منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - زمان كان أحلى
الموضوع: زمان كان أحلى
عرض مشاركة واحدة
قديم 04-06-2010, 04:58 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
خالد الطيبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية خالد الطيبي
 

 

 
إحصائية العضو







خالد الطيبي غير متصل


افتراضي رد: زمان كان أحلى

الفصل الأوّل

المشهد الأوّل

ما لا أذكره , أن الستارة انقشعت عن خشبة المسرح الكبير , وقد عُلّقت الشمسُ في أعلى الزاوية حيث لا يُمكن للمُشاهد أن يراها , ودُهنت الخلفيّة بألوان الطيف . الديكورات صُنعت بعنايَة كبيرة , لدرجة أنك ترى التفاصيل الدقيقة بحجم الفيل , والكبيرة كأنّها نملة تتبختر على ظهره . توسّط المسرحَ قصرٌ , عن يمينه مسجدٌ , وكنيسةٌ على شماله , وخلفه رُسِم حقلٌ واسع , فيه بُحيرة أسماك , وعلى شواطئها يلعب الصبية والكِلاب . أمامه بعثروا الناس , وفرشوا سوقا من البرسيم والفواكه الطازجة . ثُمّ , بإطلاق صافرة البدء , حملني أحدهم كجروٍ فاقد الإرادة , ورماني في الشارع المُحاذي لباب المسجد , ليكتمل المشهد , وتبدأ الحِكاية .
قُلتُ في نفسي : سأدخل المسجد لأصلي ركعتي شُكرٍ على الوِلادة . فاقترب مني الشيخ , وهمس بأذني اليُمنى : هل سمعت الأذان ؟ قلتُ : لا . فتحوّل إلى اليُسرى وقال : أقم الصلاة . فانصرفت , وخرجت , لأتعثّر بشحّاذ مدّ قدما , والأخرى تركها , على ما يبدو , في باب الكَنيسة . للّه , صرخ بألم وشيطنة . أحزنني طلبُهُ اللئيم , فبصقت في يده بعضا يسيرا من عرقي , فاحتَجّ في جَيبه قائلا : ساق الله أيام زمان , حين كان الرجُلُ يتقيأ كُلّ ما في جوفه ليُطعم المساكين . لم آبه لمُوائه , فأنا أعرف أن القطط مهما أطعمتها , لا تكف عن التذلّل . لكن صُنّارة أذني التقطت لؤلؤة الزمان من فم الشّحاذ , فرجعتُ إليه مُتدحرجا أسأله : هل قلت شيئا عن الزمن الجميل ؟ قال : أنا لم أعطس بكلمة , لكنّ جيبي تجشّأت من سمين ما أطعمت , وهي لا تشعر بالسعادة التي كانت تتمرّغُ فيها سابقا . قلت : ما السبب ؟ قال : يا بُني , لقد شيّدتُ هذا القصر , وأقمت المسجد , وبنيتُ الكَنيسة , وحلّلتُ البيع والصّيد , وباركت الزراعة والصناعة , ثُمّ أصدرت قوانين التسوّل والتوسّل والسطو والقرصنة , كي أملك الوقت , فضاع من عمري جماله , وأصبحت بلا مأوى من العواصف , ولا ملجأ من القواصِف , ولا منجى من الزواحف . ما إن سمعتُ اعترافه , حتى تبخّر عقلي من حرّ قلبي , فهممت به لأضربه , لكنّ الستارة أُسدِلت من جديد , وبِقدم الشحاذ ركلوني , ومن قَفاي حملوني , وخارج المسرح رموني , لأُصلبَ في مقعدي مع الشاهدين .

يتبع






 
رد مع اقتباس