كان كل هذا اشبه بزلزال ، ارتج كيانه كله ، فتحت عيني واذ بغابة من العيون تحدق بي ... لم اعبأ ، القيت الخيارة على كومة الخيار ، مشيت الى فراشي ، تمددت ، غطيت رأسي ... وبكيت بصمت .
بقيت عدة ساعات تحت البطانية ، لا اريد ان ارى احداً ، لا اريد ان ارى شيئاً ، البكاء اراحني قليلاً ... ولم البث طويلاً حتى نمت ، استيقظت عصراً رفعت البطانية وجلست ، كان امام فراشي مجموعة متنوعة من الاغراض ... " نصف خيارة ، نصف حبة بندورة ، رغيف خبز مدني ، قطعة بقلاوة فاخرة ، بعض انصاف حبات الفاكهة ، ولكن الاهم كان الالبسة ... بيجاما رياضية ، غيار داخلي شتوي من الصوف ، غيار داخلي صيفي ، جوارب صوفية ... ثم شحاطة !".
طوال كل هذه السنوات ومنذ ان اخذوا حذائي بمركز المخابرات لم انتعل بقدمي شيئاً ، وقد تشكلت على كامل قدمي من الاسفل طبقة سميكة من اللحم الميت المتقرن المتشقق ... والان ها هي شحاطة !.
نظرت حولي ، واضح ان حصتي مساوية لحصة أي سجين اخر منهم ، لااكثر ولا اقل .
( هم جميعاً يكرهونني ، هم جميعاً يحتقرونني ، بعضهم يريد قتلي ... كل هذا صحيح ، ولكن في الامور الحياتية ... كانوا عادلين معي ) .
اخذت الاغراض ، رتبتها كوسادة ... اكلت ، ولكن لم اشأ ان اكل نصف الخيارة .
6 حزيران
البارحة كان يوماً حافلاً ، لم استطع النوم الا في ساعة متأخرة واستيقظت كالعادة صباحاً ، فاجأني وجود قطعتين من الخيار " نصفين " الى جانب النصف الخاص بي ، ثلاثة انصاف ... واستنجت ان هناك شخصين قد تنازلا عن حصتهما من الخيار لي !!... ظنا انني احب الخيار !... لم يعرفا ان الخيار برائحته ... لونه ... قد استحضر الحياة بكل ثقلها الى نفس كانت قد نسيت الحياة !.
اثنان منـ "هم" يتعاطفان معي ! ... ولكن لا يجرؤان على اظهار هذا التعاطف !.
داخلي قليل من الراحة والاطمئنان ، نظرت حولي ، هل أستطيع تمييزهما ؟ .
كل الوجوه مغلقة ، كل العيون كابية .
8 اذار
كالعادة أخرجونا اليوم الى الساحة ، أوقفونا أمام مهجعنا ، وهكذا بقية المهاجع ، إذاعة السجن تصدح منذ الصباح بالأغاني التي تمجد رئيس الدولة وتتغنى بحكمته وشجاعته وبطولاته ، اعطوا ورقة مكتوبة الى احد السجناء بها بعض الشعارات والهتافات يصرخ بها ونردد نحن وراءه : سنفدي الرئيس بالروح والدم ، يسقط الاخوان المسلمون عملاء الامبريالية ...
لم يكن السجناء يرون أي غضاضة بالهتاف ضد انفسهم ، او على الاقل لم تبدر منهم اية اشارة او ممانعة تدل على ذلك ، كانوا يهتفون باصوات عالية جداً لا يستشف منها أي شيء من هذا .