{مما لَا يَصْلُحُ فِي الصَّلَاةَ}
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ :
بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ ؛
فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ ؛
فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛
فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلا ضَرَبَنِي وَلا شَتَمَنِي ؛
قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ "
قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ وَإِنَّ مِنَّا رِجَالاً يَأْتُونَ الْكُهَّانَ ؛
قَالَ : " فَلا تَأْتِهِمْ " .
قَلت : وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ ؟
قَالَ : " ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلا يَصُدَّنَّهُمْ " .
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ : فَلا يَصُدَّنَّكُمْ .
قُلْتُ : وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ .
قَالَ : " كَانَ نَبِيٌّ مِنْ الأنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ
قال : وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبَـلَ أحد والجوانية ،
فاطّـلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها ،
وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون ،
لكني صككتها صكّـة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظّم ذلك عليّ .
قلت : يا رسول الله أفلا أعتقها ؟
قال : ائتني بها .
فأتيته بها فقال لها : أين الله ؟
قالت : في السماء .
قال : من أنا ؟
قالت : أنت رسول الله .
قال : إعتقها ، فإنها مؤمنة .
رواه مسلم .
فوائد الحديث :
1 – أن الصلاة لا تنقطع بكلام الجاهل والناسي ، بينما تنقطع بكلام العامد .
2 –أن الكلام الذي يكون في الصلاة إذا كان من لفظ القرآن لا تبطل به الصلاة .
3 – التلطّف في تعليم الجاهل ، فقوله : فو الله ما كهرني أي ما انتهرني .
4 – حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ، ورأفته بأمته ، وشفقته بهم .
5 – تحريم إتيان الكهان . والكاهن هو من يدّعي معرفة الحوادث المستقبلية ، ويدّعي معرفة الأسرار .
6 – عدم الإلتفات إلى ما يدور في الصدر من الطيرة والوساوس ونحو ذلك .
7 – معنى " كان نبي من الأنبياء يخطّ "
قال النووي : الصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له ،
ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يُباح ،
والمقصود أنه حرام ؛ لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة ، وليس لنا يقين بها ،
وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فمن وافق خطه فذاك "
ولم يقل : هو حرام بغير تعليق على الموافقة ، لئلا يتوهم متوهّم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخطّ ،
فحافظ النبي صلى الله عليه وسلم على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا ،
فالمعنى أن ذلك النبي لا منع في حقه ، وكذا لو علمتم موافقته ، ولكن لا علم لكم بها .
انتهى .
8 – قِبَـلَ أُحـد والجوانية : أي جهة جبل أحد وموضع يُسمّى " الجوّانيّة " شمال المدينة .
9 – جواز استخدام الجارية " الأمَـة " في الرعي ونحوه .
10 – آسف : أي أغضب .
وهو – رضي الله عنه – قد اعتذر عن نفسه بهذا الأسلوب حيث قال :
وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون . أي أغضب كما يغضبون .
11 – التشديد في حقوق الخلق ، والمُسامحة في حق الله .
فلما أخطأ معاوية رضي الله عنه وتكلّم في الصلاة لم يُعنّفه النبي صلى الله عليه وسلم بل لم ينتهره ،
ولما ذكر ما فعل بالجارية من ضربها ولطمها شدّد النبي صلى الله عليه وسلم عليه ،
لأن ذلك حقّ متعلّق بمخلوق ، وحقوق الخلق مبنيّة على المُشاحّة والمقاصّة .
12 – جواز السؤال بـ : أين الله ؟
والجواب : أنه في السماء .
13 – من شهد أن الله في السماء وشهد للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة حُـكم له بالإيمان ، والسرائر أمرها إلى الله .
أما من شهد أن الله في كل مكان أو أنه لا يعلم أين الله ، فلا يُشهد له بالإيمان .
14 – تشوّف الإسلام إلى العتق ، والمبادرة إليه ، ففي كثير من الكفارات يدخل عتق الرقاب .
والله أعلم .
كتبه
عبد الرحمن بن عبد الله السحيم