عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 09-05-2011, 09:52 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

القــوقعـة (( يوميات متلصص ))
مصطفى خليفة

جلست وسوزان في كافيتيريا مطار أورلي بباريس ننتظر إقلاع الطائرة التي ستقلني إلى بلدي بعد غياب دام ست سنوات .
حتى ربع الساعة الأخير هذا، لم تيأس سوزان من محاولة إقناعي بالبقاء في فرنسا، أخذت تكرر على مسامعي نفس الحجج التي سمعتها منذ شهور عندما أعلمتها بقراري النهائي بالعودة إلى الوطن والعمل هناك.
أنا ابن عائلة عربية تدين بالمسيحية والمذهب الكاثوليكي. نصف العائلة يعيش في باريس، لذلك كانت الأبواب مفتوحة أمامي للدراسة في هذا البلد، دراستي كانت سهلة وميسرة وخاصة إنني كنت أجيد الفرنسية حتى قبل قدومي إلى باريس، درست الإخراج السينمائي وتفوقت في دراستي. وها أنا أعود بعد تخرجي إلى بلدي ومدينتي.
سوزان أيضا ابنة عائلة عربية، ولكن كل عائلتها كانت قد هاجرت وتعيش في فرنسا، أصبحنا صديقين حميمين في السنتين الأخيرتين من دراستي، وكان يمكن أن نتزوج بمباركة العائلتين لولا إصراري على العودة إلى الوطن، وإصرارها على البقاء في فرنسا.
قلت لها حسماً لآخر نقاش في الموضوع ونحن في المطار:
- سوزان .. أنا أحب بلدي، مدينتي. أحب شوارعها وزواياها.هذه ليست رومانسية فارغة،إنه شعور أصيل، أحفظ العبارات المحفورة على جدران البيوت القديمة في حينا، أعشقها، أحن إليها. هذا أولاً، أما ثانياً فهو أنني أريد أن أكون مخرجاً متميزاً، في رأسي الكثير من المشاريع والخطط، إن طموحي كبير، في فرنسا سوف أبقى غريباً، أعمل كأي لاجيء عندهم، يتفضلون علي ببعض الفتات ... لا... لا أريد. في بلدي أنا صاحب حق… وليس لأحد ميزة التفضل عليّ، بقليلٍ من الجهد أستطيع أن أثبت وجودي، هذا إذا نحّينا جانبا حاجة الوطن لي ولأمثالي.
لذلك قراري بالعودة نهائي، وكل محاولة لإقناعي عكس ذلك عبث.
ران صمت استمر بضع دقائق. سمعنا النداء. آن أوان صعود الطائرة، وقفنا، شربنا ما تبقى في كؤوسنا من بيرة دفعة واحدة، نظرت إليها متأثراً، لمحت مشروع دمعة في عينيها، ألقت بنفسها على صدري، قبلتها سريعاً. " لا أطيق هكذا موقف"
قلت : أتمنى لك السعادة.
- وأنا كذلك، أرجو أن تنتبه، حافظ على نفسك.
وصعدت الطائرة.

( يوميات متلصص ) :

إن التلصص الذي مارسته لم يكن تلصصاً جنسياً - وان لم يخل الأمر من ذلك.
هذه اليوميات كتبت معظمها في السجن الصحراوي، وكلمة ( كتبت ) في الجملة السابقة ليست دقيقة.
ففي السجن الصحراوي لا يوجد أقلام ولا أوراق للكتابة.في هذا السجن الضخم الذي يحتوي على سبع ساحات إضافة إلى الساحة صفر، وعلى سبعة وثلاثين مهجعاً، وعلىالعديد من المهاجع الجديدة غير المرقمة والغرف والزنازين الفرنسية (السيلول ) في الساحة الخامسة، والذي ضم بين جدرانه في لحظة من اللحظات
أكثر من عشرة آلاف سجين، في هذا السجن الذي كان يحتوي على أعلى نسبة لحملة الشهادات الجامعية في هذا البلد، لم ير السجناء - وبعضهم قضى أكثر من عشرين عاماً -أية ورقة أو قلم.
الكتابة الذهنية أسلوب طوّره الإسلاميون. " أحدهم كان يحفظ في ذهنه أكثر من عشرة آلاف اسم، هم السجناء الذين دخلوا السجن الصحراوي، مع أسماء عائلاتهم، مدنهم أو قراهم، تاريخ اعتقالهم، أحكامهم، مصيرهم .....".
عندما قررت كتابة هذه اليوميات كنت قد استطعت بالتدريب تحويل الذهن إلى شريط تسجيل، سجلت عليه كل ما رأيت، وبعض ما سمعت.
والآن أفرغ "بعض" ما احتواه هذا الشريط.
- هل أنا نفس ما كنته قبل ثلاثة عشر عاما ؟! ... نعم ... ولا. نعم صغيرة، ولا كبيرة.
نعم، لأنني أفرغ وأكتب "كتابة حقيقية" بعضاً من هذه اليوميات.
ولا.. لأنني لا أستطيع أن أكتب وأقول كل شيء. هذا يحتاج إلى عملية بوح، وللبوح شروط. الظرف الموضوعي والطرف الآخر.


20 نيسان :

وقفت على سلم الطائرة قليلاً أتملى أبنية المطار. أنظر إلى الأضواء البعيدة، أضواء مدينتي. إنها لحظة رائعة.
نزلت، أخذت حقيبتي وجواز السفر في يدي، إحساس بالارتياح، إحساس من يعود إلى بيته وزواياه المألوفة بعد طول غياب.
طلب مني الموظف الانتظار. قرأ جواز السفر، رجع إلى أوراق عنده، بعدها طلب مني الانتظار، فانتظرت.
اثنان من رجال الأمن استلما جواز السفر وبلطف مبالغ فيه طلبا مني مرافقتهما.
أنا وحقيبتي – التي لم أرها بعد ذلك – ورحلة في سيارة الأمن على طريق المطار الطويل، أرقب الأضواء على جانبي الطريق، أرقب أضواء مدينتي تقترب، ألتفت إلى رجل الأمن الجالس إلى جواري، أساله:
- خير إن شاء الله ؟ .. لماذا هذه الإجراءات ؟!
يصالب سبابته على شفتيه، لا ينطق بأي حرف، يطلب مني السكوت، فأسكت!
رحلة من المطار إلى ذلك المبنى الكئيب وسط العاصمة. رحلة في المكان.
ومنذ تلك اللحظة ولى ثلاثة عشر عاماً قادمة! رحلة في الزمان.
"عرفت فيما بعد أن أحدهم، وكان طالبا معنا في باريس، قد كتب تقريرا رفعه إلى الجهة الأمنية التي يرتبط بها، يقول هذا التقرير إنني قد تفوهت بعبارات معادية للنظام القائم، وإنني تلفظت بعبارات جارحة بحق رئيس الدولة، وهذا الفعل يعتبر من اكبر الجرائم، يعادل فعل الخيانة الوطنية إن لم يكن أقسى.
وهذا جرى قبل ثلاث سنوات على عودتي من باريس".
ذلك التقرير قادني إلى هذا المبنى الذي يتوسط العاصمة – قريباً من بيتنا هذا المبنى الذي أعرفه جيداً، فلطالما مررت من أمامه. كنت حينها مُثاراً بالغموض الذي يلفه، وبالحراسة الشديدة حوله .







 
رد مع اقتباس