فأتمهن...
د. محمد مطر الكعبي
قال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن، قال إني جاعلك للناس إماماً.) البقرة 124
لقد أجمعت الأديان والشعوب على اختلاف مواطنها ولغاتها وألوانها على إمامة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنه واحد من أهم وأعظم البشر الذين مروا على هذه الأرض، فتركوا وراءهم الآثار المجيدة والسنة الحميدة والأعمال الرشيدة التي تعلي قيمة الإنسان وتجعله متميزاً عن باقي المخلوقات.
وقد تكرر ذكره في الكتب السماوية بالتجلة والاحترام والإمامة للبشرية، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم في آيات كثيرة ومنها قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين) النحل 123.
وفي آيات أخرى مشابهة فهل كانت إمامته في الأرض ورضا الله عنه بغير سبب؟!
إن القرآن الكريم قد بين الأسباب وأوضح الأعمال التي قام بها إبراهيم عليه السلام فاستحق بها هذا الرضا الإلهي والتعلق الإنساني، وفي طليعة ذلك أنه نجح في الاختبار والامتحان وهل الحياة سوى امتحان وابتلاء واختبارات صعبة على طرق شتى يقف على رأسها الإنسان ليسلك واحداً منها؟ لقد فاز فوزاً عظيماً متميزاً في امتحانه قال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: (إني جاعلك للناس إماماً)، ولقد ابتلاه واختبره الله سبحانه بالإيمان الصادق الصحيح فكان في ذلك مثالاً يحتذى به (حنيفاً مسلماً) واختبره بالتكاليف الشرعية التي تقوم على امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
وابتلاه بالعبادات والمناسك عاملاً مجداً وابتلاه بفراق الأوطان فكان مسارعاً لأمر الرحمن، وابتلاه بالإلقاء في النيران فكان محتسباً ذلك صابراً عليه، وابتلاه بذبح ابنه فما تردد ولا تأخر.
إنه أتم تحقيق الكلمات التي ابتلاه الله تعالى بها وقام بها بعبودية وطاعة، وشرع مكارم الأخلاق فقد أضاف الضيف، واستقبل الغريب، وآنس الوحيد، وكان قمة لا تطاول في ذلك مدى الدهر وخلد ذلك له الكتاب العزيز (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال: ألا تأكلون) الذاريات 24 ـ 27
وكان واسع المدى في رؤية المستقبل والنظر لذريته الآتية بعده عطفاً وحناناً ورغبة في الاستقامة واستمرار الإمامة.
إنه نال الإمامة مدى الدهر بهذه الأعمال: الإيمان الصادق الصحيح والعبادة الكاملة، ومكارم الأخلاق العالية، والتواصل البناء القوي مع الأجيال وبقيت هذه الحنيفة الإبراهيمية محفوظة في نصوص القرآن الكريم يقف أمامها العقلاء يقتبسون منها ويهتدون بها، ولا ينالها الظالمون الذين يقولونها قولاً ويحلمون بها أحلاماً لأن عهد الله لإبراهيم (لا ينال عهدي الظالمين) البقرة 124.