(أما آن الأوان لكي نلملم شعث قلوبنا وما تبقى منها، و نقبل على الله؟
فكم من رمضان دخلناه وخرجنا منه بقلب لم يتغير!
وكم من موسم للطاعة مرّ علينا دون أن يغير في نفوسنا شيئاً!!
أعلنْ توبتك الآن قبل فوات الأوان، و فتّشْ في قلبك عن الخير ونمّه، وعن الشر فاقضِ عليه، واستعن بالبكاء بين يدي مولاك، فلسان الدمع أفصح من لسان الشكوى).
و لقد نبهنا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه – إلى مواطن حضور القلب فقال: "اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر وفي أوقات الخلوة، فإن لم تجده في هذه المواطن فسلِ الله أن يمنّ عليك بقلب فإنّه لا قلبَ لك".
وهذا هو سليمان الخوّاص يدلنا على الوصفة الإيمانية لعلاج القلوب فيقول: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل؛ والتضرع عند السَحر، ومجالسة الصالحين.
وداو ضمير القلب بالبر والتقى... فلا يستوي قلبان: قاسٍ وخاشع
يقول الدكتور طه حسين بافضل:
رمضان حيثتجد قلبك، وليس جسمك وبطنك وبرامجك؛ فحياة القلب هي الأصل الذي ينبغي للمرء المسلمأن يبحث عنها، ويسعى إليها كما قال تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُوَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِيالظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَاكَانُواْ يَعْمَلُونَ). [الأنعام:122] إنها حياة القلوب. يقول ابن كثير: "هذا مثلضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً، أي: في الضلالة، هالكًا حائرًا، فأحياهالله، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله". ويقول سيد قطب فيظلاله: "إن هذه العقيدة تُنشئ في القلب حياة بعد الموت، وتطلق فيه نوراً بعدالظلمات. حياة يعيد بها تذوق كل شيء، وتصور كل شيء، وتقدير كل شيء بحس آخر لم يكنيعرفه قبل هذه الحياة. ونوراً يبدو كل شيء تحت أشعته وفي مجاله جديداً كما لم يبدمن قبل قط؛ لذلك القلب الذي نوّره الإيمان".
إن رمضان يُنشئ حياة جديدة في القلب، حريّ أن نلتفت إليها، ونوليها عناية كبيرة. وهنا سنحاول أن نبحر بسفينة النظر والتأمل فيطائفة من أعمال القلوب، التي ينشّطها الصيام، ويعيد إليها الحيوية والحركة والوجود:
فمنها: الإخلاص، وهو أعظمها وأجلّها، يقول الله –عزوجل- في الحديث القدسي: "كلّ عمل ابنآدم له إلاّ الصوم فإنه لي وأنه أجزي به"[1]؛ فمع أنالأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها إلاّ أن معنى ذلك أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره؛ لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب. ولماكانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلاّ الله، فأضافه اللهإلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: "يدع شهوته من أجلي" وقال بعضهم: جميع العباد اتتظهر بفعلها، وقل أن يسلم ما يظهر من شوب، بخلاف الصوم. فأعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أُضيفت إليهم، بخلاف الصوم فإن حال الممسك شبعاً مثل حال الممسك تقرباً؛ يعني في الصورة الظاهرة .
ومنها:التقوى وهي مقصود الصيام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنقَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). [البقرة:183]. وهي التي تستيقظ في القلوب وهيتؤدي هذه الفريضة، طاعة لله، وإيثاراً لرضاه. والتقوى هي التي تحرسهذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال".
ومنها: اليقين، والصيام يعزز جانب اليقين في القلب، فهويتذكر ذلك المقام العظيم الذي رتبه الله للصائمين كما في الحديث الصحيح: "في الجنة ثمانية أبواب, فيها باب يسمى الريان, لا يدخله إلاّ الصائمون"[2]. ولهذاصاموا وانشرحت نفوسهم لذلك تقرباً إلى الله وابتغاء الفوز بهذه المزيةالعظيمة.
وأخيرا ...
قلب المؤمن يزهر كالمصباح، ويضيء كالشمس، ويلمع كالفجر، يزداد قلب المؤمن من سماع الآيات إيمانا، ومن التفكر يقينا، ومن الاعتبار هداية.
منقول
-