عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 17-11-2010, 01:31 AM   رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

والخلاصة لهذا كله كذلك أن أسلوب التفكير الإسلامي القائم على الغايات الخلقية للأعمال , لا يستطيع الإلتقاء بأسلوب التفكير الغربي الحاضر القائم على الغايات النفعية للأخلاق ؛ وهذا ما يجب علينا أن نحسب حسابه , ونحن نعمل لتحقيق حياة إسلامية سليمة , فلا نحاول ترقيع هذه الحياة باستعارات نستوردها من الخارج , لأن هذه الرقع لن تستقيم مع نسيج تفكيرنا الأصيل .
والذين يريدون من أصحابنا الدعوة إلى الإسلام أن يستعيروا مناهج الفكر الغربية يسلمون بالهزيمة منذ الجولة الأولى حين يحاولون تجديد حياتهم باستعارة الطرق الغربية في التفكير والحياة والسلوك ؛ وينتهون إلى وأد الحياة التي يعملون لإحيائها , لأنهم منذ الخطوة الأولى يعدلون عن طريقها الطبيعي الوحيد , وهو أن يفكروا على أسس إسلامية تجعل العنصر الأخلاقي أصيلاً في بناء الحياة ؛ وتنظر للغايات الخلقية للعمل , ولا تجعل المنفعة هي الغاية العليا للأخلاق . ولقد رأينا في الفصول الأولى من هذا الكتاب , أن الإسلام يحقق غايات الحياة الصالحة كلها , وهو يحافظ على العنصر الأخلاقي فيها ؛ وأن قيمته الحركية الكبرى كامنة في أنه لا يجزئ الحياة ؛ ولا يفصل بين الوسائل والغايات ؛ ولا يفترض التعارض بين المادي والروحي في كيان الحياة وفي طبيعة الكون والناس , بل يفترض أن الحياة وحدة كلية تسير بجملتها نحو هذه الأهداف في توافق واتساق .
يقدم الإسلام إذن للبشرية فكرة كاملة عن الحياة .. هذه الفكرة قابلة دائماً للنمو في التفريع والتطبيق ؛ ولكنها غير قابلة للتعديل أو المزج في الأصل والاتجاه .
ويجب لكي تؤتي هذه الفكرة الكاملة نتائجها الطبيعية كاملة , أن تطبق تطبيقاً كاملاً , و إلا فإن أقل تعديل في أساسها واتجاهها يحدث فيها اختلالاً , لا تتحقق معه صورة الحياة التي يرسمها الإسلام .
أما النمو الدائم في التفريع والتطبيق على أساس الفكرة الكلية فهو أمر طبيعي تقره طبيعة الإسلام , وتدعو إليه و وتهيئ له وسائله , وتعترف بها . فالاجتهاد المفتوح دائماً والسلطات الواسعة المتروكة للإمام الذي يحكم بشريعة الله ... كل هذه وسائل حية لاستمرار النمو والتفريع والتطبيق لمسايرة حركة الحياة , وتلبية حاجاتها المتجددة ... أمر واحد هو الذي يجب التزامه : ألا تخرج هذه التفريعات والتطبيقات على الأصول الأساسية للإسلام ؛ وألا تسلك اتجاهاً غير اتجاهه ؛ أو تحتال على روح الإسلام وتتلبس بروح أخرى غير روحه القوية المستقيمة .
وعندما يقوم المجتمع المسلم بالفعل فسيكون المجال مفتوحاً للاجتهاد ولتطبيق شرائع هذا الدين على هذا المجتمع . وسيكون مدار قبولنا لأي تفريع أو رده , أن نعرضه على فكرة الإسلام الأساسية و روحه العامة , فما وافق فكرته و روحه قبلناه , وما خالفها رفضناه , وعلى أن يكون مقرراً في نفوسنا إلى درجة الإيمان والحماسة : أننا نملك تصوراً عن الحياة أكبر مما يملك أتباع أي دين أو فلسفة أو حضارة , لأنه من صنع الله خالق الحياة .
ولكن هذا كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل الوسائل العملية لبلوغ هذه الهدف العظيم . فعلى بركة الله إذن نأخذ هذا التفصيل .
* * *
إن استئناف حياة إسلامية لا يتم بمجرد وضع تشريعات وقوانين ونظم مستمدة من الشريعة الإسلامية ؛ فهذا ركن واحد من ركنين يعتمد عليهما الإسلام دائماً في إقامة الحياة , وهو الركن الثاني لا الأول . أما الركن الأول , فهو العقيدة الصحيحة التي تفرد الله سبحانه بالألوهية ومن ثم تفرد بالحاكمية . وتنكر على غير الله أن يدعي حقَّ الألوهية , بادّعاء حق الحاكمية ومزاولته فعلاً !
