بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الوعي:
المحادثات الفلسطينية - (الإسرائيلية):
أيهاالمسلمون في فلسطين: كونوا أهل رباط، ولا تعطوا قيادكم إلا لمن اتخذ الإسلام منهج حياة.
أعلنت الولايات المتحدة في كانون أول/ ديسمبر من العام الماضي عنتخليها عن محاولتها إقناع (إسرائيل) بوقف بناء المستوطنات، واعتبر نتنياهو أنالمحادثات لتمديد تجميد الاستيطان تعثرت بسبب توقف الولايات المتحدة عن المطالبةبذلك وليس بسبب الرفض (الإسرائيلي)، مؤكداً أن المشكلة اليوم ليست في المستوطناتوإنما في عدم استعداد الفلسطينيين الاعتراف بـ(إسرائيل) كدولة يهودية، واقترح قياممحادثات مباشرة ومتواصلة مع عباس حتى انطلاق الدخان الأبيض أي التوصل لاتفاق سلام،وعدم التركيز على تجميد الاستيطان، ورد عليه عريقات بأنه «إعلان فارغ». أما عباسفقد وصف المرحلة بالدقيقة والحساسة، مشدداً على أن الاستيطان سيحول دون قيام الدولةالفلسطينية المستقلة والمترابطة، «وطالب اللجنة الرباعية الدولية والمؤسسات الدوليةالمختلفة، وفي طليعتها مجلس الأمن بصياغة خطة سلام تتفق وقرارات الشرعية الدوليةبدل الاستمرار في عملية أصبحت في الحقيقة إدارة للنزاع لا لحله». وأردف: «إن شاءالله يكون عامنا 2011 في القدس الشرقية عاصمة دولتنا المستقلة، والاحتلال إلى زوال،والدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية آتية لا محالة بإذن الله». وذكر أن شهر سبتمبر/ أيلول سيشهد ثلاثة استحقاقات:
1- إعلان أوباما أنه فيسبتمبر ستكون فلسطين عضواً كامل العضوية في مجلس الأمن.
2- إعلان الولاياتالمتحدة والرباعية الدولية أن المحادثات الفلسطينية – (الإسرائيلية) ستبدأ فيسبتمبر وتنتهي في سبتمبر.
3- خطة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية التي تنفذهاالسلطة الفلسطينية خلال عامين ستنتهي في شهر سبتمبر.
ثم رأينا على أرض الواقعتوالي سلسلة من الاعترافات بدولة فلسطينية غير محددة الأوصاف (فقط مجرد دولة) علىسبيل الإقرار فقط بحل الدولتين. ثم سمعنا أن جورج ميتشل المبعوث الأميركي الخاصللمنطقة سيزور المنطقة في محاولة أخرى من الإدارة الأميركية لإيجاد مخرج من الجمود،وكذلك سمعنا أن المحادثات الفلسطينية – (الإسرائيلية) كانت تتم بتنسيق مع لجنةالمتابعة العربية المنبثقة من القمة العربية، وذكر أثناء المحادثات عن عملية تبادلأراضٍ...
هذه سلسلة من التصريحات والمواقف التي تتناول آخر ما استجد من مؤامرةحل قضية فلسطين على الطريقة الأميركية – (الإسرائيلية)، والتي يبدو فيها عباس خيالصحراء لا حول له ولا طول ولا ظل. وإننا مما عودَنا عليه الأميركيون والأوروبيونواليهود وحكام العرب، أنه لا تجري مفاوضات ولا تؤخذ قرارات إلا لمصلحة الغربواليهود وضد مصلحة المسلمين، وأن قضية فلسطين تؤكل لقمة لقمة بمثل هذه المفاوضاتبحيث لن يبقى منها شيء، وأن رائحة ما يخفى تحت الطاولة هو الغالب على رائحة ما يظهرعلى سطحها.
فسلام مع استيطان فهذا لا يركب مع بعضه، فالاستيطان هو مزيد منالاحتلال والسلام هو لإزالة الاحتلال، فكيف يستطيع المرء أن يجمع بين هذهالمتنافرين... ثم إن الولايات المتحدة التي أعلنت إيقاف الضغط على (إسرائيل) بشأنالاستيطان، ورد نتنياهو أنه كان ينوي تمديد التجميد ولكن الولايات المتحدة هي التيأوقفته، فهذا أيضاً لا يركب مع بعضه... ثم إن الولايات المتحدة التي أعلنت فشلها فيالضغط على (إسرائيل) أعلنت أنها تريد أن تستمر بالمفاوضات من جديد، فالعاجز لايستطيع أن يأتي بجديد... ثم إن عباس أعلن أن لا مفاوضات مع (إسرائيل) حتى توقفالاستيطان. وتوقفت المفاوضات ولم يتوقف الاستيطان ومع هذا نراه متفائلاً حيث يقولعن عام 2011م هو عام دولة فلسطين المستقلة والمتواصلة بعاصمتها القدس الشرقية وأنالاحتلال إلى زوال.
