عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 17-11-2010, 01:28 AM   رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

حَاضِر الإسْلام وَمُسْتَقبله
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
نحن ندعو إلى استئناف حياة إسلامية في مجتمع إسلامي تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي , كما تحكمه الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي .
ونحن نعلم أن الحياة الإسلامية ـ على هذا النحو ـ قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض ؛ وان "وجود" الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك !
ونحن نجهر بهذه الحقيقة الأخيرة ـ على الرغم مما قد تحدثه من صدمة وذعر وخيبة أمل للكثيرين ممن لا يزالون يحبون أن يكونوا "مسلمين" ! ـ ونجهر بها على هذا النحو في الوقت الذي ندعو فيه إلى استئناف حياة إسلامية , في مجتمع إسلامي , تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي كما تحكمه الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي . ولا نرى أن في رؤية تلك الحقيقة والجهر بها كذلك ما يدعو إلى خيبة الأمل ؛ أو اليأس من هذه الدعوة ومن هذه المحاولة . على عكس نرى أن الجهر بهذه الحقيقة المؤلمة ـ حقيقة أن الحياة الإسلامية قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض , وأن "وجود" الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك ـ نرى أن الجهر بهذه الحقيقة ضرورة من ضرورات الدعوة إلى الإسلام , ومحاولة استئناف حياة إسلامية..ضرورة لا مفر منها.
إن الأمر المستيقن في هذا الدين أنه لا يمكن أن يقوم في الضمير "عقيدة" . ولا في واقع الحياة "ديناً" إلا أن يشهد الناس : أن لا إله إلا الله . أي لا "حاكمية" إلا لله .. حاكمية تتمثل في قضائه وقدره كما تتمثل في شرعه وأمره ـ وهذه كلها سواء في كونها أساساً للعقيدة لا تقوم ـ ابتداء ـ في الضمير إلا به ـ كذلك هو لا يمكن أن يقوم في واقع الحياة "ديناً" إلا أن تتمثل العقيدة في نظام واقعي للحياة هو"الدين" , فتفرد فيه شريعة الله بالهيمنة على حياة الناس جملة وتفصيلاً ؛ ويبرأ فيه الحاكم والمحكوم من ادعاء حق"الألوهية" عن طريق ادعاء حق"الحاكمية" ومزاولة التشريع فعلاً بما لم يأذن به الله ؛ مما يتخذه البشر لأنفسهم من أنظمة وأوضاع وتشريعات وقوانين ؛ غير مستمدة من شريعة الله , نصاً حين النص , واجتهاداً ـ في حدود المبادئ العامة ـ حين لا يوجد النص . طاعة لأمر الله سبحانه : " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ .. (النساء59)..
ونحن لا نحدد مدلول "الدين" ولا مفهوم "الإسلام" على هذا النحو من عند أنفسنا .. ففي مثل هذا الأمر الخطير , الذي يترتب عليه تقرير مفهوم لدين الله ؛ كما يترتب عليه الحكم بتوقف"وجود" الإسلام في الأرض اليوم ؛ وإعادة النظر في دعوى مئات الملايين من الناس أنهم"مسلمون" .. في مثل هذا الأمر لا يجوز أن يفتي الإنسان فيما يقصم الظهر في الدنيا والآخرة جميعاً !
إنما الذي يحدد مدلول "الدين" على هذا النحو , ومفهوم "الإسلام" هو الله ـ سبحانه ـ إله هذا الدين ورب هذا الإسلام .. وذلك في نصوص قاطعة لا سبيل إلى تأويلها ولا الاحتيال عليها :
"..وإِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ..(يوسف40) ...
" وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ..(المائدة49) ...
"..وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (المائدة45)..
" فلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "(النساء65) ..
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا"(59النساء)..
كلها تقرر حقيقة واحدة . أنه لا إسلام ولا إيمان بغير الإقرار بالحاكمية لله وحده : والرجوع إليه فيما يقع عليه التنازع ـ مما لم يرد به نص ـ إذ لا رأي مع النص ولا نزاع , والحكم بما أنزل ـ دون سواه ـ في كل شؤون الحياة ؛ والرضى بهذا الحكم رضى قلبياً بعد الاستسلام له عملياً ... وإن هذا هو "الدين القيم" .. وهذا هو "الإسلام" الذي أراده الله من الناس .
وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم ـ على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام ـ لا نرى لهذا الدين "وجودا" .. إن هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة البشر ؛ وذلك يوم تخلت عن الحكم بشريعته وحدها في كل شؤون الحياة .
ويجب أن نقرر هذه الحقيقة الأليمة , وأن نجهر بها , وألا نخشى خيبة الأمل التي تحدثها في قلوب الكثيرين الذين يحبون أن يكونوا "مسلمين" .. فهؤلاء من حقهم أن يستيقنوا : كيف يكونون مسلمين !
إن أعداء هذا الدين بذلوا طوال قرون وما يزالون يبذلون , جهوداً ضخمة ماكرة خبيثة , ليستغلوا إشفاق الكثيرين الذين يحبون أن يكونوا مسلمين , من وقع هذه الحقيقة المريرة , ومن مواجهتها في النور ! وتَحَرُّجُهم كذلك من إعلان أن "وجود" هذا الدين قد توقف , منذ أن تخلت آخر مجموعة مسلمة في الأرض عن تحكيم شريعة الله في أمرها كله ؛ فتخلت بذلك عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية ـ [أو بالألوهية] ـ فهذه مرادفة لتلك , أو لازمة لها لا تتخلف .