أما العدالة الاجتماعية فهي جزء من تلك الحياة الإسلامية لا يتحقق كاملاً إلا بتحقق تلك الحياة , ولا يكفل له البقاء إلا بإقامتها على أسسها الوطيدة , شأنها في ذلك شأن كل نظام آخر , لا بد أن يعتمد على الإيمان به والثقه بصلاحيته ؛ و إلا فقد أسسه المعنوية , وقام على القهر التشريعي والنظامي وحده ؛ وهو قهر عمره مرهون بالقدرة على التملص منه . لذلك كان التشريع الإسلامي أدنى إلى الإتباع والطاعة لأنه يعتمد على عقيدة دينية . ولذلك أيضاً يجب أن تكون نقطة البدء هي استحياء العقيدة , ونفي ما علق بها من تحريفات وتأويلات وشبهات , لتكون سنداً للنظام التشريعي الذي نشير به لتحقيق حياة إسلامية صحيحة . وبذلك تقوم هذه الحياة ـ حين تقوم ـ على التشريع والتوجيه , وسيلتي الإسلام الأساسيتين في تحقيق أهدافه جميعاً .
يجب إذن أن نعيد بناء العقيدة الإسلامية على الأسس التي بيناها في مطلع هذا الفصل في نفوس الأفراد والجماعات قبل أن نفكر في موضوع التشريع الإسلامي الذي ينظم الحياة .
ولكن كيف يتسنى لنا أن نكوّن عقيدة إسلامية بثقافة , ووسائل تربية , وطرق تفكير , هي في صميمها غربية , وهي في صميمها معادية للفكرة الإسلامية .
أولاً : لأنها تقوم على أساس مادي مناهض لفكرة الإسلام عن الحياة .
ثانياً : لأن محاربة الإسلام جزء أصيل في تكوينها ؛ سواء ظهر هذا القصد واضحاً أو توارى في الثنايا والشعاب ؟
إننا كما قلت : نعلن هزيمتنا منذ الجولة الأولى إذا نحن اتخذنا الفكرة الغربية وسيلتنا إحياء الفكرة الإسلامية . فلا بد أولاً من التخلص من طريقة التفكير الغربية ؛ ولا بد من اتخاذ طريقة تفكير إسلامية ذاتية ؛ لنضمن أن يجيء النتاج خالصاً غير هجين !
إن مدلول "الحاكمية" في التصور الإسلامي لا ينحصر في قضية تلقي شريعة الحكم والتحاكم إليها . ومن ثم لا تتمثل العبودية لله وحده في مجرد تلقي الشريعة منه وحده , والتحاكم إلى هذه الشريعة وحدها .. متى قصرنا الشريعة على معنى أصول الحكم وقوانينه .. فإن هذا بدوره لا يمثل مدلول "الشريعة" في التصور الإسلامي !
إن شريعة الله تعني كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية .. وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد وأصول الحكم ؛ وأصول السلوك , وأصول المعرفة .. يتمثل في العقيدة والتصور .. وكل مقدمات هذا التصور .. ويتمثل في الأحكام التشريعية . ويتمثل في قواعد الأخلاق والسلوك . ويتمثل في القيم والموازين التي تسود المجتمع , وتقوّم بها الأشخاص والأشياء والأحداث .. ثم يتمثل في المعرفة بكل جوانبها وفي أصول النشاط الفكري والفني جملة .. وفي هذا كله لا بد من التلقي عن الله ؛ كالتلقي في الأحكام التشريعية سواء بسواء .. والأمر في الحاكمية ـ في جانبها المختص بالحكم والقانون ـ قد يكون الآن مفهوماً بعد الذي سقناه بشأنه من تقريرات . والأمر في قواعد الأخلاق والسلوك قد يكون مفهوماً أن يرجع فيها إلى أصول التصور الإسلامي جملة , وإلى ما ورد عنها في كتاب الله وسنة رسوله مفصلاً . والأمر في القيم والموازين التي تسود المجتمع , ويقوّم بها الأشخاص والأشياء والأحداث , قد يكون كذلك مفهوماً إلى حد ما . إذ أن القيم السائدة في مجتمع ما , ترجع مباشرة إلى التصور السائد فيه للوجود , وللعلاقات القائمة بين الوجود وخالقه , والعلاقات القائمة بين أطراف هذا الوجود ؛ وإلى الأهداف والغايات التي يقرر ذلك التصور أنها أهداف هذا المجتمع , أو أنها الغاية من الوجود الإنساني جملة ..
وعلى سبيل المثال .. فإن غاية الوجود الإنساني في التصور الإسلامي هي عبادة الله ـ أي العبودية له وحده والتحرر من عبادة العباد ـ ووظيفته هي الخلافة في الأرض عن الله , واستغلال طاقاتها ومدخراتها وأقواتها , والتركيب فيها والتحليل , وتنمية الحياة وترقيتها بالإبداع المادي , في ظل منهج الله وفي حدوده ؛ ليرتفع الإنسان في الحياة المادية إلى الاستمتاع بزينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ؛ وليرتفع في حياته الروحية المنطلقة من الضغوط المادية . ومقياس التفاضل في الحياة في التصور الإسلامي هو التقوى :"..إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
.." (الحجرات13) وعلى أساس التقوى تقوم كل الأخلاق الإسلامية وكل قواعد السلوك .