ولتركيب هذا المشهد الذي يبدو متنافراً، وبشكل يتماشى معالمصالح الأميركية – (الإسرائيلية) يمكننا القول إن خطة السلام مازالت مستمرة (بدليل نية ميتشل استئناف المفاوضات) وأن استمرار الاستيطان وبوتيرة متسارعة جداًوكأنها في سباق مع الوقت فهو لإيجاد واقع لا يمكن التغاضي عنه، وهو أن الدولةالفلسطينية المرتقبة المزعومة لن يمكن أن تكون دولة مستقلة ومتواصلة، بل عبارة عنجزر منعزلة أي تقطع أوصالها المستوطنات. وهنا يوضع فريق السلطة الفلسطينية المفاوضبين خيارين: إما القبول بهذا الواقع أو الاعتراف بيهودية دولة (إسرائيل) وما يترتبعليه من مبادلة أراضٍ (وقد يكون مبادلة سكان) وبهذا يضمن يهود عبر هذا الاتفاق أنتكون دولتهم المقبلة معترفاً بها إسلامياً وعربياً وقبل كل شيء فلسطينياً بأنهادولة خالصة ليهود. ويكفي أن تحصل (إسرائيل) على الاعتراف بهذا البند فقط ولو لميحصل السلام الذي لا يبدو أنه قريب. ويبدو أن مناورة الاستيطان ووقف الاستيطانوتجميد الاستيطان هي لتحقيق هذا المكسب، وهم إن لم يستطيعوا أن يحققوه بهذهالمحادثات ففي رأسهم أن يحققوه ولو بعد عدة محادثات سلام... لذلك فإن هذه المفاوضاتلا تحمل جدية سلام بقدر ما تحمل جدية تنازل، وفي هذه النقطة بالذات.
أما اعترافالدول بدولة فلسطين والسماح للسلطة بفتح سفارات في هذه الدول فلا يعني إلا أنهاعتراف بقيام دولتين، أي وضع (إسرائيل) أمام أمر واقع وهو الاعتراف بقيام دولةفلسطينية. أما كيف تكون هذه الدولة، وما حدودها و.. فهذا كله متروك لما توصل إليهالاتفاقات الثنائية بين الجانبين الفلسطيني و(الإسرائيلي) فهو خطوة مكملة لعمليةالسلام وليست بديلاً عن المفاوضات... هذا ما يقرب الصورة عن تفاؤل عباس في هذاالظرف الحساس كما يقول عباس الذي يصدق أن السلام آتٍ عبر هذه المفاوضات.
ومنالمضحك المبكي في آن واحد القول إن إصرار عباس أنه لن يعود إلى المفاوضات قبلالإقرار بإيقاف الاستيطان من جانب يهود يدل على صلابة في الموقف، وأنه موقف بطوليوصادق في وجه كل الضغوط، وأنه موقف يعزل ويحاصر الموقف (الإسرائيلي) المتعنت... والحقيقة إن هذا الموقف هو الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، فإذا تخلى عنه عباستخلى عن كل شيء، فموضوع الاعتراف بيهودية دولة (إسرائيل) يترتب عليه من التنازلاتالتي لا يهضمها مسلم واحد في فلسطين، والذي لا تقبل (إسرائيل) صلحاً بدونه، والذيتقف إدارة أوباما والأوروبيون إلى جانبه، والذي ليس من المتوقع أن يكون موقف حكامالعرب ورجال السلطة إلا الإذعان له لأنهم تابعون... هذا الموضوع يستحق أن تقف فيمقابله معضلة كبرى لتتم المساومة بينهما، فيكون الحل بإقامة دولة فلسطينية مستقلةومترابطة (كما يقول عباس) في مقابل الاعتراف بيهودية دولة (إسرائيل).