هؤلاء الأعداء الماكرون الخبثاء يستغلون ذلك الإشفاق وهذا التحرج لتخدير مشاعر الكثيرين في الأرض , الذين يحبون أن يكونوا "مسلمين" وإيهامهم أنهم ما يزالون "مسلمين" فعلاً ! وأن "الإسلام بخير" ! وأن الناس يمكن أن يكونوا "مسلمين" دون أن تحكمهم شريعة هذا الدين ؛ بل دون أن يعتقدوا أن الحاكمية لله وحده , من ادعاها لنفسه فقد ادعى الألوهية , وكفر , وخرج من هذا الدين ! .
ولقد بلغ من تبجح هذا الخبث أن يكتب المستشرق "ولفرد كانتول سميث" كتاباً كاملاً تحت عنوان "الإسلام في العصر الحديث" هدفه الأساسي هو إثبات أن "العلمانية" التركية , التي قام بها "أتاتورك" , هي "إسلامية !" بل إنها هي "الحركة الإسلامية !" الوحيدة الناجحة في تاريخ الفترة الحديثة ؛ وأن على "المسلمين" الذين يريدون استبقاء "وجود" الإسلام أن يحذوا حذوها ؛ بوصفها المحاولة الوحيدة الصحيحة !
كذلك بلغ الخبث من التبجح ! وكذلك ينبغي أن نجهر نحن بالحقيقة المقابلة , التي قد يشفق منها الكثيرون ممن يحبون أن يكونوا مسلمين ؛ وممن يتحرجون أن يعلنوا أن وجود هذا الدين قد توقف .. لنبطل مفعول "المخدر" الخبيث , الذي يخدر به أعداء هذا الدين محبي هذا الدين !!!
وينبغي كذلك ألا نخشى ما يحدثه إعلان هذه الحقيقة من خيبة أمل مريرة .. فنحن واثقون بعد ذلك أن "المستقبل لهذا الدين" ؛ وأن التوقف عن الوجود لن يستمر . بل لن يطول ! وأن جميع الفقاعات التي ينفخ فيها الاستعمار الصليبي والصهيوني في الأرض ستنفثيء كما تنفثي الفقاعات دائماً مهما تكن ضخمة المظهر , شديدة البريق !
إن هذا الدين الذي توقف ـ مؤقتاً ـ عن الوجود ؛ عميق الجذور في هذه التربة ؛ وهو أعمق من هذا في تربة الفطرة .. إن اثني عشر قرناً من الوجود الواقعي لهذا الدين في الأرض لن يمكن محوها من هذه الأرض .. وإن فطرة الله التي فطر الناس عليها لن تغلبها محاولات الاستعمار الصليبي والصهيوني !
إن "المستقبل لهذا الدين" في هذه الأرض التي تحقق فيها وجوده الفعلي أكثر من مائتين وألف عام ؛ وفي غيرها من الأرض أيضاً , التي تصارع فيها الفطرة ما هو مفروض عليها من المذاهب والأنظمة والأحكام !
ذلك حاضر هذا الدين .. إن وجوده متوقف .. لأنه لا يوجد إلا المدلول الذي أراده الله له ؛ وهو أن يكون هو المهيمن وحده على حياة الناس كلها . وأن تتحقق به ألوهية الله ـ سبحانه ـ في الأرض تحقق هذه الألوهية في السماء . أي أن تتحقق عن طريق الإذعان لشريعته وأمره تحققها عن طريق قضائه وقدره .. تصديقاً لقول الله سبحانه :
"وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ .. (الزخرف84) ..
وهذا هو مستقبله .. أمل عريض واثق في عودة هذا الدين إلى الوجود .. أمل يسنده الوجود التاريخي الطويل ؛ ويؤكده الوجود "الفطري" الأصيل ..
إلا أن هذا الأمل العريض الواثق لا يجوز أن يقعدنا عن استعراض الأسباب التاريخية لذلك التوقف
ـ الوقتي ـ واستعراض العقبات في وجه الوجود الفعلي . واستعراض الجهود الأولية اللازمة أو الممهدة لهذا الوجود الفعلي ..
لقد أشرنا من قبل إلى الهزة التي أصابت المجتمع المسلم وهو حديث عهد بالوجود , وذلك فيما وقع من بني آدم من انحراف عن القمة التي كان المجتمع مستوياً عليها على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعهد الخلافة الراشدة .
فالآن نشير إشارات سريعة إلى أهم الصدمات التي واجهت هذا الدين بعد ذلك فثبت لها طوال هذه القرون .
ونحن واجدون أولاها في قيام الدولة العباسية واعتمادها على عناصر حديثة العهد بالإسلام , لم تخلص نيتها له بعد , لما يعتمل فيها من عصبية قومية لا تزال جذورها كامنة ؛ فلما تَقدم العهد بالدولة العباسية تركت العناصر التي قامت عليها والتي أخذت تندمج في الإسلام , إلى عناصر أخرى قلوبها غلف من الترك والشراكسة والديلم وسواها . وهكذا ظلت الدولة تعتمد على عناصر مضادة لروح الإسلام ؛ وتتأثر بهذه العناصر بحكم اعتمادها عليها . فلم يكن إلا روح الإسلام مقاوماً لهذه العناصر ولسلطان الدولة معها , بما يحمله من طاقة كامنة , وحيوية عظيمة .