فالتقوى تنشأ عن تمثل ألوهية الله وعبودية الإنسان . وتنشئ المشاعر التي تقوم عليها بناء الأخلاق كله ... وقد تحدثنا من قبل عن هذه المقدمات . ولكننا نذكرها لندل على أن للإسلام قيمه الخاصة . وهي تُتلقى من ذات المصدر الذي تُتلقى منه العقيدة , ولا تتلقى من مصدر آخر لأنها من مقتضى العبودية لألوهية الله وحده .. وهي بعض معاني "شريعة الله" في مدلولها الحقيقي , الذي لا ينحصر في المدلول المتداول لكلمة الشريعة .
ومن ثم فإن أصول الاعتقاد والتصور , وأصول الأخلاق والسلوك , وأصول القيم والموازين التي تسود حياة المجتمع ـ بجملتها ـ لا يتلقاها المسلم من أي مصدر آخر إلا المصدر الرباني .. والأمر في هذا التلقي هو أمر العقيدة . فالتلقي من غير الله فيها مناف لأصل الاعتراف بالعبودية الشاملة للألوهية المتفردة .. شأنه شأن التلقي في الشرائع القانونية , الذي أسلفنا حكم الله فيه .
ليست هناك أخلاق زراعية , وأخلاق صناعية ؛ وليست هناك قيم خاصة بالمجتمع الزراعي , وقيم خاصة بالمجتمع الصناعي .. ليست هناك أخلاق للمجتمع البرجوازي , وأخلاق لمجتمع الصعاليك (البروليتاريا) . وليست هناك قيم للمجتمع البرجوازي وقيم لمجتمع الصعاليك ... ليست هناك أخلاق رأسمالية وأخلاق اشتراكية . ولا قيم رأسمالية وقيم اشتراكية ... إنما هنالك فقط أخلاق إسلامية وأخلاق جاهلية . وقيم إسلامية وقيم جاهلية .. هنالك قيم وأخلاق تنبثق من تصور : أن هناك ألوهية واحدة , وعبودية شاملة لكل شيء وكل حي .. وأخلاق وقيم تنبثق من تعدد الأرباب ـ في شتى صور الربوبية ـ وتمزق الضمير البشري وتمزق الحياة البشرية بين الأرباب المتفرقة ! .. هنالك أخلاق وقيم تنبثق من التصور الإسلامي للوجود , ولعلاقته بخالقه , ولمركز الإنسان في الوجود , ولغاية وجوده ووظيفته , ونوع ارتباطاته وعلاقاته بالكون المادي وبالأحياء وببني جنسه كذلك , وعلاقة هؤلاء جميعاً بالله . وأخلاق وقيم تنبثق من التصورات الجاهلية في شتى أشكالها وصورها .. والتصورات الجاهلية هي كل ما عدا التصور الإسلامي .. وهي السبل المتفرقة التي لا تلتقي بصراط الله الواحد ـ كما بينه هو في كتابه لا كما يصوره الناس بأهوائهم ـ ومن ثم لا تصل إلى الله أبداً .
والأوضاع الاجتماعية بجملتها , والأوضاع السياسية بجملتها , والأوضاع الاقتصادية بجملتها .. هي فروع عن التصور الاعتقادي ؛ وتطبيق واقعي للقيم المنبثقة من هذا التصور .. ومن ثم فالتلقي فيها كلها لا يجوز أن يكون له مصدر آخر غير مصدر التصور الإسلامي . أو غير مصدر الشريعة الإسلامية ـ بمدلولها الحقيقي الذي لا ينحصر في المدلول المتداول لكلمة الشريعة .. والتلقي فيها عن المصدر الرباني وحده , وهو مقتضى الإقرار بالعبودية الشاملة للألوهية المتفردة . والشأن فيه شأن التلقي في الأحكام القانونية التي ينحصر فيها مدلول "الشريعة" المتداول ! ويدور حولها معنى "الحاكمية" المتداول كذلك .. والشريعة أشمل نطاقاً . والحاكمية أوسع مدى من هذا المدلول المتداول !
على أن هذا كله قد يكون مفهوماً ـ شيئاً ما ـ ولا يكون الحديث فيه هنا مبتدأ , ولا غريباً على قراء مثل هذه البحوث . وإن كان ينبغي التوكيد على أن الأمر في هذه الشؤون كلها هو أمر العقيدة . فهو يتعلق مباشرة بالإقرار أو عدم الإقرار بالعبودية الشاملة للألوهية المتفردة ..
أما الأمر الذي قد يكون غريباً بعض الشيء فهو الرجوع في شأن النشاط الفني , والنشاط الفكري , والنشاط العلمي إلى التصور الإسلامي , وإلى مصدره الرباني . باعتبار أن هذا الشأن متعلق بالعقيدة . ومن مقتضيات الاعتراف بالعبودية الشاملة للألوهية المتفردة !
