هذه المرة رأيت فرحاً حقيقياً على وجوه الناس بخلاصهم من مجهول كانوا يخشون وقوعه في دواخلهم كثيراً ، وخلف هذا الفرح تراكمت طبقة جديدة من حقد اسود تزداد سماكتها بازدياد الالم والذل .
5 حزيران :
قيل قديماً إن الله خلق للانسان فماًً واحداً وأذنين اثنين حتى يسمع أكثر مما يتكلم ، أما أنا فقد كنت طوال هذه السنوات بلا فم وبعشرات الآذان .
كلام ... كلام ... كلام ... بيادر وأهرامات مكدسة من الكلام ، انقل إذناً الى زاوية المهجع البعيدة لأسمع بم يتحدثون ، الاذن الاخرى انقلها الى حائط المورس ، ماذا يرد رسائل من المهاجع ، لا أحرك عيني ، فقط اذني ، الأذن الثالثة تنتقل الى حيث حلقة حفظ القرآن ، " لقد حفظت الكثير جداً من القرآن !"، والأذن الرابعة ... الخامسة .
فمي مقفل ، أحن الى الكلام ، أشتاق الى ان أسمع صوتي أنا ، حتى عندما يجلس يوسف عندي لا أتكلم ، لأنه ببساطة لا يتيح لي المجال حتى اسأله شيئاً ، ما ان يجلس حتى يبدأ الكلام ، احياناً تكون الجمل مترابطة ، احياناً مجرد تخاريف ، لكن لا فواصل ولا توقفات ، وعلى الاغلب ينهض مغادراً وهو يتابع الحديث .
كلام ... كلام ... كلام ... الجميع يتكلم والجميع يسمع ، ولأن الكلام دائماً يكون همساً اأو بصوت خافت فإن مجموع هذه الهمسات يتحول الى شيئٍ لا هو بالأزيز ولا هو بالطنين ، لا بالفحيح ولا بالهسيس ... هو شيء من كل هذا ، يدخل الاذنين ومنه الى الرأس الذي يتحول آخر اليوم الى ما يشبه الطاسة الفارغة ، شيء ما كالطبل ، أنقر على رأسي بأصابعي فأسمع الرنين ، حتى بعد ان ينام الجميع وتسكت الاصوات كلها تبقى هذه الضجة المكتومة تحوم داخل الاذن وتقرع جدران الرأس.
احلم احد احلامي الصغيرة ، وقد صغرت كل احلامي :
- أحلم ... أن اعيش ولو ليوم واحد فقط في زنزانة انفرادية ، في صمت مطبق ، لا ضجيج ، لا نظرات عداء ، لا نظرات احتقار ، وأنام خلاله نوماً عميقاً .
- احلم ... أن أستحم ولو لمرة واحدة فقط في حمام السوق ، محاطاً بالبخار والمياه الساخنة المتدفقة ، والمكيس والمدلك .
- أحلم ... أن اقف على الرصيف امام محل للفلافل ، آكل سندويشة واشرب العيران .
- احلم ... أن اسير في شارع هادىء ظليل ، سيرَ شخصٍ عاطل متبطل ٍ ، لا يقصد مكاناً محدداً ، وغير محدد بزمن معين .
- احلم ... بأمي وهي توقظني صباحاً ، وأنا ارفض دلالاً أن استيقظ مغطياً رأسي باللحاف .
- احلم ... بشخص ... أي شخص ، يقول لي صباح الخير .
كلام ... كلام... كلام... ، منذ عشرة ايام كل الكلام يدور حول موضوع واحد هو الزيارة !.
منذ عشرة ايام قرب اثنان من السجناء في المهجع رأسيهما من الجدارالذي ترد منه الرسائل عادة ، يسمعان النقرات ويبلغانها لأربعة اشخاص خلفهما :
- فاء – ياء " في " ، ا- ل – م – ه – ج – ع " المهجع " ، وهكذا الى ان اكتملت الرسالة – البرقية - :
" في المهجع الواحد والعشرين أحد الاخوة أتته زيارة ، وقد حضر كل اهله !" .