ثم كانت غزوات التتار المدمرة , التي طغت على العالم الإسلامي ببربرية متوحشة , لم يلبث الإسلام أن طواها في تياره , وابتلعها فصارت بعض رواسبه , ولكن بعد أن هزت هذا الروح الإسلامي هزة عنيفة , وأثرت حتماً في أوضاعه وتقاليده . إلا أن الأمة الإسلامية ظلت ـ على الرغم من تضعضع الدولة أمام عاصفة التتار ـ قوية متماسكة الأواصر , قائمة على أصول هذا الدين مهما ندت عنها في بعض الجوانب الرسمية الخاصة .
وينبغي أن نذكر هنا أن الإمبراطورية الرومانية التي استغرق بناؤها ونموها نحو ألف عام , انقرضت وتفسخت في قرن واحد نتيجة لغزوات الهون والقوط , فلم يبق منها سوى بضعة معالم وإمارات , على حين بقيت الدولة الإسلامية قائمة على رقعة فسيحة , وهي الدولة التي لم يستغرق بناؤها سوى نيف ونصف قرن على الرغم من جميع النزاعات الداخلية بين الأسر الحاكمة , والضربات الخارجية من التتار وغير التتار , مما يشهد بحيوية الإسلام العظيمة في مواجهة تلك الظروف .
فإذا مضينا في تتبع الصدمات وجدنا صدمة الأندلس في الغرب , بعد صدمة الحروب الصليبية في الشرق . وقد هُزم الإسلام في الأولى وانتصر في الثانية , وظل يعاني العداء الوحشي من الروح الصليبية منذ ذلك الحين ظاهراً ومستتراً حتى الآن .
ولكن الكارثة التي أطبقت على الإسلام إنما كانت في هذا العصر الحديث , حين غلبت أوربا على العالم , وامتد ظل الاستعمار الصليبي , وغشى العالم الإسلامي كله شرقاً وغرباً , وأرصد لقتل الروح الإسلامية كل قواه , مستمداً دفعته من العداء الصليبي الموروث , ومن القوة المادية والثقافية التي يحملها , مضافاً إليها التضعضع الداخلي في قوة الأمة الإسلامية , وابتعادها رويداً رويداً في هذا المدى الطويل عن تعاليم دينها ووصاياه .
وفي الحديث عن العداء الصليبي الكامن في النفس الأوربية للإسلام ينبغي ألا تخدعنا الظواهر , وألا يستغفلنا التظاهر باحترام الحريات الدينية ؛ والقول بأن أوربا ليست متحمسة للمسيحية اليوم تحمسها لها إبان الحروب الصليبية , فليس هناك ما يدفعها إلى التحمس ضد الإسلام كما كانت في تلك الأيام !
إنها كلها خدع وأضاليل . وما كان اللورد أللنبي إلا مثلاً لضمير أوربا كلها , وهو يدخل بيت المقدس في الحرب العظمى الماضية فيقول :"اليوم انتهت الحروب الصليبية" ! وما كان الحاكم العام للسودان إلا ممثلاً لهذا الضمير , وهو يضع كل قوى الحكومة تحت تصرف المبشرين في جنوب السودان , ويمنع أي تاجر مسلم أن يمر هناك مجرد مرور . وقد حدث أن موظفاً بقى في الجنوب أمداً طويلاً وطلب نقله إلى الشمال فلم يجب , فهدته الحيلة أن يرفع صوته بالأذان فكان هذا إيذاناً بنقله في الغداة !
وانجلترا هي أشد الدول الأوربية تسامحاً وإغضاء ولباقة في معالجة مسائل الأديان .
وقد يعجب البعض لأن تظل هذه الروح التعصبية ضد الإسلام قوية إلى هذا الحد في الشعر الأوربي , وبعد ما تنكرت أوربا للمسيحية , ولم تعد صيحات الحجاج والقديسين هي التي تملأ سمعها كما كانت أيام الحروب الصليبية , ولكن هذا العجب يزول حين نلقى بالنا إلى حقيقتين واقعتين .
الحقيقة الأولى : "أن الشر الذي بعثه الصليبيون لم يقتصر على صليل السلاح , ولكنه كان قبل كل شيء وفي مقدمة كل شيء شراً ثقافياً . لقد نشأ تسميم العقل الأوربي عما شوهه قادة الأوربيين من تعاليم الإسلام ومثله العليا أمام الجموع الجاهلة في الغرب . وفي ذلك الحين استقرت تلك الفكرة المضحكة في عقول الأوربيين , من أن الإسلام دين شهواني وعنف حيواني , وانه تمسك بفروض شكلية , وليس تزكية للقلوب وتطهيراً لها ؛ ثم بقيت هذه الفكرة حيث استقرت . وفي ذلك الحين أيضاً نُبز محمد بقولهم "كلبي"(1) .
"ولقد بذرت بذور البغضاء .. إن حمية الصليبين الجاهلة كان لها ذيولها في أماكن كثيرة من أوربا , فشجع ذلك نصارى الأندلس على الحرب لإنقاذ بلادهم من "نير الوثنيين" ! وأما تدمير أسبانية المسلمة (الأندلس) فقد اقتضى قروناً كثيرة حتى تم . ولما تطاول أمد هذا القتال على وجه الحصر , أخذ الشعور ضد الإسلام في أوربا ينشب جذوره ثم ثبت . ولقد انتهى باستئصال شأفة العهد الإسلامي في أسبانية بعد اضطهاد بالغ في الوحشية والقسوة مما لم يشهده العالم قط ؛ وإن كانت أصداء القرح قد تجاوبت في أوربا على إثر ذلك , مع العلم بأن النتائج التي تلته كانت القضاء على العلوم والثقافة , والتبديل بها جهل العصور الوسطى وخشونتها .
"ولكن قبل أن يتاح لصدى هذه الحوادث أن يخفت في أسبانية حدثَ حدثُ ثالث عظيم الأهمية , زاد في فساد الصلات بين العلام الغربي وبين الإسلام , ذلك هو سقوط القسطنطينية في يد الأتراك . لقد كانت أوربا ترى بقية من الزهو اليوناني والروماني القديم على بيزنطيوم (القسطنطينية) وكانت تنظر إليها على أنها حصن أوربا ضد برابرة آسيا .
وبسقوط القسطنطينية فتح باب أوربا على مصراعيه للسيل الإسلامي . وفي القرون التي تلت والتي امتلأت بالحروب , ولم تبق عداوة أوربا للإسلام قضية ذات أهمية ثقافية فحسب بل ذات أهمية سياسية أيضاً . وهذا زاد في اشتداد تلك العداوة .
"ومع هذا كله فإن أوربا قد استفادت كثيراً من هذا النزاع . إن "النهضة" أو إحياء الفنون والعلوم الأوربية باستمدادها الواسع من المصادر الإسلامية والعربية على الأخص , كانت تعزي في الأكثر إلى الاتصال المادي بين الشرق والغرب . لقد استفادت أوربا أكثر مما استفاد العالم الإسلامي , ولكنها لم تعترف بهذا الجميل , وذلك بأن تنقص من بغضائها للإسلام , بل كان الأمر على العكس , فإن تلك البغضاء قد نمت مع تقدم الزمن , ثم استحالت عادة . ولقد كانت هذه البغضاء تغمر الشعور الشعبي كلما ذكرت كلمة "مسلم" .
ولقد دخلت في الأمثال السائرة عندهم حتى نزلت في قلب كل أوربي رجلاً كان أو امرأة . وأغرب من كله أنها ظلت حية بعد جميع أدوار التبدل الثقافي . وثم جاء عهد الإصلاح الديني حيث انقسمت أوربا شيعاً ؛ ووقفت كل شيعة مدججة بسلاحها في وجه كل شيعة أخرى ؛ لكن العداء للإسلام كان عاماً فيها كلها . بعدئذ جاء زمن اخذ الشعور الديني فيه يخبو , ولكن العداء للإسلام استمر . وإن من أبرز الحقائق على ذلك أن الفيلسوف والشاعر الفرنسي فولتير , وهو من ألد أعداء النصرانية وكنيستها في القرن الثامن عشر , كان في الوقت نفسه مبغضاً مغالياً للإسلام ولرسول الإسلام . وبعد بضعة عقود جاء زمن أخذ فيه علماء الغرب يدرسون الثقافات الأجنبية ويواجهونها بشيء من العطف ؛ أما فيما يتعلق بالإسلام فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية ؛ وبقى هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوربا والعالم الإسلامي غير معقود فوقه بجسر . ثم أصبح احتقار الإسلام جزءاً أساسياً في التفكير الأوربي . والواقع أن المستشرقين الأولين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى يعملون في البلاد الإسلامية ؛ وكانت الصورة المشوهة التي اصطنعوها من تعاليم الإسلام وتاريخه مدبرة على أساس يضمن التأثير في موقف الأوربيين من "الوثنيين" . غير أن هذا الالتواء العقلي قد استمر مع أن عموم الاستشراق قد تحررت من نفوذ التبشير , ولم يبق لعلوم الاستشراق هذه عذر من حمية دينية جاهلية تسيء توجيهها . أما تحامل المستشرقين على الإسلام فغريزة موروثة , وخاصة طبيعية , تقوم على المؤثرات التي خلقتها الحروب الصليبية , بكل مالها من ذيول في عقول الأوربيين الأولين .
"ولقد يتساءل بعضهم فيقول : كيف يتفق أن نفوراً قديما مثل هذا ـ وقد كان دينياً في أساسه وممكنا في زمانه بسبب السيطرة الروحية للكنيسة النصرانية ـ يستمر في أوربا في زمن ليس الشعور الديني فيه إلا قضية من قضايا الماضي ؟
"ليست مثل هذه المعضلات موضع استغراب أبداً , فإنه من المشهور في علم النفس أن الإنسان قد يفقد جميع الاعتقادات الدينية التي تلقنها في أثناء الطفولة , بينما تظل بعض الخرافات الخاصة ـ والتي كانت من قبل تدور حول تلك الاعتقادات المهجورة ـ في قوتها , تتحدى كل تعليل عقلي في جميع أدوار ذلك الإنسان , وهذه حال الأوربيين مع الإسلام :
فعلى الرغم من أن الشعور الديني كان السبب في النفور من الإسلام قد أخلى مكانه في هذه الأثناء , لاستشراف حياة أكثر مادية , فإن النفور القديم نفسه قد بقى عنصراً من الوعي الباطني في عقول الأوربيين . وأما درجة هذا النفور من القوة , فإنها تختلف بلا شك بين شخص وآخر , ولكن وجوده لا ريب فيه . إن روح الحروب الصليبية ـ في شكل مصغر على كل حال ـ مازال يتسكع فوق أوربا , ولا تزال مدنيتها تقف من العالم الإسلامي موقفاً يحمل آثار واضحة لذلك الشبح المستميت في القتال "(2) .
والحقيقة الثانية : أن الاستعمار الأوربي والأمريكي الصليبي لا يملك أن يغفل من حسابه أن الروح الإسلامي صخرة مقاومة لمد الاستعمار ؛ وأنه لا مفر من تحطيم هذه الصخرة أو زحزحتها على الأقل ؛ ولا عبرة بما يقوله بعض المخدوعين أو المأجورين من أن أوربا لا يهمها الدين , ولا تراه مصدر قوة , ولا تخشى من العالم الإسلامي إلا قوته المادية .
