إلى دولة، وبدأت هذه الدولة تقارع الدول الأخرى، والكيانات الأخرى، وتنشر الفكرة بين شعوب هذه الدول.
هذه الحركة السياسية التي بدأت بالدعوة إلى الفكرة، ثم تكتيل الناس حولها، ثم خوضها الصراع في المجتمع مع الأفكار السائدة فيه، ثم انتقال هذه الفكرة من كتلة حزبية إلى حركة شعبية، إلى دولة، هذه الحركة السياسية هي في حقيقتها حركة حزبية، وكل الانتصارات التي حققتها ترجع إلى كونها حركة حزبية، وهي تتكون من الرسول صلى الله عليه وسلك بوصفه رسول الله، وبوصفه رئيس الحزب، ومن أصحابه الذين آمنوا به واتبعوه وأصبحوا أعضاء في حزبه، وهؤلاء من يطلق عليهم المسلمون لفظ الصحابة، فالصحابة هم كتلة الرسول، لأنهم أصحابه الذين على رأيه، ولأنهم جنده، وأتباعه.
ونحن نبحث في واقع الرسول صلى الله عليه وسلم لأننا مأمورون بالإقتداء به، ولسنا مأمورين بالإقتداء بالأنبياء من قبله، فالله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } ويقول {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }.
صحيح أن الله بعث الأنبياء فرادى ولم يبعثهم جماعات، لكنهم كانوا يسيرون في الدعوة لتشكيل الحزب الذي يقوم بالتغيير، فبعضهم نجح في تكوين هذا الحزب، وبعضهم لم يوفق، وبعضهم سبقت المنية إليه من قومه، كما حصل مع بعض أنبياء بني إسرائيل. وبعضهم أخبرنا الله تعالى عنهم أنهم كانوا لوحدهم كتلة أي حزبا، لعظيم جهدهم، وكبير تأثيرهم، كما أخبر الله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
أما أنه وجد من استطاع التأثير لوحده دون أن يكون حزبا، فهذا صحيح، لكن لا يوجد أحد استطاع التغيير، أي تغيير المجتمع، بتغيير حال الناس وتغيير العلاقات في المجتمع، وبخاصة المجتمعات المتأخرة، دون أن يكون ذلك عن طريق حزب، ولا يوجد شيء في التاريخ يصادق على هذا القول.
أما قولك "طيب وهل بعد عصر الصحابة كان حزبا اخر غير حزب الصحابة!!!؟؟" فأقول أن الأحزاب وجدت في الأمة الإسلامية، وجدت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ووجدت في عصر الصحابة، رضي الله عنهم، ووجدت في العصر الأموي والعباسي وغيره من العصور، أما في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، فحزبه هم أصحابه، وقد شرحت لك ذلك، أما في عصر الصحابة فقد وجدت حركات حزبية لكنها جميعها كانت مؤقتة، وانتهت بانتهاء الحادثة التي شكل لأجلها الحزب، كبلال وصحبه عندما حصل الاختلاف على أرض السواد في العراق، إلى درجة بلغ من التأثير حدا أن يقول الخليفة عمر بن الخطاب فيه "اللهم اكفني بلالا وصحبه" على أن حزب بلال لم يكن حزبا يستهدف الوصول إلى الحكم في عهد عمرن وإنما وجد لمحاسبة الخليفة، لأنه لم يكن يرى أن عمر خرج عن الخلافة، وإنما لا بد من محاسبته على أمر يرى فيه أن عمر قصر أو ظلم _حسب ظنه_.
أما في العصر الأموي فإن الأمويون أنفسهم وصلوا إلى الحكم عن طريق حزب معاوية ومروان بين الحكم، ونشأت أحزاب كثيرة في عصرهم من الخوارج وغيرهم، وكذلك انتهت الحركة العباسية السرية التي انطلقت من الحميمة إلى الوصول إلى الحكم بعد أن جلبت الرأي العام إلى جانبها، فانهار الحكم الأموي، وجاء العباسيون إلى الحكم.
أما سؤالك "وهل الاسلام فكرة !!!؟؟؟ أو حزب سياسي حصريا ؟" فأقول نعم الإسلام فكرة، أي الإسلام أفكار وأحكام شرعية، فالعقيدة فكر، والحكم الشرعي فكر، وكون العقيدة الإسلامية جاءت بأحكام تعالج مشاكل الحياة فإنها توصف بأنها عقيدة سياسية، والإسلام أيضا فكرة سياسية، وليس عقيدة أو فكرة كهنوتية، كالنصرانية، فالنصرانية فكرة روحية، ليس لها علاقة بأحكام الحياة، فلا يوجد في النصرانية أحكام تعالج مشاكل الحياة، وإنما هي فكرة روحية كهنوتية تعبدية فقط.
ولا يعني أن الإسلام فكرة أنه ليس من الله، فالله أوحى بالإسلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد بلغه للناس، فهو دين أنزله الله ليعالج مشاكل الناس، وكونه يعالج مشاكل الناس أي ينطبق على حوادث الحياة المتجددة، ويضع العلاج لها، وهذا معنى كونه فكرة، لأن الفكر هو الحكم على الواقع، والله حكم على وقائع الحياة، ومشاكل الناس بأحكام شرعية يجب فهمها والعمل بها، فالقرآن وكذلك الكتب السماوية الأخرى لم تنزل للتعاويذ والتلاوة والتمسح .. الخ، إنما نزلت لتحكم بين الناس، يقول تعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} ويقول تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً}.
أكتفى بهذا القدر من الإجابة على بعض تساؤلاتك، وقد أعددت موضوعا عن العمل الجماعي لعله يكون شفاء لبعض تساؤلاتك تراه في المنتدى الإسلامي إن شاء الله.
مع تحياتي لك ولكل الأخوة في المنتدى