عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 06-05-2006, 03:38 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
معاذ محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو






معاذ محمد غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى معاذ محمد

افتراضي

وعلى ما تقدم من الأمثلة التي ذكرناها في هذا الباب من اختلاف العلماء من لدن أصحاب رسول الله  إلى يومنا هذا في روايات الآحاد ولو كانت صحيحة ليدل دلالة قاطعة على أن خبر الآحاد لا يفيد القطع واليقين وإلا لما ساغ لهم مخالفته أو رده ولأنكر بعضهم ذلك على بعض إنكاراً شديداً كإنكارهم على مخالف القطعي والمتواتر، ولما لم يكن ذلك، علم يقيناً أنه لا يُفيد إلا الظن. بل وأكثر من ذلك فقد وجدتهم متفقين على عدم تكفير منكر الآحاد بخلاف المتواتر على ما ذكره عنهم السرخسي والجرجاني وصاحب فواتح الرحموت كما سيأتي بيانه، بل منهم من لم يفسق منكر الآحاد كالقاضي أبي يعلى إلا إذا انعقد الإجماع عليه .

الوجه الرابع:-

لا يجوز الاختلاف في العقائد الثابتة عند المسلمين
هذه مسألة تكاد تكون من البديهيات عند علماء المسلمين والأدلة عليها طافحة وقطعية على نحو قوله تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسوله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً مهينا}.
وقال أيضاً {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون}.
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال: "الجدال في القرآن كفر" وفي رواية ثانية صحيحة أيضاً "المراء في القرآن كفر".

قال الإمام أبو عمر بن عبد البر رحمه الله والمعنى أن يتمارى اثنان في آية يجحدها أحدهما ويدفعها أو يصير إلى الشك فذلك هو المراء الذي هو الكفر، وأما التنازع في أحكام القرآن ومعانيه فقد تنازع أصحاب رسول الله  في كثير من ذلك، وهذا يبين لك أن المراء الذي هو الكفر هو الجحود والشك كما قال الله تعالى {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه} وقال: ونهى السلف رحمهم الله عن الجدال في الله جل ثناؤه في صفاته وأسمائه، وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر لأنه علم يحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك وليس الاعتقادات كذلك" .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: التفرق المنهي عنه يحتمل ثلاثة أوجه وذكر الوجه الأول: التفرق في العقائد لقوله تعالى {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} .
أما أخبار الآحاد: فلا يجري عليها هذا الحكم أي ما يجري على العقائد، وما زعموه أنها من العقائد أو تأخذ حكمها فزعم باطل ومردود لعدة أسباب:

الأول: لا دليل على أن أخبار الآحاد من العقائد لا من القرآن ولا من السنة ولا من إجماع الصحابة بل قد أثبتت الأدلة آنفاً عكس ذلك.

السبب الثاني: إنكار بعض الصحابة ومن جاء بعدهم من العلماء لكثير من أخبار الآحاد، واختلافهم أيضاً في ثبوتها كما أسلفناه لك في الباب المتقدم، فلو كان كما يقولون لما جاز لأحد أن يختلف أو يجادل فيها، ولخطأنا الصحابة الذين نقلوا لنا الدين، ولوقع الخطأ عليه من جراء ذلك، وهذا محال ترده الأدلة القطعية.

السبب الثالث: أنه لو كانت أخبار الآحاد من العقائد أو أدلة على العقائد لتضاربت العقائد الإسلامية وأدى ذلك إلى الفرقة المذمومة في الدين، فهناك أخبار آحاد صحيحة تصطدم مع آيات قرآنية أو تتضارب معها، على نحو الحديث الذي رواه الإمام مسلم "ان الله تعالى خلق التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" .
فهذا الحديث تضمن أن مدة التخليق سبعة أيام وهذا يتعارض مع القرآن في قوله تعالى {الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام}.
وعلى نحو حديث الغرانيق العُلى: فقد روى غير واحد من الأئمة والحفاظ بأكثر من طريق وبأكثر من رواية بعدة ألفاظ صححها غير واحد وردها غير واحد، جاء فيها: أن رسول الله  كان بمكة فقرأ سورة "والنجم" حتى انتهى الى قوله تعالى {ومناة الثالثة الأُخرى} فجرى على لسانه: تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى، فقال كفار مكة: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، ثم جاء جبريل عليه السلام بعد ذلك فقال: اعرض علي ما جئتك به، فلما بلغ "تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى" قال جبريل: لم آتك بهذا هذا من الشيطان، فأنزل الله عز وجل {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته} .
فهذه الرواية وما شاكلها تتعارض مع قوله تعالى {وما ينطق عن الهوى} فتتعارض مع عصمته  في التبليغ.
وعلى نحو الحديث الذي رواه الإمام مسلم وغيره "أن أبوي رسول الله  في النار" . فإنه يتعارض مع قوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}.
وعلى نحو الأحاديث الصحيحة التي تخبر ان رسول الله  قد سحر على يد يهودي .
فإنها تتعارض مع قوله تعالى {والله يعصمك من الناس} وتتعارض مع العصمة في التبليغ لان المسحور لا يعي ما يقول ولا ما يفعل.
وعلى نحو ما رواه الإمام مسلم وغيره عن فاطمة بنت قيس في حكاية السكنى والنفقة للمبتوتة فقالت: "إن رسول الله  لم يجعل لها سكنى ولا نفقة" وهذا يتعارض مع قوله تعالى {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}.

وعلى ما تقدم ذكره من الأحاديث التي تتعارض مع القرآن الكريم لا يصح أن يقال بأن أخبار الآحاد تفيد اليقين والاعتقاد، وإلا لتضاربت وتناقضت العقائد الإسلامية وهو مدعاة لوجود الفرقة في الدين وهذا مذموم شرعاً بلا خلاف.

والمذهب الصحيح أن الآحاد إذا تعارضت مع القرآن ترد لأنها أخبار ظنية والقرآن قطعي ولا يقاوم الظني القطعي إذا ما أمكن الجمع بينهما.

أما تعارض أخبار الآحاد مع بعضها أو مع المتواتر من السنة فهي كثيرة أيضاً مما يدل على أن أخبار الآحاد ليست يقينية ولا عقدية ولا تصلح للعقيدة وإلا لتضاربت العقائد الإسلامية.
فمن هذه الأخبار ما رواه الإمام أحمد في المسند عن عائشة رضي الله عنها: أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئاً من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر قالت: فدخل رسول الله  عليّ فقلت: يا رسول الله هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة قال: لا، وعم ذاك، قالت: هذه اليهودية لا نصنع إليها من المعروف شيئاً إلا قالت وقاك الله عذاب القبر، قال: كذبت يهود وهم على الله عز وجل أكذب لا عذاب دون يوم القيامة، قالت ثم مكث بعد ذاك ما شاء الله أن يمكث فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملاً بثوبه محمرة عيناه وهو ينادي بأعلى صوته، أيها الناس أظلتكم الفتن كقطع الليل المظلم أيها الناس لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً وضحكتم قليلاً أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري .
فهذا حديث آحاد بإسناد صحيح، مرة ينفي عذاب القبر ومرة يثبته، فلو كان يفيد العلم والاعتقاد كما يزعمون لكان معناه أن نؤمن بالضدين معاً في نفس المسألة وهذا محال عقلاً وشرعاً.
فإن قيل بأن المعنى الأول قد نسخ بالثاني فلا تعارض.

الجواب عليه: إن هذا من الأخبار لا من الاحكام، فلا يقع فيها النسخ لأنه إن وقع فمعناه أن أحد الخبرين كذب وهذا محال يخالف عصمته  في التبليغ.
قال الزركشي في البحر: والثاني… وهي المسألة الملقبة بنسخ الأخبار بين الأصوليين، فننظر فإن كان مما لا يمكن تغييره بأن لا يقع إلا على وجه واحد، كصفات الله وخبر ما كان من الأنبياء والأمم وما يكون من الساعة وآياتها كخروج الدجال، فلا يجوز نسخه بالإتفاق كما قاله أبو اسحق المروزي وابن برهان لأنه يفضي إلى الكذب .

ومن أخبار الآحاد المتضاربة أيضاً ما رواه الإمام مسلم عن جابر وابن عمر في حجة الوداع أن النبي  توجه إلى مكة يوم النحر فطاف طواف الإفاضة ثم صلى الظهر بمكة ثم رجع إلى منى.
وفي رواية أخرى من طريقه أيضاً "أنه  طاف طواف الإفاضة ثم رجع فصلى الظهر بمنى" .

قال ابن حزم: إحدى هاتين الروايتين كذب بلا شك .
وإنما قال ابن حزم هذا الكلام لأنه يقول بأن خبر الآحاد يفيد العلم وعلى قوله فإن الروايتين تفيد العلم واليقين ومعناه الإيمان بالنقيضين، ولكي يخرج من ذلك كذّب إحدى الروايتين ولكن من غير دليل.

ومنها أيضاً: ما رواه البخاري ومسلم من حديث الإسراء "وانه كان قبل أن يوحى إليه  " .
ومما لا يخفى على أحد أو لا يجوز أن يخفى عليه من أن حادثة الإسراء إنما كانت بعد البعثة وقبل الهجرة بعام واحد فيكون هذا الحديث قد تعارض مع القطعي المتواتر في ذلك فمن يعتقده يكون قد جمع بين النقيضين وهذه عقيدة الجاهلين.







التوقيع

 
رد مع اقتباس