فالدين في حقيقته قوة روحية لها حسابها في تجديد القوى المادية ؛ فوق أن الإسلام بالذات غير المسيحية , فهو يأمر بإعداد القوى المادية ويحض على المقاومة والكفاح , وينذر المستسلمين والمستضعفين بسوء المآل في الدنيا والآخرة :" وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ .. "(الأنفال60).." يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ .."(النساء144).." فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ .."(النساء74).. "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ .."(آل عمران140) .
فالدين قوة روحية وتنظيمية ودعوة إلى قوة مادية ؛ والدين صخرة مقاومة ودعوة إلى شدة المقاومة . فلا مفر للاستعمار الأوربي والأمريكي أن يكون عدواً للدين .. كل ما هنالك أن مظاهر العداء تختلف بحسب أساليب كل أمة في الاستعمار ؛ ثم بحسب الظروف والأحوال . ففرنسا مثلاً تعلنها حرباً صريحة سافرة في المغرب العربي كله على الإسلام باسم "الظهير البربري" أو بأي اسم آخر . ويعلن ممثلوها في دمشق أنهم أحفاد الصليبيين جهاراً نهاراً . وانجلترا تراوغ فتسلك طريقها خلسة إلى معاهد التعليم في مصر لتنشئ عقلية عامة تحتقر كل مقومات الحياة الإسلامية بل الشرقية ؛ فإذا تم لها تكوين جيل من المعلمين بهذه العقلية , أطلقتهم في المدارس وفي دواوين المعارف يصبغون عقلية الأجيال هذه الصبغة , ويضعون المناهج والخطط مؤدية إلى تكوين هذه العقلية , مع المحافظة التامة على إبعاد العناصر التي تمثل الثقافة الإسلامية عن مراكز التوجيه في الوزارة . وبذلك تستغني عن مواجهة الشعور الديني بالعداوة السافرة , إذ تدع المهمة لفريق كبير ذي أثر بعيد في تكوين العقلية المصرية العامة .. أما في السودان الجنوبي فلا تجد حاجة إلى هذه المواربة , فتقف موقفها الذي وصفناه من المبشرين المسيحيين والتجار المسلمين ! وأمريكا تقيم الأوضاع والأنظمة التي تسحق الإسلام سحقاً بكل مقوماته العقيدية والخلقية والحركية في جميع أنحاء العالم الإسلامي ..
وهكذا صارت كل دولة مستعمرة على طريقة في مقاومة هذا الدين وخنقه منذ قرون مضت ؛ وما تزال تسير على خطة متعاونة في صميمها تبدو في موقف الأمم الغربية من كل قضية تواجه فيها الإسلام من قريب أو بعيد !
والذين يحسبون أن نفوذ اليهود المالي في الولايات المتحدة وسواها هو الذي يوجه الغربيين هذا التوجيه ؛ والذين يحسبون أن المطامع الإنجليزية والمكر الأنجلو سكسوني هو الذي يوجه الموقف ؛ والذين يحسبون أن الصراع بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية هو الذي يؤثر .. كل أولئك يغفلون عنصراً حقيقياً في المسألة يضاف إلى هذه العناصر جميعاً , هو الروح الصليبية التي تحملها دماء الغربيين , والتي تندس في عقلهم الباطن , مضافاً إليها الخوف الاستعماري من الروح الإسلامي , والعمل على تحطيم قوة الإسلام , حيث يربط الغربيين جميعاً شعور موحد ومصلحة موحدة في تحطيمها , تجمع بين روسيا الشيوعية وأمريكا الرأسمالية ! ولا ننسى دور الصهيونية العالمية في الكيد للإسلام وتجميع القوى ضده في العالم الاستعماري الصليبي والعالم المادي الشيوعي على السواء . وهو الدور المستمر الذي قام به اليهود دائماً منذ هجرة الرسول إلى المدينة وقيام دولة الإسلام !
والعجيب أن روح الإسلام على الرغم من جميع هذه الصدمات التي واجهته منذ الفترة الأولى في حياته إلى اليوم , وعلى الرغم من معالجة الصدمات له وأثر ذلك في كيانه الوليد ؛ ثم على الرغم من غلبة الحضارة الغربية اليوم بقوتيها المادية والثقافية , مما أحال بعض من يحملون أسماء المسلمين أدوات هدم وتحطيم للإسلام في أيدي المستعمرين وهم مستريحون !
على الرغم من هذا كله ظلت روح الإسلام في ذاتها سليمة , وظلت طاقته الكامنة تؤثر في مجرى الحياة الإنسانية بصفة عامة ؛ وتؤثر في صوغ السياسات العالمية وتوجيهها منذ أربعة عشر قرناً إلى اليوم ؛ فما من حركة سياسية أو حربية في العالم لم يحسب فيها للإسلام حساب ؛ حتى في عصور الضعف والفرقة وتخلخل الحياة الروحية والاجتماعية و الاقتصادية في العالم الإسلامي .
ولقد انقضت فترة الخمول والاضمحلال ؛ وأخذ المد الإسلامي في الظهور في كل مكان على الرغم من الضربات الساحقة التي توجه إلى طلائع البعث الإسلامي في كل مكان ! وهي مظاهر لا يمكن إغفالها , على الحيوية الكامنة في الإسلام , وعلى رصيده المدخر يكفي لاستئناف حياة إسلامية جديدة , لا تقوم على مجرد الرغبة والتفاؤل , بل على أسس عملية وواقعية كذلك ظاهرة للعيان , هي اليوم في دور التجمع والاستعداد على الرغم مما يبدو أحياناً من عوامل المقاومة والانتكاس , فما هي إلا فقاعات تنفقع , أو سحابة صيف تنقشع !
