عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 17-11-2010, 01:24 AM   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

وفي أيام بني أمية ثم في أيام بني العباس من بعدهم , كان بيت المال مباحاً للملوك كأنه ملك لهم خاص ؛ وذلك على الرغم من وجود بيتين للمال : بيت المال العام , وبيت المال الخاص والأول مفروض أن موارده ومصارفه للجماعة ؛ والثاني مفروض أن موارده ومصارفه من خاصة السلطان . لكنا نجد أحياناً أن أموالاً عامة تحمل إلى بيت المال الخاص . وأن مصارف خاصة تؤخذ من بيت المال العام !
جاء في كتاب الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري تأليف آدم ميتز وترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة :
"أما العطايا وكل ما يتعلق بنفقات درا الخلافة فكان يؤخذ من بيت المال العام . وعندنا بيان يرجع إلى أول القرن الرابع مشتمل على وجوه الأموال التي تحمل إلى بيت مال الخاصة :
1ـ الأموال المختلفة التي يتركها الآباء لأبنائهم ففي بيت المال . ويقال : إن الرشيد خلف أكبر مقدار من المال , وهو ثمانية وأربعون ألف ألف دينار , وكان المعتضد(279ـ289هـ) يستفضل من كل سنة من سنى خلافته بعد النفقات , مما كان يحصله بيت مال الخاصة ألف ألف دينار , حتى اجتمع في بيت المال تسعة آلاف ألف دينار , وكان يريد أن يتممها عشرة آلاف ألف دينار , ثم يسبكها ويجعلها نقرة واحدة , ونذر عند بلوغ ذلك أن يترك عن أهل البلاد ثلث الخراج في تلك السنة . وأراد أن يطرح السبيكة على باب العامة ليبلغ أصحاب الأطراف أن له عشرة ألاف ألف دينار وهو مستغن عنها , فاخترمته المنية قبل بلوغ الأمنية . ثم جاء المكتفي بعد المعتضد (289ـ295هـ)فأبلغ المدخر إلى أربعة عشر ألف ألف دينار .
2ـ مال الخراج والضياع العامة الذي يرتفع من أعمال فارس وكرمان (بعد إسقاط النفقات)
وبلغ مقدار ذلك في كل سنة منذ عام299إلى عام 320هـ(911ـ932م)ثلاثة وعشرين ألف ألف درهم , منها أربعة آلاف ألف درهم كانت تحمل إلى بيت مال العامة , والباقي وهو تسعة عشر ألف ألف درهم إلى بيت مال الخاصة . ويجب أن نسقط من ذلك النفقات الحادثة التي تتطلبها هذه البلاد , ففي عام303هـ(915م) أنفق الخليفة لفتحها ما يزيد على سبعة آلاف ألف درهم .
3ـ أموال مصر والشام . وكانت جزية أهل الذمة مثلاً تحمل إلى بيت مال الخليفة باعتباره أمير المؤمنين لا إلى بيت مال العامة . وهذا ما يجب للخليفة نظرياً !
4ـ المال الذي يؤخذ من المصادرة لأموال الوزراء المعزولين والكتاب والعمال وما يحصل من ارتفاع ضيعاتهم , والمال الذي يؤخذ من التركات (5).
5 ـ ما كان يحمل إلى بيت مال الخاصة من أموال الضياع والخراج بالسواد والأهواز والمشرق والمغرب .
6 ـ ما كان يستفضله الخلفاء , فكان كل الخليفتين الأخيرين في القرن الثالث الهجري ( وهما المعتضد والمكتفي) يستفضل في السنة ألف ألف دينار وكان سبيل المقتدر أن يستفضل مثلها , فيكون مبلغه في خمس وعشرين ألف ألف دينار , أعني نحواً من نصف ما خلفه الرشيد ".
ومن هذا النص يبدو كم عدا من يسمون خلفاء من الملوك على أموال المسلمين العامة , وكم بعدت سياسة المال عن أصول الإسلام , وكم ارتفع الثراء والترف في جانب والبؤس والشقاء في جانب , وكم اختل المجتمع الإسلامي نتيجة بعده عن النهج الإسلامي , وتنكره للمبادئ الإسلامية .
* * *
ولكن الواقع التاريخي للإسلام ـ على الرغم من هذا كله ـ استطاع أن يقرر عدة مبادئ أساسية في " سياسة المال" وأن يحقق الكثير من نظريات الإسلام ومبادئه على الرغم من النكسة التي أصابته في مطلع عهده , على أيدي بني أمية .