على كل نحنلسنا في صدد تحليل سياسي متكامل، وإنما في صدد بيان أنه لن ينشأ صلح مع يهود مهماكان ما سيتفق عليه بعيداً عن العيون، وبيان أن لا لقاء مع يهود إلا على أرض الجهادحتى تستأصل شأفتهم ويرتاح المسلمون وبالتالي البشرية من شرورهم، وبيان أنه لن يقومبذلك إلا دولة الخلافة القادمة قريباً إن شاء الله تعالى، فالكل يعرف الآن أن حلقضية فلسطين هي أكبر من الفلسطينيين، بل من العرب، فهي قضية إسلامية تهم كل مسلم،باكستانياً كان أو إندونيسياً أو تركياً... وتقزيمها كان بهدف أن تصل الأمور إلى ماوصلت إليه من تقزيم ومن عجز عن التحرير. بل أكثر من ذلك، فإن كل قضية من قضايا بلادالمسلمين هي قضية كل المسلمين، والجهة الجامعة التي تجمع كل المسلمين لحل قضاياهم،كل قضاياهم، إنما هي دولة الخلافة التي أصبحت اليوم مهوى نفوس كل المسلمين وآمالهملتخلصهم من كل ذل وترتقي بهم إلى قيادة العالم خير قيادة، والتي أصبحت نقطة توجسوخوف بل هلع الغرب واليهود وحكام العرب، إذ كلهم في العداء لها سواء.
وإننانتوجه إلى إخوتنا وأحبتنا المسلمين في فلسطين لنقول لهم إن الله سبحانه شاء أنيكونوا في بقعة مباركة وأهل رباط، وإننا نحثهم على أن يعلنوا رفضهم الصريح لكلأشكال المفاوضات التي تعتبر أنها تجري بين طرف واحد، إذ الكل تابع لبعضه البعض ولايمثل المسلمين من أهل فلسطين أحدٌ... إننا نتوجه إليهم بالقول: هل يعقل، وهل يقبلفي ميزان الشرع أن يبحث في السلام مع يهود؟ وهم الذين يحتلون أرضاً للمسلمينويعادونهم في دينهم قبل كل شيء؟ وهل يجوز السكوت عنهم وهم الذين يبنون المستوطناتويقتلون المسلمين رجالاً ونساءً وشيوخاً وشباناً وأطفالاً، ويعتقلون ويعذبون،ويهدمون المنازل ويجبرون أهلها على هدمها بأيديهم، ويستولون عليها ويطردون أصحابهاالشرعيين بحكم من المحكمة وبمساعدة وحماية من قوات الاحتلال... وغيره مما لا يتسعالمجال لذكره... وهي على مزيد من مثل هذه التصرفات؟... هل يجوز السكوت عن هؤلاء أميجب استئصال شأفتهم؟
إننا، وإجلالاً لمسلمي فلسطين، الذين يعتبرون دولياً أنهمهم أهل البيت، نتوجه إليهم، ويطمعنا في التوجه إليهم صفات لم تتوفر في غيرهم،ولعلها بركة الله لأهل هذه البقعة المباركة، فهم، ورغم كل المجازر التي ارتكبت وماتزال مستمرة، أقل الناس هجرة، ومرد ذلك تمسكهم بالأرض التي باركها الله سبحانهوتعالى، وهم، رغم كل المجازر وصعوبة العيش، أكثر الناس زيادة في الولادات، وهمبالرغم من كل التضييق عليهم في الرزق وإشاعة القتل فيهم لا يسألون إخوتهم المسلمينمالاً ولا غذاءً وإنما سلاحاً وكرامةً واعتزازاً بالدين... نتوجه إلى هؤلاءليعلنوها إسلامية من أولها إلى آخرها، ليعلنوا أن الإسلام هو موجههم الأول وأهدافهأهدافهم، وأعداؤه أعداؤهم... وأن لا يعطوا قيادهم إلا لمن اتخذ الإسلام منهج حياةوإلا جعلوا لله عليهم سبيلاً... وأن يرفضوا فكرة تمثيلهم من هؤلاء العملاء الذينأزكمت الأنوف رائحة إجرامهم وفسادهم وخياناتهم وعمالاتهم.
إن المطلوب منالمسلمين في فلسطين أن يضعوا لأنفسهم عناوين إسلامية تعبر عن ثبات تمسكهم بالإسلاموحده، وتحاسب حتى من يقول إنه يريد أن يحرر فلسطين ويظهر على المسلمين بواجهةإسلامية؛ فلا أحد أعلى من المحاسبة، وكل المسلمين يجب أن لا يحيدوا قيد شعرة عن أمرالله سبحانه. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِيلِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) [الأنعام].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
منقول عن : مجلة الوعي، العدد 289 ، السنة الخامسة والعشرون ،صفر 1432هـ ، كانونثاني/يناير 2011م