فيروز ..
تعودت على أن ادرس على صوت فيروز في الصباح , وعلى صوت ناظم الغزالي بقية النهار .
وتعودت على خدمة العلم المقدسة , لأنها تبدأ في الصباح الباكر مع صوت فيروز , وتنتهي في المساء الباكر على صوت فيروز .
ثم تعودت أن اذهب إلى وظيفتي الرسمية على صوت فيروز , وأعود منها على صوت نشرة الأخبار الوطنية المؤلمة .
ساعدتني فيروز على تجاوز أكثر من عشر سنين موظفا حكوميا تعيسا , من عمر أطول بكثير مما يجب , لولا صوت فيروز .
رافقتني فيروز في صباحات استقلالي المستمرة بقوة العمر الذي يطول ويطول , اقرأ ثم أكتب , محاولا عبور ساعات يوم لا تنتهي بسهولة , في بيئة عربية مقتولة , صوت الحياة الوحيد فيها هو صوت فيروز .
تقول فيروز : اسامينا , شو تعبوا أهالينا ت لاقوها , وشو افتكروا فينا ...
أنا صِرت أحب حجر الفيروز لأنه على اسمها , صِرت أرى تلويناته النقية في صوتها , اعتقد أنها أعطت لهذا الحجر الكريم معناه , أعطته صوتا ليهمس به .
قد يكون الشاعر , هو الأب لكل أغنية عظيمة , هذا صحيح .
وقد يكون اللحن الأنيق , هو الأجنحة التي تحمل كل الكلمات .
ولكن الصوت الشجي , الصوت الملون الفيروزي , هو فعل الولادة نفسه .
لو تغني لي يا فيروز قصيدة , لأصير حيا , لأصير جميلا .
في صوت فيروز , القدس ومكة وعمان والشام وبيروت والإسكندرية ...
في صوتها كل المدن والعواصم .
في صوت فيروز , الحب النقي والحرية الحمراء والصفاء , والعشق الملون بالخجل الخام , وعتق خمرة الأيام تنسكب في بللور القلب وتتعتق وتغفو وتنام .
في صوت فيروز , صوت غابة وجدول ماء ونبع وجرد وبحر ومدينة وعاشقة وسفينة وأميرة ومنارة وميناء ...
سحر صوتك يا فيروزنا , كسحر صوت الريح في غروب خريفي بارد يجادل بود الصفصاف العتيق في "وادي العديدة" .
سحر صوتك يا فيروزنا , كسحر صوت مطر الشتاء يناجي بكبرياء "برج صافيتا" القديم , عاشقين أبديين يغرقان في بوح حميم , خالدِين وإنسان .
سحر صوتك يا فيروزنا , كسحر صوت الربيع يتدفق بأناقة من أيما مكان في بلاد "الكفرون" و "جبل السيدة" و "مشتى الحلو" و "عيون الوادي" و "جنين" و "جبل النبي صالح" و "حصن سليمان" ...
سحر صوتك يا فيروزنا , كسحر صوت البحر على شواطئ "طرطوس" يهمس أسراره العميقة للرمل وللصدف الموشى وللصخور المغطاة بالتاريخ , "لعمريت" من "أرواد" , للصيادين يرفعون الصوت والعين طلبا للرزق الحلال ..
عندما تغني فيروز .. تنقينا .. كأنها .. الأم النار , وكأننا .. الذهب الحر .
عندما تغني فيروز .. تروينا .. كأنها .. النبع المنهل , وكأننا .. الرحّالة الأُولُ .
عندما تغني فيروز .. تعتقنا .. كأنها .. المغارة والدنْ , وكأننا .. خمرة الزمنْ .
عندما تغني فيروز .. تحررنا .. كأنها .. الحلم الرقيق , وكأننا .. الطفل البريء .
يا فيروز ..
أول حبات العنب للطير , تلك بركة ..
أول حبات البيدر للنمل , ذاك خير ..
يا فيروز ..
يا دالية العنب تمتد في طول البلاد المتعبة , فيضي علينا العناقيد والعناقيد , بعضها السكر طعم الأمل , وبعضها الزبيب طعم الزمن , وبعضها الخمرة طعم الحرية ..
يا فيروز ..
يا بيادر الخير , يا غلّة القمح , يا غلال التعب والانتظار , يا آهات المنجل , يا ضمّة السنابل , يا طعم الأمان في ليالي الشتاء , يا بذرة الحياة تعود وتعود , يا انحناءة الغنى والأخريات فارغات ..
كالشمس , ستطلع ما دمنا نستحق نعمة الحياة
كالريح , ستعصف في صمت الوديان
كالقمر , سيسكب في كاسات السهر فضة العشق
كالسفر , سيناديك لترحل وترتحل وترحل
كالندى , سيغسل في الفجر خد الوردة
كالحب , سيظل يخفق في كل قلب
كذلك فيروز ستبقى .
24/7/2010
..