استطاع الواقع التاريخي أن يقرر:
1ـ أن الفقراء أولى من أولى السابقة في الإسلام بالمال العام . وجاء في مسند أحمد بن حنبل :"حدثنا بكر بن عيسى , حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال : أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي , فجعل يفرض للرجل من طيئ في ألفين ويعرض عني . قال فاستقبلته فأعرض عني , ثم أتيته من حيال وجهه فأعرض عني . قال : فقلت : يا أمير المؤمنين . أتعرفني ؟ قال : فضحك حتى استلقى لقفاه , ثم قال : نعم والله إني لأعرفك . آمنت إذ كفروا , وأقبلت إذ أدبروا , ووفيت إذ غدروا , وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووجوه أصحابه , صدقة طيئ جئت بها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ثم أخذ يعتذر , ثم قال : إنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة , وهم سادة عشائرهم , لما ينوبهم من الحقوق ".
وهذه من عمر الذي آثر أولي السابقة في تقدير العطاء , لها قيمتها , ولها دلالتها . فالحاجة هي المبرر الأول للاستحقاق في المجتمع الإسلامي . وهو مبدأ عميق الدلالة في كراهة الإسلام للحاجة والفاقة , وحثه على إزالتها أولاً قبل كل رعاية لأي اعتبار آخر .
2ـ أن الإسلام يكره تكدس الثراء في جانب والحرمان في جانب . وفي سبيل إزالة هذه الحالة يبيح لولي الأمر المسلم الذي ينفذ شريعة الله , حرية التصرف . في المال العام . وهذا المبدأ وعاه الواقع التاريخي عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في توزيع فئ بني النضير على المهاجرين الفقراء خاصة ـ عدا رجلين فقيرين من الأنصار ـ حتى يعيد بعض التوازن للمجتمع الإسلامي في أول فرصة عرضت له . ثم جاء القرآن مصدقاً لهذه السابقة التاريخية :"..كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ .." .
وهذه السابقة لها دلالتها ولها قوتها . فولي الأمر المسلم وهو الذي ينفذ شريعة الله يملك دائما أن يخص الفقراء من المال العام , بما يعيد التوازن إلى الجماعة الإسلامية , وبما يحقق رغبة الإسلام في ألا توجد فوارق بين الطبقات تحل بهذا التوازن العام .
3ـ مبدأ الضريبة المتفاوتة حسب المقدرة والعجز .. فحين فرضت الجزية على الذميين .
جعلت بالفئات الآتية :
(أ‌) أغنياء ويؤخذ منهم48درهماً عن كل رأس في العام .
(ب‌) أوساط ويؤخذ منهم24 درهماً.
(ت‌) فقراء يتكسبون ويؤخذ منهم 12درهماً .
(ث‌) ولا تؤخذ جزية من مسكين يتصدق عليه , ولا من عاجز عن العمل , ولا من أعمى أو مقعد أو مجنون أو ذي عاهة على وجه العموم . ولا تجوز الجزية إلا على الرجال الأحرار العقلاء .. فلا جزية على امرأة أو صبي .
وحين وقعت المجاعة في عام الرمادة بسبب القحط , لم يرسل عمر جباته ليقبضوا الزكاة , بل ترك الناس حتى يرتفع الجدب , فلما اطمأن الناس وعاد الرخاء , بعث عماله فتقاضوا من القادرين حصتين : حصة عن عام الرمادة وحصة عن العام الحاضر , وأعفى غيرهم , ثم أمر أن ترد على هؤلاء إحدى الحصتين , ويقدم العمال عليه بالثانية .
4 ـ مبدأ عدم الحجز على الضرورات وفاء للضريبة , وعدم استيفائها كذلك بالقوة .. قال علي بن أبي طالب لأحد عماله :".. ولا دابة يعملون عليها ؛ ولا تضربن أحداً منهم سوطاً في درهم , ولا تقمه على رجله في طلب درهم , ولا تبع لأحد منهم عرضاً في شيء من الخراج . فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو .."(6) .
5 ـ مبدأ "الرجل وحاجته" بجانب مبدأ " الرجل وبلاؤه" .. فقد فرض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأعزب حظا من الغنيمة وللمتزوج حظين . ولهذا الفرض دلالته في أن الحاجة مبرر كالجهد للعطاء . فجهد المتزوج في الجهاد كجهد الأعزب . ولكن حاجته مضاعفة . فضوعف له حظه . فالحاجة وجدها مبرر كاف للتملك في الإسلام . ولهذا قيمته في الضمان الاجتماعي .
6 ـ مبدأ الضمان الاجتماعي العام لكل عاجز وكل محتاج . فقد فرض عمر للمولود مائة درهم , فإذا ترعرع بلغ به مائتين , فإذا بلغ زاده . وكان يفرض للقيط مائة ؛ ولوليه كل شهر رزقاً يعينه عليه , ويجعل رضاعه ونفقته من بيت المال ثم يسويه عند كبره بسواه من الأطفال . وهذه سماحة من عمر توحيها سماحة الإسلام , فاللقيط بريء , لا يحمل وزر أبويه الجارمين . وقد أثبتنا من قبل كيف فرض لليهودي الأعمى ؛ وللمجذومين من النصارى . وهي سماحة الإسلام في نفس عمر للناس جميعاً لا للمسلمين وحدهم , وتأمين للمجتمع من غوائل الحاجة والعجز والحرمان .