وفي النشاط الفني صدر كتاب كامل يتضمن بيان القضية . باعتبار أن النشاط الفني كله , هو تعبير إنساني عن تصورات الإنسان وانفعالاته واستجاباته وتوجهاته .. وهذه كلها يحكمها ـ بل ينشئها ـ في النفس المسلمة تصورها الإسلامي بشموله لكل جوانب الكون والنفس والحياة ؛ وعلاقتها ببارئ الكون والنفس والحياة . وبتصورها خاصة لحقيقة هذا الإنسان . ومركزه في الكون . وغاية وجوده . ووظيفته . وقيم حياته .. وكلها متضمنة في التصور الإسلامي الذي ليس هو مجرد تصور فكري . إنما هو تصور اعتقادي موح مؤثر فعال دافع ومسيطر على كل انبعاث في الكيان الإنساني (4) .. وسنتحدث عن هذه المسألة هنا باختصار في الفقرات التالية في الفصل .
فأما قضية النشاط الفكري والعلمي , وضرورة رد هذا النشاط إلى التصور الإسلامي ومصدره الرباني . تحقيقاً للإقرار بالعبودية الشاملة للألوهية المتفردة . أي تحقيقاً لإسلام المسلم من ناحية العقيدة .. فهذه هي القضية التي تقتضي منا بياناً كاملاً . لأنها قد تكون ـ بالقياس إلى قراء هذا العصر حتى المسلمين منهم , الذين يرون حتمية رد الحاكمية والتشريع لله لتتحقق صفة الإسلام والإيمان ـ غريبة أو غير مطروقة !
إن المسلم لا يملك أن يتلقى في أمر يختص بالعقيدة والتصور العام للوجود , أو يختص بالعبادة , أو يختص بالخلق , أو يختص بالقيم والموازين التي تحكم في المجتمع , أو يختص بالمبادئ والأصول في النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي , أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني وبحركة تاريخه إلا من ذلك المصدر الرباني .. ولا يتلقى في هذا إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه , ومزاولته لعقيدته في الحياة ..
ولكن المسلم يملك أن يتلقى في العلوم البحتة , كالكمياء والطبيعة والأحياء والفلك والصناعة والزراعة وطرق الإدارة ـ من الناحية الفنية الإدارية البحتة ـ وطرق العمل من هذه الناحية كذلك , وطرق الحرب والقتال من هذا الجانب أيضاً ... إلى آخر ما يشبه هذا النشاط .. يملك أن يتلقى في هذا كله عن المسلم وغير المسلم .. وإن كان الأصل في المجتمع المسلم حين يقوم أن يسعى لتوفير الكفايات في هذه الحقول كلها باعتبارها فروض كفاية , يجب أن يتخصص فيها أفراد فتسقط عن الباقين , و إلا أثم المجتمع كله إذا لم يوفر هذه الكفاية ولم يوفر الجو الذي تتكون فيه وتعيش وتعمل وتنتج .. ولكن إلى أن يتحقق هذا فإن للفرد المسلم أن يتلقى في هذه العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية من المسلم ومن غير المسلم , وأن ينتفع فيها بجهد المسلم وغير المسلم , وأن يشغَل فيها المسلم وغير المسلم .. لأنها من الشؤون الداخلة في قوله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ "أنتم أعلم بشؤون دنياكم" وهي لا تتعلق بتكوين تصور المسلم عن الحياة والكون والإنسان وغاية وجوده ؛ وحقيقة وظيفته ونوع ارتباطاته بالوجود من حوله , وبخالق الوجود كله . ولا تتعلق بالمبادئ والشرائع والأنظمة والأوضاع التي تنظم حياته أفراداً وجماعات .. ومن ثم فلا خطر فيها على زيغ عقيدته , وارتداده إلى الجاهلية !
فأما ما يتعلق بتفسير النشاط الإنساني كله أفراداً ومجتمعات ـ وهو المتعلق بالنظرة إلى "نفس" الإنسان , "وحركة تاريخه" , وما يختص بتفسير نشأة هذا الكون , ونشأة هذه الحياة , ونشأة هذا الإنسان , من ناحية ما وراء الطبيعة ( وهو ما لا تتعلق به العلوم البحتة من كيمياء وطبيعة وفلك وأحياء وطب ...الخ ) فالشأن فيه شأن الشرائع القانونية والمبادئ والأصول التي تنظم حياته ونشاطه .. مرتبطة بالعقيدة . فلا يجوز للمسلم أن يتلقى فيه إلا عن مسلم , يثق في دينه وتقواه , ويعلم أنه يتلقى في هذا كله عن الله .. والمهم أن يرتبط هذا في حس المسلم بأمر عقيدته . وأن يعلم أن هذا مقتضى عبوديته لله وحده .. أي مقتضى إسلامه !
إنه قد يقرأ كل آثار النشاط الجاهلي ولكن لا ليكوّن منه تصوره في هذه الشؤون . إنما ليعرف كيف تنحرف الجاهلية ! وليعرف كيف يصحح هذه الانحرافات البشرية بردها إلى مقوّمات التصور الإسلامي .
إن اتجاهات الفلسفة بجملتها . واتجاهات تفسير التاريخ الإنساني بجملتها . واتجاهات على النفس بجملتها .( فيما عدا بعض الملاحظات والمشاهدات دون تفسيراتها العامة ) ومباحث الأخلاق بجملتها . واتجاهات دراسة الأديان المقارنة بجملتها . واتجاهات التفسيرات الاجتماعية بجملتها ( فيما عدا الإحصاءات والمعلومات المباشرة .. لا النتائج العامة المستخلصة منها ..) ..
