الموضوع: الطبع والتطبع
عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 22-07-2010, 12:26 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
فاكية صباحي
إدارة المنتديات الأدبية
 
الصورة الرمزية فاكية صباحي
 

 

 
إحصائية العضو







فاكية صباحي غير متصل


افتراضي الطبع والتطبع




كم تكون الأرواح سعيدة وهي ترى اليد تجود بخير الله على عباده
الذين ابتلاهم بالفاقة والعوز.. ليختبر صبرهم وجلدهم ،ويضاعف لهم حسناتهم ..وفي ذات الوقت يختبر بهم جود الأتقياء وكرم الأغنياء الذين حباهم بخيره ليرى ماهم به فاعلون..فمن جاد فلقد ضمن الدنيا والآخرة ومن أشاح بوجهه عن محتاج أوفقير فقد فتح على نفسه أبوابا أكبر من أن يغلقها ندمه حين لاينفع الندم ..

فهلموا يامن جُبلتم على الإنزواء بعيدا .. وغضضتم الطرف عن عوز الآخرين ..هلموا إلى واحة هذه الأشهر الفضيلة لتعيدوا رصف لَــَبــِنات أنفسكم من جديد وتعوّدوا اليد على السخاء ..والقلب على الخفقان خارج دائرته المغلقة ليرى هموم الآخرين ويحاول أن يغسل بعضها ولو ببسمة صادقة..


ومما لا شك فيه أيها الأعزاء أن الكرم صفة متجذرة في النفس البشرية لا يمكن اكتسابها ..
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أجود الناس " هكذا عبّر ابن عبّاس رضي الله عنه عن شخصيّته – صلى الله عليه وسلم - شاهدا على كرم متجذر في ذاته – عليه الصلاة والسلام - ولا عجب في ذلك ، فقد كانت تلك الخصلة خُلقاً أصيلاً جُبِل عليه ، ثم ازداد رسوخاً من خلال البيئة العربية التي نشأ فيها وتربّى بين أحضانها ، والشهيرة بألوان الجود والكرم .

وتبيّن لنا أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تحلّيه – صلى الله عليه وسلم - بهذه الخصلة قبل بعثته بقولها الشهير : " إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف "، وكلها صفات تحمل بين طيّاتها أسمى معاني الكرم والجود .

وإذا ما استنطقنا ذاكرة الأيام فإنها ستحكي لنا عن جوانب العظمة في كرم النبي – صلى الله عليه وسلم - ، يستوي في ذلك عنده الفقر والغنى ، وهذا البذل والعطاء كان يتضاعف في مواسم الخير والأيام الفاضلة كشهر رمضان ، فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس ، وأجود ما يكون في شهررمضان ... فالرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أجود بالخير من الريح المرسلة " متفق عليه .


ولقد نال النبي – صلى الله عليه وسلم – أعظم المنازل وأشرفها في صفوف أهل الكرم
والجود فلم يكن يردّ سائلاً أو محتاجاً ، وكان يُعطي بسخاءٍ قلّما يُوجد مثله ، وقد عبّر أحد الأعراب عن ذلك حينما ذهب إليه - صلى الله عليه وسلم – ورأى قطيعاً من الأغنام يملأ الوادي بأكمله ، فطمع في كرمه – صلى الله عليه وسلم – وسأله أن يعطيه كلّ ما في الوادي ، فأعطاه إياه ، ليعود مستبشراً إلى قومه ، قائلا : " يا قوم .. أسلموا .. فوالله إن محمدا ليعطي عطاء من لا يخاف الفقر " رواه مسلم .