ولكنني على الرغم من إيماني إيماناً مطلقاً بحتمية استئناف الحياة الإسلامية في العالم الإسلامي , وباستعداد الإسلام لأن يكون نظاماً عالمياً ـ لا محلياً ـ في المستقبل .. فإنني لا أحب أن أندفع وراء خيال جامح , فأقرر أن هذا سهل ميسور !
كلا فهناك عراقيل شتى وضخمة , كما أن هناك أعمالاً عظيمة يجب أن تتم قبل أن يصبح استئناف الحياة الإسلامية الصحيحة ميسوراً في المجتمع الإسلامي ذاته . وتقدير تلك العوائق الضخمة , والتنبيه إلى هذه الأعمال الواجبة أمر يوجبه الشعور الحقيقي بعظمة الغاية التي نهدف إليها , وبثقل التبعة التي تنتظر من ينهض لهذه الغاية .
وليس يكفي أن يبعث المرء بالصيحة المدوية في حماسة فوارة , ليصبح الأمل واقعاً والرجاء حقيقة , إن لم يقدر كل العقبات وكل التبعات , وينبه من يبعث إليهم بصيحة إلى الجهد الضخم الذي يطلب إليهم أن يبذلوه .
وطبيعي أن انفراج المسافة بين سياسة الحكم وروح الإسلام فترة طويلة من الزمان , يجعل العودة إلى السياسة المستمدة من هذا الروح أصعب ؛ لأن جهاز الدولة والمجتمع , وقواعد الحياة بكل مقوماتها , والاتجاه النفسي والعقلي .. كلها تقوم على أسس معينة يصعب تغييرها قبل بذل جهود ضخمة طويلة . وكلما امتد الزمن زادت هذه الصعوبة , واحتاجت إلى جهود أضخم وأطول .
ثم يضاف إلى عامل الزمن الطويل عامل آخر حاضر ؛ وهو أننا لا نعيش في هذا العالم وحدنا , ولا نعيش كذلك في عزلة عنه . وتشابك مصالحنا وقضايانا مع هذا العالم الذي تسيطر عليه حضارة معينة , ذات عقلية مناقضة تماماً لعقلية الإسلام ـ كما سنبين فيما بعد ـ يجعل خطواتنا في سبيل استئناف حياة إسلامية صحيحة , خطوات بطيئة من جهة , وذات تكاليف علينا من جهة أخرى .
ومما يزيد هذا العامل الأخير أهمية , أن هذا العالم الغربي الذي تتشابك مصالحنا معه أقوى منا في الوقت الحاضر , وليست لنا السيطرة عليه أو القوة المكافئة لقوته كما كنا في أول عهد الإسلام ؛ ثم هو في الوقت ذاته عدو لنا , وعدو لديننا بوجه خاص . لذلك لن يدعنا ننشئ نظاماً إسلامياً من جديد , ونستأنف حياة إسلامية صحيحة , ما لم نبذل جهوداً مضاعفة , كان يمكن الاقتصاد فيها لو كانت لنا السيطرة على العالم الغربي أو القوة المكافئة لقوته , أو لو كان هو صديقاً لنا , ولديننا الذي نريد العودة إليه .
إلا أن هذا كله لا يعني أن العودة إلى النظام الإسلامي مستحيلة . وكل ما يعنيه أنها عمل عسر ضخم , في حاجة إلى جهود غير عادية ؛ قبل كل شيء في حاجة إلى حماسة في الإيمان به ؛ وجرأة في اقتحام العقبات المرصودة في طريقه ؛ وصبر على الجهد الشاق الواجب له , وثقة في ضرورته للعالم الإسلامي وللعالم الإنساني كله , وعقلية إنشائية مبتكرة , ليست وظيفتها مجرد ترقيع الواقع , بل إنشاء واقع جديد كامل غير مرقع !
ولعله من الحقائق ذات القيمة في المجال , أن نشير إلى أن الحضارة الغربية الراهنة قد قادت العالم إلى حربين شاملتين خلال ربع قرن ؛ كما قادته بعد الحرب الثانية إلى انقسام بين الكتلتين الشرقية والغربية , وإلى تهديد دائم بحرب ثالثة ؛ وإلى اضطرابات في كل مكان , وإلى جوع وعري وبؤس في ثلاثة أرباع المعمورة . وأن النظام العالمي كله اليوم في حالة واضطراب وبحث عن أسس جديدة , وتنقيب عن زاد روحي يرد إلى الإنسانية ثقتها بالمبادئ الإنسانية .
ولا ينبغي ـ مع هذا ـ أن نتفاءل أكثر مما يجب باستعداد العالم الغربي لقبول أسس حضارتنا الإسلامية , فهذا موضوع آخر .. نعم إن رجلاً كبرنارد شو يقول : إن العالم الغربي قد أخذ يتجه هذا الاتجاه , ويتنبأ بأنه في الطريق إليه فيقول :
" لقد تنبأت بأن دين محمد سيكون مقبولاً لدى أوربا غداً , وهو قد بدأ يكون مقبولاً لديها اليوم .. لقد عمد رجال الإكليروس في العصور الوسطى إلى تصوير الإسلام في أحلك الألوان ؛ وذلك بسبب الجهل أو بسبب التعصب الذميم . والواقع أنهم كانوا يسرفون في كراهية محمد وكراهية دينه ويعدونه خصماً للمسيح . أما أنا فأرى واجباً أن يدعى محمد منقذ الإنسانية , وأعتقد أن رجلاً مثله إذا تولى زعامة العالم الحديث نجح في حل مشكلاته , وأحل في العالم السلام والسعادة . وما أشد حاجة العالم إليهما !
" لقد أدرك مفكرون منصفون قاموا في القرن التاسع عشر , ما لدين محمد من قيمة ذاتية . من هؤلاء : كارليل , وجوته , وجيبون ... بذلك حدث تحول صالح في موقف أوربا من الإسلام . وقد تقدمت أوربا تقدماً كبيراً في هذا القرن المتمم العشرين , فبدأت تحب عقيدة محمد . ولعلها تذهب في القرن التالي إلى أبعد من ذلك فتعترف بجدوى هذه العقيدة لحل مشاكلها .. وقد دان كثيرون من قومي ومن أهل أوربا بدين محمد في الحاضر . وهذا يجعلنا قادرين على أن نقول : إن تحول أوربا إلى الإسلام قد بدأ "(3) .
ولكننا نرى نبوءة برنارد شو لا تزال مجرد نبوءة ـ إن لم تكن مخدراً لشعور المسلمين ليطمئنوا وينتظروا اعتناق الأوربيين لدينهم ! ـ وعلى كل حال فإن انتظار تحققها سابق على الأقل لأوانه لسببين رئيسيين :
أولهما : هو هذا العداء الموروث للإسلام في أعماق الطبيعة الأوربية والأمريكية ؛ والذي يغذيه في العصر الحديث تعارض مصلحة الاستعمار الغربي والشرقي مع وجود هذه العقبة في طريقه .
وثانيهما : أن العقلية الأوربية تأصلت على أسس مادية , أثر الفكرة الروحية فيها ضئيل , منذ الحضارة الرومانية إلى العصر الحديث . وهذا القول يحتاج إلى تفصيل لا تقتصر فائدته على دلالته في هذا الموضع , بل تمتد إلى الإجابة على هذا السؤال الهام : هل يمكن أن تتعاون الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ؟ وما حدود هذا التعاون ؟
لقد قلنا في أوائل هذا الكتاب : إن أوربا لم تكن مسيحية في يوم من الأيام . وذلك بسبب أن طبيعة الصراع فيها على رقعة من الأرض صغيرة ضنينة , جعلت مبادئ المسيحية السمحة لا تمتد جذورها في تلك التربة العصية ؛ وذلك فوق ما في طبيعة المسيحية من تزهد وعدم احتفال بالحياة الدنيا . فالآن نضيف إلى هذين العاملين عاملاً ثالثاً أشرنا إليه هناك إشارة عابرة ؛ وهو وجود الإمبراطورية الرومانية العريقة في طريق المسيحية , وبقاء تعاليم الإمبراطورية أساساً للحضارة الأوربية الحديثة , على الرغم من انتقال المسيحية إليها , إذ ظلت هذه على هامش الحياة .
ونقتطف هنا فقرات من كتاب "الإسلام على مفترق الطرق" نجد فيها الكفاية والغناء :
"كانت الفكرة التي تقوم عليها الإمبراطورية الرومانية .. الاجتياح بالقوة , واستغلال الأقوام الآخرين لفائدة الوطن الأم وحده . وفي سبيل الترفيه عن فئة ممتازة لم ير الرومانيون في عنفهم سوءاً , ولا في ظلمهم انحطاطاً . وإن "العدل الروماني" الشهير كان عدلاً للرومانيين وحدهم . ومن البين أن اتجاهاً كهذا كان ممكناً فقط على أساس إدراك مادي خالص للحياة وللحضارة , إدراك مادي هذبه على التأكيد ذوق فكري ولكنه على كل حال بعيد عن جميع القيم الروحية . إن الرومانيين في الحقيقة لم يعرفوا الدين ؛ وإن آلهتهم التقليدية لم تكن سوى محاكاة شاحبة للخرافات اليونانية . ولقد كانت أشباحاً سُكَّتَ عن وجودها حفظاً للعرف الاجتماعي ؛ ولم يكن يسمح لها قط بالتدخل في أمور الحياة الحقيقية ؛ بل كان عليها أن تنطق بالرجز على ألسنة عرافيها إذا سئلت مثل ذلك , ولكن لم يكن ينتظر منها أن تمنح البشر شرائع خلقية !
"تلك كانت التربة التي نمت فيها المدنية الحديثة . ولقد عملت بلا شك مؤثرات أخرى كثيرة في أثناء تطورها ؛ ثم إنها بطبيعة الحال قد بدلت وحورت في ذلك الإرث الثقافي الذي ورثته عن رومية في أكثر من ناحية واحدة . ولكن الحقيقة الباقية أن كل ما هو اليوم حقيقي في الاستشراف الغربي للحياة والأخلاق يرجع للمدنية الرومانية . وكما أن الجو الفكري والاجتماعي في رومية القديمة كان نفعياً بحتاً ولا دينياً ـ لا على الافتراض بل الحقيقة ـ فكذلك هو الجو في الغرب الحديث . ومن غير أن يكون لدى الأوربي برهان على بطلان الدين المطلق , ومن غير أن يسلم بالحاجة لمثل هذا البرهان .. ترى التفكير الأوربي الحديث ـ بينما هو يتسامح بالدين وأحياناً يؤكد أنه عرف اجتماعي ـ يترك , على العموم , الأخلاق المطلقة خراج نطاق الاعتبارات العملية . إن المدنية الغربية لا تجحد الله البتة , ولكنها لا ترى مجالاً ولا فائدة لله في نظامها الفكري الحالي . لقد اصطنعت فضيلة من العجز الفكري في الإنسان , أي من عجزه عن الإحاطة بمجموع الحياة . وهكذا يميل الأوربي الحديث إلى أن ينسب الأهمية العملية فقط إلى تلك الأفكار التي تقع في نطاق العلوم التجريبية وتلك التي ينتظر منها على الأقل أن تؤثر في صلات الإنسان الاجتماعية بطريقة ملموسة . وبما أن قضية وجود الله لا تقع تحت هذا الوجه ولا تحت ذاك , فإن العقل الأوربي يميل بداءة إلى إسقاط "الله" من دائرة الاعتبارات العملية !
