أيمن ...
من بين الركام كان وجهه البريء المرتب يشع نورا يطمئن من كل يراه ويسمعه ..
كان الضباب كثيفا والركام يملأ جنبات النفوس التى أقفرت من غالب مادة الحياة
كان ركاما ضخما بعضه فوق بعض
ركام سنوات تهشمت على رؤس أصحابها
ركام ظهور عارية لاتزال تقطر دما
ركام أم ثكلي بولدها الأثير لديها
ركام زوجة ترملت ولما يمت زوجها بعد
ركام صغار يتضورون حنينا إلى كاسبهم
ركام شهادات دراسية ممزقة تحت أقدام الجنود الثقيلة
ركام حياة من نوع آخر لا هي دنيوية ولا هي برزخية
إنه مسافة طويلة غير مأهولة بن الوجود والعدم
مهما كان الواصف بارعا فلن يسطيع بحذلقته وفنه أن يذيق مستمعيه طعم قطرة واحدة من حقيقتها ...
من بين كل هذا كان يلمع وجهه المشرق باسما
ويكون أكثر إشراقا ونور إذا أعلمنا (أحدُهم ) أنه قد جاء رمضان
فيختم القرآن كل ثلاثة أيام ولو كان مأذونا في أقل من ذلك لفعل..
ذلكم أيمن .. ذلك المخلوق البسيط الوديع الهادئ ..
لايدري لماذا جاء إلى هذه المقبرة غير أنه يدري أنه أصبح داخلها ...
كروب وخطوب ومحن متواصلة .. تهاوت نفوس في تلك الحفر
أما هو فلم ينقلب عليه صِغر سنه ولا حداثة نشأته ولا حتى أميّته
بل رفع هامته لأعلى
ومد زراعه يلامس بها كل ذي قدم مبعثرة أو آفة مُقعدة
يساعد ويخدم ويتفانى
انكفأ على آيات ربه والتهم كل ما تسلل إليه منها
نسي الحياة الدنيا
وعاش لحظته التي يحياها
درج سالكا في منازل الارتقاء النفسي دون موجه أو معلم أو مرب أو حتى عِلم يتكئ عليه .. فقد كان أميا
علمه إخوانه كيف يقرأ و يكتب
فقرأ وكتب
علموه في الظلام كيف يقرأ القرآن فكان يقرأه وينير به ما حوله من ظلام
لم يمض على هذه الهمة العالية زمن طويل حتى تهدلت ثمار إخلاصه على شجرة جده واجتهاده
كنت أرقبه واغبطه ولا املك ان أسلك مسلكه
حدثته يوما عن ضرورة الزواج بعد ان يأذن الله له بالفرج إن كان ثم فرج ..
فنظر إلى متعجبا واجاب صامتا بما فهمته من قسماته ..
كنت فقط أريد ان أقول له عليك أن تريح نفسك من خدمة امك بان تتزوج بمن ترعاها وترعاك
إذا الحاجات التى تحتاجها أمك كثيرة ولن تقدر عليها كلها، وربما لا ينبغي لك أن تفعل بعضها
كان - حفظه الله - خادم أمه العجوز متبذلا في مرضاتها ..
ملازما لأطراف أقدامها .. قد جعل من حياته وقفا لها ..
ولعل هذا ما أزال تعجبي من حفظ الله له وهدايته لقلبه في هذه الدلجة المدلهمة
ذات يوم حزين كنا نجلس في هداة الصباح بعد ان اسفر أو كاد..
وفجاة انفتح باب مقبرتنا بما أراعنا وشتت انتباهنا
وامتلأت الزنزانة بالجنود الاشاوس .. يتأخر عنهم قائدهم قليلا
فتشوا أجسادنا وما حولنا من متاع بال
وفجاة أخرجوا مذكرة مكتوبة ...
ما يعني وجود قلم وورق ، فلا عمل للأثر إلا الدلالة على المسير
كانت هذه تهمة لا تقل بشاعة عن حيازة المخدرات أو الأسلحة النارية
فنادي كبيرهم ( الحاجات دي بتاع مين ياولاد الـ.... .. )
ومعنى هذه النداء حقيقة هو ( من منكم يريد أن يلج نار الدنيا)
فانبري أيمن قائلا
إنها لي ..
ولم يكن يعلم - أطاب الله مقامه - حقيقة ما تم ضبطه
فهذا لا يهم عنده
المهم هو أن يتحمل الغرم كله ولا ينال إخوانه منه شيئا
سلّوه من بيننا
وذهبوا به
ما أبكانا حقا ان أيمن لم يكد يتعلم القراءة والكتابة
وربما لا يستطيع أن يقرأ للضابط مافي هذه المذكرة فينكشف أمره
... مضت السنون هناك كسيحة تجر الإحدى أخراها ..
ومضي في غياباتها أيمن .. يعلو ويرتقى
لم يبطئ به السعي حتى وطات أقدامه بوابة التعليم العالي ..
وليس أعلى ممن تعلم القرآن وعلمه .. ذلك علمه
الذي يحيه ويحيا به
( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ..) ؟ !
الأنعام :122