7 ـ مبدأ من أين لك هذا ؟ فلا حصانة للحاكم تمنع الجماعة أن تحاسبه على ما كسبه من مال , ليتبين لها إن كان ذلك ماله أو مالها . وتقرير هذا المبدأ كفيل بأن يتردد الحاكم مرتين قبل أن يقدم على اغتيال المال العام . وقد قرره عمر مع ولاته جميعاً , وأقره علىّ مع بعض الولاة .
8 ـ مبدأ الزكاة العام الذي لم ينقض حتى في أشد العهود ظلاماً وفسوقاً عن روح الدين .فما من أحد أنكره نظرياً أو عملياً , منذ حروب الردة في أوائل عهد أبي بكر . إلى أن غلبت المدنية الغربية في عصرنا الحاضر , فنقض آخر مبدأ حي من مبادئ الإسلام !
9 ـ مبدأ التكافل العام الذي يجعل كل أهل بلد مسؤولين مسؤولية مباشرة عمن يتلفه الجوع , مسؤولية جنائية يؤدون فيها الدية , بوصفهم قتلة لذلك الذي أتلفه الجوع وهو بينهم مقيم . ومما يؤيد هذا المبدأ حق الجائع أو العطشان أن يقاتل من في يده الطعام والماء حين يخشى على نفسه التلف , فإذا قتله فلا دية عليه ولا عقاب .
10 ـ مبدأ تحريم الربا , والإنظار عند العسرة للمدين . ولقد ظل الربا محرماً حتى أباحته المدنية المادية , يحملها إلينا القانون الفرنسي , وجعلته أصلاً من أصول الحياة الاقتصادية العامة , في غير ما ضرورة ملجئة إلا انعدام العنصر الخلقي في الحياة , وانتفاء روح التعاون والبر من صدور الناس . تلك الروح التي يجعلها الإسلام أساس المجتمع وركن التعاون بين الناس .
وذلك كله غير تقاليد البر والمواساة والتكافل في المجتمع ـ عن غير طريق التشريع ـ والماضي القريب الذي شهده آباؤنا ـ لا أجدادنا ـ في الريف الإسلامي في كل مكان , والذي ما تزال بقية منه حتى بعد أن طغت الحضارة المادية الغربية على العالم الإسلامي , يشهد بأثر الروح الإسلامي في المجتمعات الإسلامية , حيث كان فيض ذلك الروح يغني عن التشريع والإلزام . وهذه الأوقات الكثيرة , والحبوس المنوعة , التي صرفت اليوم عن أهدافها , وانتهبها الناهبون تحت مختلف العنوانات والتعلات , شاهد بعوامل الرحمة والبر والتكافل والتأمين الإجتماعي في نفوس أجيال المسلمين البعيدة والقريبة , قبل أن تفسدها الحضارة المادية الجامدة , القاسية القلب والشعور .
ولقد بلغت الرغبة في الضمان الاجتماعي للضعفاء مبلغاً جعلها تتجاوز الإنسان إلى الحيوان . وقد حبست بعض الحبوس على ضعاف الحيوان لتتخذ لها المأوى , وتنال الحماية من التشرد والجوع !
* * *
هذا هو الإسلام على الرغم مما اعترض خطواته العملية الأولى , من انحراف في تصور معنى الحكم وسياسة المال كانت له آثار ضخام .
هذا هو الإسلام في واقعه التاريخي الذي حققه فعلاً . فأما الإسلام في مبادئه العامة , فهو على استعداد دائم للوفاء بالحاجات المتجددة في كل المجتمعات التي تقوم على أساسه , وتتخذ شريعته شريعة . وهو يفي بهذه الحاجات في شمول وتوازن , بريء من التخبطات التي تتأرجح فيها التجارب البشرية والمذاهب البشرية بين التفريط والإفراط . والتي تكلف البشرية ثمناً غالياً من الضحايا والتضحيات(7) .
فأما حاضر الإسلام ومستقبله فسنتحدث عنهما في فصل آت .
ـــــــــــــــــــــــــ
(1)من كتاب "عمر بن عبد العزيز"للأستاذ أحمد زكي صفوت .
(2) كتا الفاروق عمر جزء2للدكتور هيكل .
(3)المصدر السابق .
(4)حديث رقم 453 المسند جزء أول نشر الأستاذ أحمد محمد شاكر
(5)كان الخليفة يرث مال الخدم ومن لا ولد له من موالي أسرة الخلافة . ولما كان هؤلاء في الغالب سادة ذوي مناصب تدر الرزق الكثير فإن مالاً كثيراً كان يجري إلى خزانة الخليفة .
(6)كتاب الخراج لأبي يوسف
(7)يراجع فصل "تخبط واضطراب" في كتاب :"الإسلام ومشكلات الحضارة"للمؤلف

حَاضِر الإسْلام وَمُسْتَقبله
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس