اقضوا على تحالف السلطة والمال
تجربة العرب خلال العقدين الماضيين أنتجت تحالفا مشبوها بين السلطة والمال، جاءت نتيجته السوداء على حساب مستقبل الملايين ولقمة عيشهم.
وكذبت حكومات كثيرة بقولها إن تحرير التجارة وفتح الاستيراد وبيع مؤسسات وشركات القطاع العام، يهدف في المحصلة الى تحسين حياة المواطنين العرب في بلدانهم وهو ما لم يحدث، بل جاءت النتائج على النقيض ومخيبة للآمال.
هذا التحالف بين السلطة والمال أو ما يمكن تسميته المزج بين الامارة والتجارة، يتلون في الخفاء وتمارس فيه أبشع أشكال اللصوصية، وفي الحالتين التونسية والمصرية وربما في دول عربية اخرى، ثمة تحالف خطير يقوم على تقديم السلطة بوصفها حقا لأحدهم، ويقوم هذا الاخير بدوره بتمهيد خلطة للحكم والاستثمار والخصخصة وصفقات الفساد، فعائلة الطرابلسي في تونس واحمد عز في مصر وهكذا.
وليس غريبا ان يحمل البليونير أحمد عز لقب "عدو المستهلكين رقم واحد في مصر" كما جاء على لسان حركة "مواطنون ضد الغلاء" المصرية، وهو الذي هيمن على أكبر شركة حديد في مصر وهي شركة الاسكندرية الوطنية للحديد والصلب في العام 1999 ليتحول اسمها بعد ذلك إلى شركة (بل شركات) العز للحديد والصلب، حتى أصبحت شركاته اكبر منتج للحديد في العالم العربي وتأتي قبل شركة سابك السعودية.
تلك الهيمنة وهذا الاستحواذ تم في وضح النهار وعلى طبق السلطة، وعز هذا صديق لجمال مبارك واستقال منذ أيام من منصب امين تنظيم الحزب الوطني الحاكم ويملك ثروة تفوق 10 بلايين دولار.
وتؤكد مراكز حقوقية مستقلة أن عز كان لاعبا اساسيا في تزوير الانتخابات المصرية الاخيرة بهدف تعبيد الطريق امام صديقه جمال للتوريث، لولا أن الشعب المصري الحر قال كلمته في الوقت المناسب، قبل ان يأخذ هذا التحالف طريقه نحو استعباد المصريين لعقود جديدة.
واستعير من المؤرخ والكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل تشبيها كتبه في الاسبوع الماضي عقب اندلاع ثورة الشباب المصري تحت عنوان "سقوط خرافة الاستقرار"، وفيه شبّه هيكل ما كان يجري في مصر قبل اندلاع تلك الثورة بقصة نجيب محفوظ، اذ ان "سي السيد" ترك المحل لابنه واصحابه وذهب الى ملذاته وعاد بعد حين وقد باع ابنه المحل وقد تكبد الديون بعد أن عاث الولد وأصحابه في الأرض فسادا، إنها مقاربة حقيقية وللاسف فهي تنتشر في دول عربية، والسبب المباشر لانتشارها استباحة اصحاب هذا التحالف للدولة شكلا ومضمونا في ظل غياب الرقابة او المساءلة، والتصرف بخبز وحليب الاطفال على نحو عبثي لتكديس الثروات في البنوك الاجنبية.
خلاصة القول، إن هذا التفويض المفتوح للتحكم بمصائر الشعوب عبر اشكال التحالف المشبوهة، كان سببا في خروج الملايين العربية الى الشوارع وقول "لا" كبيرة لكل من ظلم وتجبر وخلط بين الامارة والسياسة وجعل الأوطان مرتعا للفساد والخراب والمستقبل المجهول.
كشف حساب المسؤول أهم من الحديث عن سيرته الذاتية في الدول المتقدمة أو التي تعتمد النزاهة وسيلة وغاية، ولا يقوى المسؤول على الجمع بين السلطة والمال، لأن ثمة من يحاسبه ويقول له قف، وأبعد من ذلك لا يقبل هؤلاء المسؤولون الهدايا والمغريات المالية، إلا بما يسمح به القانون وهو ضئيل ومحدود، أما استباحة السلطة والمال وتكبير الحكومات برجال اعمال جدد، فتلك ظاهرة عربية نتيجتها انتهت الى حالة رفض غير مسبوقة في التاريخ العربي عنوانها شوارع مدننا وقرانا.
فتش في كل عاصمة ومدينة عربية ستجد العشرات ممن ينضوون تحت قائمة عز، التي يغيب عنها حتما العز والكرامة، فهم أعداء الشعوب اينما كانوا، وأول الهاربين عندما تشتد الخطوب.