إن هذه الاتجاهات كلها في الفكر الجاهلي ـ غير الإسلامي ـ قديماً وحديثاً متأثرة تأثراً مباشراً بتصورات جاهلية . وقائمة على هذه التصورات . ومعظمها ـ إن لم تكن كلها ـ تتضمن في أصولها المنهجية عداء ظاهراً أو خفياً للتصور الديني جملة , وللتصور الإسلامي على وجه الخصوص !
والأمر في هذه الألوان من النشاط الفكري والعلمي ليس كالأمر في علوم الكيمياء والطبيعة والفلك والأحياء والطب وما إليها .. ما دامت في حدود التجربة الواقعية , وتسجيل النتائج الواقعية . دون مجاوزتها إلى التفسير الفلسفي في صورة من صوره . وذلك كتجاوز "الدراوينية" مثلاً لمجال إثبات المشاهدات وترتيبها في علم الأحياء إلى مجال القول ـ بدون دليل وبدون حجة للقول كذلك إلا الرغبة والهوى ـ إنه لا ضرورة لافتراض وجود قوة خارجة عن العالم الطبيعي لتفسير نشأة الحياة وتطورها !
إن لدى المسلم الكفاية من بيان ربه الصادق عن تلك الشؤون كلها في المستوى الذي تبدو فيه محاولات البشر في هذه المجالات هزيلة مضحكة . فضلاً على أن الأمر كله يتعلق تعلقاً مباشراً بالعقيدة : عقيدة الألوهية الواحدة والعبودية الشاملة . قاعدة هذا التصور وحقيقته الكبرى ..
إن حكاية أن الثقافة تراث "إنساني" لا وطن له ولا جنس ولا دين ... هي حكاية صحيحة عندما تتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العملية ـ دون تجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية لنتائج هذه العلوم ـ ولا إلى التفسيرات الفلسفية لنفس الإنسان ونشاطه وتاريخه , ولا إلى الفن والأدب والتعبيرات الشعورية جميعاً . ولكنها فيما وراء ذلك إحدى مصائد اليهودية العالمية التي يهمها تمييع الحواجز كلها ـ بما في ذلك بل في أول ذلك حواجز العقيدة والتصور ـ لكي ينفذ منها اليهود إلى جسم العالم كله , وهو مسترخ مخدر , ثم تزاول اليهودية فيه نشاطها الشيطاني . وفي أوله نشاطها الربوي . الذي ينتهي إلى جعل حصيلة كد البشرية تؤول إلى أصحاب المؤسسات المالية الربوية من اليهود !!!
ولكن الإسلام يعتبر أن هناك نوعين اثنين من الثقافة ـ فيما وراء العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية ـ الثقافة الإسلامية , القائمة على قاعدة التصور الإسلامي . والثقافة الجاهلية القائمة على مناهج شتى كلها ترجع إلى قاعدة واحدة . قاعدة إقامة الفكر البشري إلهاً , لا يرجع إلى الله في ميزانه .. والثقافة الإسلامية شاملة لكل حقول النشاط الفكري والواقعي الإنساني ؛ وفيها من القواعد والمناهج والخصائص ما يكفل نمو هذا النشاط وحيويته دائماً .
ويكفي أن نعلم أن الاتجاه التجريبي , الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوربية الحاضرة , قد نشأ ابتداء في الجامعات الإسلامية , مستمداً أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته إلى الكون وطبيعته الواقعية ومدخراته وأقواته . ثم استقلت النهضة في أوربا بهذا المنهج واستمرت تُنميه وتُرقيه ؛ بينما ركد وترك نهائياً في العالم الإسلامي .. بسبب بعد هذا العالم تدريجياً ـ بفعل عوامل كامنة في محيطه وبفعل الكيد والهجوم الصهيوني والصليبي عليه من خارجه ـ عن عقيدته وتصوره ومنهجه الأساسي .. ثم قطعت أوربا ما بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الاعتقادية الإسلامية , وشردت به نهائياً بعيداً عن الله ؛ في أثناء شرودها عن الكنيسة التي تستطيل على الناس ـ بغياً وعدواً ـ باسم الله !
وكذلك أصبح نتاج الفكر الأوربي بجملته ـ شأنه شأن نتاج الفكر الجاهلي في جميع الأزمان وفي جميع البقاع ـ شيئاً آخر ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقومات التصور الإسلامي ووجب أن يرجع المسلم إلى مقومات وحدها . وألا يأخذ إلا من المصدر الرباني إن استطاع بنفسه , و إلا فلا يأخذ إلا عن مسلم تقي , يعلم عن دينه وتقواه ما يطمئنه إلى الأخذ عنه .
إن حكاية فصل "العلم" عن صاحبه , لا يعرفها الإسلام فيما يختص بكل العلوم المتعلقة بمقومات التصور , المؤثرة في نظرة الإنسان إلى الوجود والحياة والنشاط الإنساني والأوضاع والقيم والموازين والتقاليد والعادات , وسائر ما يتعلق بحياة الكائن الإنساني من هذه النواحي ..