ومن صفات الكرم التي ورثها العرب عن محمد صلى الله عليه وسلم ،وبقيت عبرة للأجيال- رغم كونها لا تساوي ذرة أمام كرم نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- هذه القصة :
يحكى في قديم الزمان ، أن رجلا من العرب ركب راحلته وسافر إلى أحد أقاربه، و في طريقه ،اشتد به الجوع والعطش ، فاضطر للنزول عند خيمه تراءت له في الهجير، فاستقبلته المرأه بالترحيب ، ثم أحضرت له الطعام وأجلسته بشق الرجال وعادت إلى شق النساء ، وعند ما فرغ من طعامه ، فاجأه حوار دار بين المرأه وزوجها بعد عودته من المرعى ، إذْ راح يؤنبها على كونها قدمت طعامه للضيف مما جعل الحوار بينهما يتحول إلى شجار عنيف جعل الضيف يركب راحلته ويمضي في هدوء..
ليكمل سفره ..وبعد مسافه ليست بطويله .. رأى خيمه أخرى فتوقف عندها لكي يرتاح ويروي ظمأه .. فلم ترحب به الزوجة..وأخبرته أنها لا تملك له طعاما ، وماكاد يستعد للرحيل حتى سمع صوت صاحب البيت .. وهو يخاطب زوجته ..
من
القادم ؟
قالت :إنه ضيف ..
فقام مسرعا
ورحّب به وأدخله الخيمه ثم أخذ راحلة الضيف وذبحها ،وأمر زوجته بأن تحضر الطعام ..وعند انتهاء الطبخ ..أكرم صاحب البيت ضيفه ، ثم أمر الراعي بأن يأتي بقطيع إبله أمام الخيمه ، و طلب منه أن يختار ماشاء من القطيع عوضا ً عن راحلته التي ذبحت .. فاكتفى بإثنين من القطيع ..وقبل أن يكمل سفره ، ذكر لصاحب الدار ماحدث معه قبل أن يصل خيمته قائلا :
لقد مررت
بأهل بيت ٍ قبلكم وكانت المرأة غاية في الكرم بينما كان الرجل من أبخل الناس، ومررت بكم فوجدت العكس..!
فضحك صاحب الدار وهو يخبره بأن تلك المرأة هي أخته بينما زوجها هو أخ زوجته هذه ..فأدرك الضيف بأن الكرم صفة موروثة بين الأخت وأخيها.


ومن هنا ندرك بأن الكرم طبع يهبه الله لمن شاء من خلقه ولا يمكن أن يكون تطبعا فالبخيل لا يمكن أن يصير كريما حتى وإن تظاهر بالكرم رياءً ..

ولقد كان حاتم الطائي من أكرم العرب ..ويحكى أن أخاه الأصغر ورث هذه العادة بعد موته ..وبدأ يفيض بكرمه كما كان يفعل حاتم

وأكثر قليلا ..فلقد كان حاتم يستقبل الضيف من خارج البيت.. وأصبح هو يخرج له عند قدومه من بعيد ليستقبله ويرحب به، وكان يكرم بكل مالديه لإرضاء الناس حتى ينال مانال أخوه من شهرة بين العرب والناس كافة.. وذات يوم جاءته والدته وقالت له :
يا بني إن أخاك حاتم ذات مرة نحر فرسه وأطعمها لضيفه لأنه لم يكن لديه مايقدمه له والآن أراك تحذو حذوه.. وإنك والله لونحرت ابنك وأطعمته لضيفك لما نلت ماناله حاتم..!

فاستغرب الإبن وقال: لــــَم يا أماه وأنا أفعل ماكان يفعله حاتم وأكثر فقالت له: إن الكرم والجود فطرة في الإنسان تولد معه وأنت عندما كنت ترضعني صغيرا ويبكي طفل قريب منك كنت تتمسك بالثدي بقوة ولا تتركه وتتابع رضاعتك..
بينما كان أخوك حاتم وهو صغير عندما يرضع ويسمع طفلا يبكي يتوقف عن الرضاعة حتى يشرب الطفل أو يتوقف عن البكاء ..فلقد وُلد على هذه الفطرة فلا تــُحمّـل نفسك ماليس لها .. فمهما فعلت لن تصل إلى ماوصل إليه حاتم ... ! وحينها أدرك الإبن كلام أمه وتوقف عن ملاحقة خصال أخيه ومحاولة الوصول الى مكانته.

وهكذا أعزائي ندرك بأن من وُلد كريما سيبقى كذلك حتى وإن كان أفقر الناس..
ومن وُلد على غيرذلك مهما تكرم فإنه سيرجع يوما إلى طبعه ولن ينفع معه أي تطبع.. فحاولوا أيها الأعزاء اغتنام فرصة هذا الشهر الفضيل لتطهروا أنفسكم من شحها وتمدوا أياديكم بما يرضي الله تعالى.. ولا يستصغر أحد منكم معروفا فكل الذي تجود به النفس

هو قرض مدون بصحيفة أعمالها سيعيده الله تعالى أضعافا مضاعفة ولو بعد حين
فكونوا أسخياءً
تسخو لكم الحياة .. وطهروا أموالكم بالزكاة .. وأنفسكم بالصوم والصلاة تبتسم لكم جـِــنان الدنيا والآخرة .. فإن الذي يعطي من رزق الله، يعطيه الله من رزقه بغير حساب ..والذي يبخل بخير الله يبخل الله عليه بخيره.

هدانا الله وإياكم لما فيه خير أمتنا ،وصلاح ديننا ،
ورأب ما تصدع بين بني أمتنا


والسلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته






 
آخر تعديل فاكية صباحي يوم 05-07-2011 في 12:56 PM.
رد مع اقتباس