"وهنا يعرض سؤال : كيف يمكن لهذا الاتجاه أن يتفق وطريقة التفكير المسيحي ؟ أليست النصرانية ـ المفروض فيها أن تكون الهيكل الروحي للمدنية الغربية ـ عقيدة مبنية على الأخلاق المطلقة كما هي الحال في الإسلام ؟ لا شك في أنها كذلك . ولكن حينئذ لا يمكن أن يكون ثمة خطأ أفدح من أن نعتبر أن المدنية الغربية الحديثة نتاج النصرانية . إن الأسس الفكرية الحقيقية في الغرب يجب أن تطلب في فهم الرومانيين القدماء للحياة على أنها قضية منفعة خالية من كل استشراف مطلق ؛ ويمكن التعبير عنها كما يلي : بما أننا لا نعرف شيئاً معيناً ـ من طرق الاختبار العلمي والتقدير في الحساب ـ لا عن أصل الحياة الإنسانية ولا عن مصيرها بعد موت الجسد .. فإن من الخير لنا أن نحصر قوانا في وجوه إمكاننا المادي والفكري , ومن غير أن نسمح لأنفسنا بأن نتقيد بالأخلاق المطلقة والقضايا الأدبية المبنية على دعاوي تتحدى الأدلة العلمية . فلا ريب إذن في أن هذا الاتجاه الذي تتميز به المدنية الغربية الحديثة , لا يجد قبولاً في التفكير الديني المسيحي كما لا يجد قبولاً في الإسلام أو في دين آخر , وذلك لأنه لا ديني في جوهره . وهكذا تكون نسبة نتاج المدنية الغربية الحديثة إلى النصرانية خطأً تاريخياً عظيماً . إن النصرانية ساهمت في جزء يسير جداً من الرقي العلمي المادي الذي فاق به الغرب , في مدنيته الحاضرة , كل ما سواه وفي الحق أن ذلك النتاج قد برز من كفاح أوربا المتطاول للكنيسة المسيحية ولاستشرافها للحياة .. ثم إن النصرانية اليوم في نظر السواد العظم معنى شكلياً فقط كما حال آلهة رومية , تلك الآلهة التي لم يكن يسمح لها , ولا ينتظر منها , أن يكون لها نفوذ حقيقي ما على المجتمع . ولا ريب في أنه لا يزال في الغرب أفراد عديدون يشعرون ويفكرون على أسلوب ديني , ويبذلون جهود القانط حتى يوفقوا بين معتقداتهم وبين روح حضارتهم ؛ ولكن هؤلاء شواذ فقط , إن الأوربي العادي ـ سواء عليه أكان ديمقراطياً أم فاشياً أم بلشفياً , صانعا أم مفكراً ـ يعرف ديناً إيجابياً واحداً هو التعبد للرقي المادي , أي الاعتقاد بأن ليس في الحياة هدف آخر سوى جعل هذه الحياة نفسها أيسر فأيسر , أو كما يقول التعبير الدارج : "طليقة من ظلم الطبيعة" . إن هياكل هذه الديانة إنما هي المصانع العظيمة و دور السينما والمختبرات الكيميائية وباحات الرقص وأماكن توليد الكهرباء ؛ وأما كهنة هذه الديانة فهم الصيارفة والمهندسين وكواكب السينما وقادة الصناعات وأبطال الطيران . وإن النتيجة التي لا مفر منها في هذه الحال هي الكدح لبلوغ القوة والمسرة ؛ وذلك يخلق جماعات متخاصمة مدججة بالسلاح ومصممة على أن يفني بعضها بعضاً حيثما تتصادم مصالحها المتقابلة . أما على الجانب الثقافي فنتيجة ذلك خلق نوع بشري تنحصر فلسفته الأخلاقية في مسائل الفائدة العملية , ويكون أسمى فارق لديه بين الخير والشر إنما هو التقدم المادي " ..
انتهى .
والخلاصة لهذا كله أن الضمير الأوربي الحالي ليس على استعداد لاستشعار روح الإسلام والاستعانة به في حل مشكلات الإنسانية . وإن يكن ذلك ليس مستحيلاً بعد عدة انقلابات وتطورات أخرى ؛ وبعد أن يبدأ العالم الإسلامي ذاته في استئناف حياة إسلامية واضحة المعالم , مستقلة الأسس , يجد فيها الغرب الواقعي التفكير , حقائق عملية قائمة تجذب حسه ؛ وتعادل تفكيره . وإن كان اعتقادي الخاص أن أجيالاً متطاولة ستنقضي قبل أن يستطيع الغرب استشعار روح الإسلام على نحو من الأنحاء .







 
رد مع اقتباس