إن الإسلام يتسامح أن يتلقى المسلم عن غير المسلم و عن غير التقي من المسلمين في علم الكيمياء البحتة أو الطبيعة أو الفلك أو الطب أو الصناعة أو الزراعة . أو الأعمال الإدارية أو الكتابية .. وذلك في الحالات التي لا يجد فيها مسلماً تقياً يأخذ عنه في هذا كله كما هو واقعنا اليوم الناشئ من بعدنا عن ديننا ونهجنا وتصورنا لمقتضيات الخلافة في الأرض ـ بإذن الله ـ وما يلزم لهذه الخلافة من هذه العلوم والمهارات المختلفة !
ولكنه لا يتسامح أن يتلقى أصول عقيدته ولا مقومات تصوره . ولا تفسير قرآنه وحديثه وسيرة نبيه . ولا منهج تاريخه وتفسير نشاطه . ولا مذهب مجتمعه . ولا نظام حكمه ولا منهج سياسته . ولا موحيات فنه و أدبه وتعبيره ... من مصادر غير إسلامية . ولا أن يتلقى عن غير مسلم يثق في دينه وتقواه .
إن الذي يقول هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة , كان عمله الأول فيها هو القراءة والإطلاع , في معظم حقول المعرفة الإنسانية . ما هو من تخصصه وما هو من هواياته الثقافية .. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره , فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلاً ضئيلاً إلى جنب ذلك الرصيد الضخم ـ وما كان يمكن أن يكون الأمر إلا كذلك ـ وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره . وإنما عرف الجاهلية على حقيقتها . وعلى انحرافها وعلى ضآلتها وعلى قزامتها .. وعلى جعجعتها وانتفاشها . وعلى غرورها وادعائها كذلك ! وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي !!!
ومع ذلك فليس الذي سبق في هذه الفقرة رأياً لي أبديته .. فالأمر أكبر من أن يُفتَى فيه بالرأي , وأثقل في ميزان الله من أن يعتمد المسلم فيه على رأي .. إنما هو قول الله ـ سبحانه ـ وقول نبييه ـ صلى الله عليه وسلم ـ نحكّمه في هذا الشأن , ونرجع فيه إلى الله وإلى الرسول كما يرجع الذين آمنوا إلى الله وإلى الرسول فيما اختلفوا فيه . إن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر .
يقول الله سبحانه عن الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين بصفة عامة : "وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة109) .
"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ".. (البقرة120).
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ".. (آل عمران100) .
وحين يتحدد الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين على هذه النحو القاطع , يكون من البلاهة الظن لحظة بأنهم يصدرون في أي مبحث من المباحث المتعلقة بالعقيدة الإسلامية أو التاريخ الإسلامي , أو التوجيه في نظام المجتمع المسلم أو في سياسته أو اقتصاده إلى خير أو إلى هدى أو إلى نور ... والذين يظنون ذلك فيما عند هؤلاء الناس بعد بيان الله سبحانه إنما هم الغافلون !
كذلك يتحدد من قول الله سبحانه : "قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى" المصدر الوحيد الذي يجب على المسلم الرجوع إليه في هذه الشؤون . فليس وراء هدى الله إلا الضلال . وليس في غيره هدى , كما تفيد صيغة القصر الواردة في النص : " قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى" .. ولا سبيل إلى الشك في مدلول هذا النص ولا إلى تأويله كذلك !
كذلك يرد الأمر القاطع بالإعراض عمن يتولى عن ذكر الله , ويقصر اهتمامه على شؤون الحياة الدنيا ؛ وينص كذلك على مثل هذا لا يعلم إلا ظناً , والمسلم منهي عن اتباع الظن . وانه لا يعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا فهو لا يعلم علماً صحيحاً :
" فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى".. (النجم30).. " يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ"... (الروم7)
والذي يغفل عن هدى الله ولا يريد إلا الحياة الدنيا ـ وهو شأن جميع "العلماء" اليوم ! ـ لا يعلم إلا هذا الظاهر وليس هذا هو العلم الذي يثق المسلم في صاحبه فيتلقى عنه في كل شأنه . وإنما يجوز أن يتلقى عنه في حدود علمه المادي البحت . ولا يتلقى منه تفسيراً ولا تأويلاً عاماً للحياة أو متعلقاتها التصورية .. كما أنه ليس هو العلم الذي تشير إليه الآيات القرآنية , وتثني على أهله . فأي علم لا يؤدي إلى الاهتداء إلى الله ؛ ولا يقوم على إدراك فضل الله في تعليم الإنسان ما لم يعلم ؛ وفي منحه ابتداء القدرة على الإدراك ؛ وفي تسخير النواميس الطبيعية له .. أي علم لا يقوم على هذه الأسس هو علم ضال مضل ؛ وليس هو العلم الذي تقصده الآيات القرآنية وتثني عليه .. كما يفهم الذين ينتزعون النصوص القرآنية من سياقها ليستشهدوا بها في غير مواضعها !
