عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 09-05-2010, 01:40 PM   رقم المشاركة : 557
معلومات العضو
سلمى رشيد
نائب المدير العام
 
الصورة الرمزية سلمى رشيد
 

 

 
إحصائية العضو







سلمى رشيد غير متصل


افتراضي رد: أقلام هذا الصباح(5) فضاء واسع من المواضيع المتنوعة،شاركونا.صباح الخير من أقلام

صباح الخير أخي عبد السلام

ابجديات صفر ..

في الحضور وفي الغياب!؟

علي الخليلي

كم كتاباً تقرأ في السنة؟ في كل خمس سنوات؟ عشر سنوات؟ على مدار عمرك كله؟ صفر، وقد رضيتَ بما أنت فيه على راحة البال، وحُسن السيرة والسلوك! أو بعده بمنزلة واحدة، لفئة قليلة جداً، لن يغريك حالها أبداً، بما لها في هذه المنزلة الموحشة، من الكد والشد، والنكد والكبد!
دراسات إحصائية عديدة يتم نشرها ما بين حين وآخر، عن وضع الكتاب في عالمنا العربي، تكشف كلها دون استثناء، بمختلف مصادرها ومستوياتها، عن الكارثة الثقافية التي تصفع وجوهنا بالقول إن المواطن العربي لا يقرأ بشكل عام، وإن قرأ أصلاً، فقراءته متباعدة ومشتتة، وهي في الغالب، للكتب الغيبية فحسب. أما الأنكى من الكارثة ذاتها، فعدم اكتراثنا بها، وبهذا الصفع المتكرر، كأن وجوهنا قدت من البلاستيك. أو كأن غيابنا المفزع عن الكتاب، لا فزع فيه ولا جريمة أو فضيحة، باعتبار ما نعتبر أن ما نراه في هذا الوضع، بوضوح وعلى أكمل وجه، هو حضورنا الطبيعي والمنطقي، في اليباس والجفاف. صفر في الحضور وفي الغياب. وإلا، هل نحن غير نحن؟.
آخر هذه الدراسات ما صدر في الأسبوع الماضي، عن معرض تونس الدولي للكتاب في دورته الثامنة والعشرين. تخلص واحدة من نتائج هذه الدراسة، وفق خبر صغير وعابر عنها، أن نحو اثنين وعشرين بالمائة من التونسيين لم يقرأوا كتاباً واحداً في حياتهم.
مجرد خبر لا قيمة له، في الصفحات الداخلية، لجريدة أو جريدتين. ولا أحسب أن شعرة اهتزت في رأس عربي لهذه النسبة التي لا تخص تونس وحدها على أية حال. فـ "الحال من بعضه" على امتداد العرب أجمعين. ثم إن معظم البقية الباقية التي قرأت كتاباً واحداً أو كتابين في العمر كله، هي في الواقع، بقية معزولة عن المفهوم الثقافي للقراءة. أي إنها تقرأ باجتزاء مضطرب لا أثر له في ذاكرة أو وعي.
إلى ذلك، لا أدري لماذا تقام معارض الكتب في العواصم العربية؟ للزينة ربما! لرفع العتب على الصعيد الرسمي جدا؟ للتقليد الأعمى لما تفعله العواصم الأخرى في العالم؟ ويكاد يفلقني من الغيظ والحيرة أن يكون ثمة ناشرون عرب؟ لعلهم مجانين حقا؟ أو لعل جنونهم ذاته مجنون، كقول من قال في صاحبه "جنونك مجنون، ولست بواجد طبيبا يداوي من جنون جنون". ويجوز أنهم من نسل أولئك الذين سبق أن جمع حكاياتهم أبو القاسم بن الحسن محمد بن حبيب النيسابوري، وأصدرها قبل ألف سنة، في كتاب يحمل عنوان "عقلاء المجانين"، الذي صدر بعضه مؤخرا، ضمن سلسلة "كتاب في جريدة".
ولا بد أن صديقي فتحي البس صاحب دار الشروق للنشر في رام الله وعمان، واحد من هؤلاء. وإلا، كيف صار أن يضع على حين غرة، كل تحويشة العمر في مشروع يقوم على الجنون؟ ثم يصرّ، و"حياة راس حبابة"، على المواصلة والاستمرار؟ شروق مجنون يخترق العتمة العاقلة؟ تناقض أم طباق؟ ولكنها لغة لعوب في السياق، فلا طب ولا دواء!.
أما عن الكُتـّاب العرب الذين يكتبون ويسعون على رموش عيونهم المعمسة وشرايينهم المتيبسة، لنشر كتبهم، فما من تسمية لهم بعد. شيء ما أكثر من الجنون، وأبعد من جنون الجنون. وشيء ما يصل إلى حد القطيعة التامة معهم، وبهم، وما بينهم أيضاً.
ولأنني جزء من هذا الشيء الغرائبي، أو من جنون هذا الجنون، فقد اتصلت قبل بضعة أيام، بصديقي نفسه فتحي البس، عارضاً عليه أن ينشر مجموعتي الشعرية الجديدة التي اخترت لها عنوان "شرفات الكلام"، وأنا أحس كطائر عجوز منتوف الريش، أنني أشرفُ من خلالها على ركام كتبي الأربعين التي سبق لي أن نشرتها أو نتفتها ريشة بعد ريشة، على مدار خمسين عاماً، لأقفل بها بوابة أرذل العمر على السبعين. ولكن صديقي الطيب فتحي البس قال لي: هيهات! هيهات! يعني أن جنون الجنون له في المحصلة ما له من وقفة عند هذا الشيء. لا مجال للنشر. نقطة ولا سطر بعدها. فهل صار صديقي من مجانين العقلاء فجأة؟ أم إنني أغرق وحدي في البحث عن صورة لي منعكسة في المرآة المحطمة؟ مرآتي بالضرورة. ولا مجال للكتابة والتأليف بالتالي. ولكن الجنون فنون. ومن فنونه هذا العته المتفوق على حاله، بمزيد من الكتابة والتأليف، ولو تحت هيهات، هيهات!.
قل لي أخيراً، لماذا لا يقرأ العرب؟ نقص في الأنفس والأموال؟ أم إنه فيض زائد عن الحد، إلى حد النتنة. ألم يقولوا هم أنفسهم، في الكثرة نتنة؟ ويجوز أن السؤال الأهم، هو لماذا يقرأ الواحد منهم، طالما أن القارئ وسواه في هذه الكثرة/ النتنة، واحد؟ وقد يكون "سواه" هو الأفضل، في الرأي العام!.
ولا تقل لي حرفاً، لماذا يكتب الكُتـّّاب العرب، نثراً أو شعراً سيان. ذلك أعلى درجات بما لا طاقة لك به، من جنون الجنون. سلامة عقلك!.