مما قرأت
الشتاء لا ينتظر المدفأة
يأتيك المطر حين تدعوه.. يرخُّ عليك شتاءاته المنسية، ويبللك بالفرح.. يرقِّع أثلام حقولك التي تشقق غضارها.. ويسقي بذور حنطتك المخبأة.. ويقول: اغتسل.. الجسد من وجع، والروح من عتمة.. وأنت للحب.. والحب غيومٌ تدثُّر الشمسَ، وترعى في حقول العطش..
تُطل من نافذة النهار، وتقرأ في دفتر السنابل القادمة قصائد مبللة بدموع عاشقة أضناها الجفاف.. تعال أيها المطر واغسل جروح القلب.. أنت عَذبٌ والدموع مالحة.. أنت واضح، والخيانات عكرة.. أنت، أنت.. تعبئ أكياس المتعبين بالأحلام.. ثم تنساهم عند تخوم البيدر.. المتعبون وحدهم يخرجون لغسل غبارهم تحت عزف أوتارك.. وحدهم يستمعون لغنائك الحنون.. وينتظرون الرجاء، وأطياف الرغيف... الأمنية تخرج من نقاء كلماتهم.. ثم يأتي الغيم فينتظرون عودة السنونو المهاجر..
يصبح الجُدبُ أطول من موت... وتقول الغزالة العاشقة لشاعرها العاشق: كنتَ تغرِّدُ أنهاراً من أغنيات حلوة.. وتسكب عطراً فوق أجنحة روحي.. كلماتك كانت جدولاً، وأنا الحبق النابت على ضفتيه.. وها أنا أذبل، مثل شجرة غادرتها العصافير، مثل أم جف حليبها.. مثل قنديل بلا زيت..
يهز الشاعر رأسه: ذلك صحيح مثل آية في كتاب.. لكن المطر يأتي من غيم، والغيم من بحر، والبحر من أنهار تصبُّ فيه، والأنهار من ثلج... منذ زمن أفتح دفتري.. ثم أجد القلم الذي بين أصابعي جفَّ حبره... الأمر يشبه نحت تمثال حجري بمطواة من خشب.. وتعرفين، يا غزالة الروح.. نحن لا نشعل المدفأة كي يأتي الشتاء.. ولا نرفع برعم ورد كي يأتي الربيع.. ولا نصفق لكروم الصيف كي تتكور عناقيدها.. ولا نمشي تحت المظلة كي يهطل مطر في تشرين... لا يمكن قطف زهرة بيضاء من كيس فحم... وعبثاً يمكن غسل كلب أسود، ليصبح كلباً أبيض...
تقول الغزالة: أعرف أن الشعراء تسكن الأحلام في خلاياهم، وتعصف الأماني في أروقة شرايينهم.. تعال نصعد إلى ذروة هذا الجبل.. وننادي الغيوم والمطر.. أنا أومن أن صلوات العشاق لا تخيب... وها عاشقان يصعدان.. يعاندان الشعاف الصعبة.. يصلان إلى الذروة.. يستجديان الرياح... ها ثمة غيوم قاتمة تقترب.. ثمة برق ورعد، ثمة رائحة رطبة تتغلغل في الأنف.. وثمة شاعر نسي ارتداء معطفه الواقي.. وثمة غزالة نسيت شالها فوق سياج الدار...
وها المطر يأتيك حين تدعوه.. يرخُّ عليك شتاءاته المنسية، ويبللك بالفرح.. ويأتيك كما الحُبُّ.. من دون مواعيد دقيقة، كدقات الساعات المنسية حول المعاصم..
المطر يأتي حين تدعوه..
المطر يأتي حين يستدعيه عاشقان في حقل أضناه الجفاف..
ــ
وليد معماري