إن العلم ـ بطبيعة الحال ـ ليس مقصوراً على علم العقيدة , وعلم الفرائض الدينية .. فالعلم يشمل كل شيء , ويتعلق بالقوانين الطبيعية وتسخيرها في خلافة الأرض تعلقه بالعقيدة والفرائض على السواء .. ولكن العلم الذي ينقطع عن قاعدته الإيمانية وعلم الفلك , وعلم الأحياء , وعلم الطبيعة , وعلم الكيمياء , وعلم الطب , وسائر هذه العلوم المتعلقة بالنواميس الطبيعية والقوانين الحيوية .. إنها كلها تؤدي إلى الله ؛ حين لا يستخدمها الهوى المنحرف للابتعاد عن الله .. كما اتجه المنهج الأوربي في النهضة العلمية ـ مع الأسف ـ بسبب الملابسات النكدة التي قامت في التاريخ الأوربي خاصة , بين المشتغلين بالعلم وبين الكنيسة الغاشمة ! ثم ترك آثاره العميقة في مناهج الفكر الأوربي كلها , وفي طبيعة التفكير الأوربي . وترك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة ـ لا لأصل التصور الكنسي وحده ولا للكنيسة وحدها ـ في كل ما أنتجه الفكر الأوربي في كل حقل من حقول المعرفة . سواء كانت فلسفية ميتافيزيقية , أو كانت بحوثاً علمية بحتة لا علاقة لها ـ في الظاهر ـ بالموضوع الديني !
وإذا تقرر أن مناهج الفكر الغربي ونتاج هذه الفكر في كل حقول المعرفة ؛ يقوم ابتداء على أساس تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة .. فإن تلك المناهج وهذا النتاج أشد عداء للتصور الإسلامي خاصة ؛ لأنه يتعمد هذا التصور والمفهومات الإسلامية ؛ ثم تحطيم الأسس التي يقوم عليها تميز المجتمع المسلم وعلى نتاجه كذلك في الدراسات الإسلامية .. ومن ثم تجب الحيطة كذلك في دراسة العلوم البحتة ـ التي لا بد في موقفنا الحاضر من تلقيها من المصادر الغربية ـ من أية ظلال فلسفية تتعلق بها . لأن هذه الظلال معادية في أساسها للتصور الديني جملة , وللتصور الإسلامي بصفة خاصة . وأي قدر منها يكفي لتسميم الينبوع الإسلامي الصافي ..
وسنحاول فيما يلي أن نقول كلمة مفصلة عن الأدب والتاريخ بوجه خاص , وكيف تدرس هذه الجوانب دراسة مأمونة لتنشئة "المسلم" وتنقية ضميره من شوائب الجاهلية التي تغمر وجه الأرض جميعاً .
إن الأدب أشد المؤثرات في تكوين فكرة وجدانية عن الحياة , وفي طبع النفس البشرية بطابع خاص . ومن هنا يجب أن يكون لنا أدب نابع من التصور الإسلامي . ولعله يحسن أن نقول هنا كلمة مفصلة عن منهج الأدب الإسلامي :
الأدب ـ كسائر الفنون ـ تعبير موح عن قيم حية ينفعل بها ضمير الفنان . هذه القيم قد تختلف من نفس إلى نفس , ومن بيئة إلى بيئة . ومن عصر إلى عصر , ولكنها في كل حال تنبثق من تصور معين للحياة , والارتباطات فيها بين الإنسان والكون , وبين بعض الإنسان وبعض .
ومن العبث أن تحاول تجريد الأدب أو الفنون عامة من القيم التي يحاول التعبير عنها مباشرة , أو التعبير عن وقعها في الحس الإنساني . فإننا لو أفلحنا ـ وهذا متعذر ـ في تجريدها من هذه القيم , لن تجد بين أيدينا سوى عبارات خاوية , أو خطوط جوفاء , أو أصوات غفل , أو كتل صماء .
كذلك من العبث محاولة فصل تلك القيم عن التصور الكلي للوجود والحياة , والارتباطات فيها بين الإنسان والكون والأحياء والأحداث , وبين بعض الإنسان وبعض . ويستوي أن شعر الإنسان بأن له تصوراً خاصاً للحياة أو لا يشعر , لأن هذا قائم في نفسه على كل حال , وهو الذي يحدد قيم الحياة في نظره , ويلون تأثراته بهذه القيم ...
والإسلام تصور معين للحياة , وتنبثق منه قيم خاصة لها . فمن الطبيعي إذن أن يكون التعبير عن هذه القيم , أو عن وقعها في نفس الفنان , ذا لون خاص .
وأهم خاصية للإسلام أنه عقيدة ضخمة جادة فاعلة خالقة منشئة , تملأ فراغ النفس والحياة , وتستنفذ الطاقة البشرية في الشعور والعمل , وفي الوجدان والحركة , فلا تبقي فيها فراغاً للقلق والحيرة , ولا للتأمل الضائع الذي لا ينشئ سوى الصور والتأملات .
وأبرز ما فيه هو الواقعية العملية حتى في مجال التأملات والأشواق . فكل تأمل هو إدراك أو محاولة لإدراك طبيعة العلاقات الكونية أو الإنسانية , وتوكيد للصلة بين الخالق والمخلوق , أو بين مفردات هذا الوجود . وكل شوق هو دفعة لإنشاء هدف , أو لتحقيق هدف , مهما علا واستطال .
وقد جاء الإسلام لتطوير الحياة وترقيتها , لا للرضى بواقعها في زمان ما أو في مكان ما , ولا لمجرد تسجيل ما فيها من دوافع وكوابح , ومن نزعات وقيود , سواء في فترة خاصة , أو في المدى الطويل .
مهمة الإسلام دائماً أن يدفع بالحياة إلى التجدد والنمو والترقي , وأن يدفع بالطاقات البشرية إلى الإنشاء والانطلاق والارتفاع .
ومن ثم فالأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي للحياة , قد لا يحفل كثيراً بتصوير لحظات الضعف البشري , ولا يتوسع في عرضها , وبطبيعة الحال لا يحاول أن يبررها , فضلاً على أن يزينها بحجة أن هذا الضعف واقع , فلا ضرورة لإنكاره أو إخفائه .
إن الإسلام لا ينكر أن في البشرية ضعفاً , ولكنه يدرك كذلك أن في البشرية قوة . ويدرك أن من مهمته هي تغليب القوة على الضعف , ومحاولة رفع البشرية وتطويرها وترقيتها , لا تبرير ضعفها أو تزيينه .
والأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي للحياة قد يلم أحياناً بلحظات الضعف البشري , ولكنه لا يلبث عندها إلا ريثما يحاول رفع البشرية من وهدة هذه اللحظات , وإطلاقها من عقال الضرورة وضغطها . وهو لا يصنع هذا متأثراً بالمعنى الضيق لمفهوم "الأخلاق" إنما يصنعه متأثراً بطبيعة التصور الإسلامي للحياة , وبطبيعة الإسلام ذاته في تجديد الحياة وترقيتها , وعدم الاكتفاء بواقعها في لحظة أو فترة .
والنظرة الإسلامية لا تؤمن بسلبية الإنسان في هذه الأرض , ولا بضآلة الدور الذي يؤديه في تجديد الحياة وترقيتها . ومن ثم فالأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي لا يهتف للكائن البشري بضعفه ونقصه وهبوطه ؛ ولا يملأ فراغ مشاعره وحياته بأطياف اللذائذ الحسية , أو بالتشهي الذي لا يخلق إلا القلق والحيرة والحسد والسلبية . إنما يهتف لهذا الكائن بأشواق الاستعلاء والطلاقة , ويملأ فراغ حياته ومشاعره بالأهداف البشرية التي تجدد الحياة وترقيها . سواء في ضمير الفرد أو في واقع الجماعة .
وليست الخطب الوعظية هي سبيل الأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي , فهذه وسيلة بدائية وليست عملاً فنياً بطبيعة الحال .
كذلك ليست وظيفة هذا الأدب أو الفن هي تزوير الشخصية الإنسانية أو الواقع الحيوي , وإبراز الحياة البشرية في صورة مثالية لا وجود لها . إنما هو الصدق في تصوير المقدرات الكامنة أو الظاهرة في الإنسان , والصدق كذلك في تصوير أهداف الحياة اللائقة من البشر , لا بقطيع من الذئاب !
والأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي أدب أو فن موجه , بحكم أن الإسلام حركة تجديد وترقية مستمرة للحياة , فهو لا يرضى بالواقع في لحظة أو جيل , ولا يبرره أو يزينه لمجرد أنه واقع . فمهمته الرئيسية هي تغيير هذا الواقع وتحسينه , والإيحاء الدائم بالحركة الخالقة المنشئة لصور متجددة من الحياة .
وقد يلتقي في هذا مع الأدب أو الفن الموجه بالتفسير المادي للتاريخ , يلتقي معه لحظة واحدة ثم يفترقان ..
فالصراع الطبقي هو محور الحركة التطويرية في ذلك الفن . أما الإسلام فلا يعطي الصراع الطبقي كل هذه الأهمية , لأن نظرته إلى أهداف البشرية أوسع وأرقى . إنه لا يرضى بالظلم الاجتماعي ولا يقره , ولا يهتف للناس بالرضى به أو الّتذاذه ! وهو يعمل ـ فيما يعمل ـ لمكافحته وتبديله . ولكنه لا يقيم حركته على الحقد الطبقي , بل على الرغبة في تكريم الإنسان ورفعه عن درك الخضوع للحاجة والضرورة , وإطلاق إنسانيته المبدعة من الإنحصار في الطعام والشراب وجوعات الجسد على كل حال .
فالمحور الذي تدور عليه حركة النمو والتجدد في المنهج الإسلامي هو ترقية البشرية كلها , ودفعها إلى الانطلاق والارتفاع , وإلى الخلق والإبداع . وفي الطريق يلم بآلام الطبقات وقيودها , ليحطم هذه القيود , ويزيل تلك الآلام .
إنه لا يحقر آلام البشر , ولكنه لا يستخدم الحقد الطبقي لإزالتها , لاعتباره أن الحقد ذاته قيد يحول دون انطلاق البشرية إلى آفاق أعلى !







 
رد مع اقتباس