عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 12-04-2006, 08:54 PM   رقم المشاركة : 23
معلومات العضو
رائد الحاج عثمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







رائد الحاج عثمان غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى رائد الحاج عثمان إرسال رسالة عبر Yahoo إلى رائد الحاج عثمان

افتراضي

وفجأة تدفق في الغرفة جو الحداد الذي كان ، واخذت الدموع تكر على وجنتي فارس وهو واقف هناك . تلك ايام قديمة ، الا انها تدفقت الان كأن البوابات التي كانت تحبسها قد انفتحت على مصاريعها:

كان اخوه بدر اول من حمل السلاح في منطقة العجمي في الاسبوع الاول من كانون الاول عام 1947 ، ومنذ ذاك تحول المنزل الى ملتقى للشبان الذين كانوا يملؤون ملعب الارثوذكسية انذاك بعد ظهر كل يوم. اما الان فقد تغير كل شيء، وانخرط بدر في القتال ، كأنه كان ينتظر ذلك اليوم منذ طفولته ، وفي السادس من نيسان عام 1948 جيء ببدر الى الدار محمولاً على اكتاف رفاقه، كان مسدسه ما زال في وسطه، اما بندقيته فقد تمزقت مع جسده بقذيفة تلقاها وهو على طريق تل الريش . وشيعت العجمي جثمان بدر كما يتوجب على الرفاق ان يشيعوا الشهيد. ثم جيء بصورته مكبرة ، وذهب رفيق من رفاقه الى شارع اسكندر عوض حيث كتب خطاط هناك كان اسمه ((قطب)) يافطة صغيرة تقول ان بدر اللبدة استشهد في سبيل تحرير الوطن . وحمل طفل ما تلك اليافطة في مقدمة الجنازة وحمل طفلان صورته ، وفي المساء اعيدت الصورة الي البيت ، وربط شريط الحداد الاسود على زاويتها اليمنى .

انه ما زال يذكر كيف رفعت امه كل الصور التي كانت معلقة على جدران غرفة الجلوس، وعلقت صورة بدر على الجدار الذي يقابل الباب. ومنذ تلك اللحظة فاحت في الغرفة رائحة الحداد الحزين ، وظل الناس يأتون فيجلسون في الغرفة وينظرون الى الصورة ويقدمون التعازي.

كان فارس، من المكان الذي يقف فيه، يستطيع ان يرى المسامير التي كانت تحمل صوراً اخرى قبل عشرين سنة تطل برؤوسها من الجدران العارية. وبدت له كأنها رجال يقفون بالانتظار ، امام تلك الصورة الكبيرة لاخيه الشهيد ، بدر اللبدة ، معلقة وحدها ، متشحة بالسواد، في صدر الغرفة .

وقال الرجل لفارس:

- "ادخل . اجلس في الداخل . دعنا نتحدث قليلاً . لقد انتظرناكم طويلاً ، وكنا نريد ان نراكم في مناسبة غير هذه ".

ودخل فارس ، كأنه يمشي عبر حلم لا يصدق ، وجلس في مقعد يواجه صورة شقيقه . تلك هي المرة الاولى التي يرى فيها صورة اخيه بدر منذ عشرين سنة ، فحين خرجـوا من يافا ( حملتهم الزوارق من منطقة تقع الى الشمال من شط الشباب، واتجهت نحو غزة ، الا ان اباه عاد فهاجر الى الاردن) لم يحملوا شيئاً معهم، ولا حتى صورة صغيرة لبدر الذي ظل هناك .

ولم يستطيع فارس ان ينطق الا بعد ان دخل طفلان الى الغرفة ، واخذا يركضان بين المقاعد ، ثم خرجا صاخبين كما دخلا، وقال الرجل:
- "انهما سعد وبدر . ابناي".
_ "بدر"؟
- "اجل سميناه على اسم اخيك الشهيد"..
- "والصورة؟".

ووقف الرجل وقد تغير وجهه ، ثم قال:
- "أنا من يافا . من سكان المنشية . وفي حرب 1948 هدمت قنابل المورتر بيتي. لست اريد ان اروي لك الان كيف سقطت يافا. وكيف انسحبوا ، اولئك الذين جاؤوا لينجدونا، لحظة المأزق. ذلك شيء راح الان.. المهم انني حين عدت مع المقاتلين الى المدينة المهجورة اعتقلونا. وامضيت فترة طويلة في المعتقل . ثم حين اطلقوني رفضت ان اغادر يافا، وقد عثرت على هذا البيت ، واستأجرته من الحكومة."

- "والصورة؟".

- "حين جئت الى البيت كانت الصورة اول شيء شاهدته وربما كنت استأجرت البيت بسببها . ذلك شيء معقد ولا استطيع ان اشرحه لك ، ولكن حين احتلوا يافا كانت مدينة شبه فارغة ، وبعد ان خرجت من السجن شعرت بأني محاصر . لم اشهد عربياً واحداً هنا . كنت وحدي جزيرة صغيرة معزولة في بحر مصطخب من العداء. ذلك العذاب لم تجربه انت، ولكن انا عشته.

وحين شهدت الصورة وجدت فيها سلوى . وجدت فيها رفيقاً يخاطبني ويتحادث الي يذكرني بأمور اعتز بها واعتبرها اروع ما في حياتنا . قررت عندها استئجار البيت، ففي ذلك الوقت – تماماً كما هو الامر الان- يبدو لي ان يكون الانسان مع رفيق له حمل السلاح ومات في سبيل الوطن شيئاً ثميناً لا يمكن الاستغناء عنه. ربما كان نوعاً من الوفاء لاولئك الذين قاتلوا . كنت اشعر انني لو تركته لكنت ارتكبت خيانة لا اغتفرها لنفسي . لقد ساعدني ذلك ليس على الرفض فقط، ولكن البقاء .. هكذا ظلت الصورة هنا . ظلت جزءاً من حياتنا ، انا وزوجتي لمياء وابني بدر وابني سعد وهو ... اخوك بدر ، عائلة واحدة ، عشنا عشرين سنة معاً . كان شيئاً مهماً بالنسبة لنا...".

وظل فارس حتى منتصف الليل جالساً هناك، ينظر الى شقيقه بدر يبتسم في الصورة ، مليئاً بالشباب والعنفوان ، تحت ذلك الوشاح الاسود ، كما كان يفعل طوال عشرين سنة ، وحين قام ليعود سأل ان كان يستطيع استرداد الصورة ، وقال الرجل:
- "طبعاً تستطيع . انه شقيقك بعد كل شيء وقبل اي شيء اخر".

وقام فأنزل الصورة عن الجدار ، وبدا المكان الذي خلفته الصورة وراءها مستطيلاً باهتاً من البياض الذي لا معنى له ، والذي يشبه فراغاُ مقلقاً .

وحمل فارس الصورة معه الى السيارة ، وعاد الى رام الله وكان طوال الطريق ينظر اليها متكئة الى جانبه على المقعد ، ويطل منها بدر وهو يبتسم تلك الابتسامة الشابة المشرقة، وقد ظل يفعل ذلك حتى اجتاز القدس ، وصار على الطريق المتجه نحو رام الله ، وعندها فقط انتابه شعور مفاجيء بأنه لا يملك الحق في الاحتفاظ بتلك الصورة ، ولم يستطيع ان يفسر الامر لنفسه، الا انه طلب من السائق العودة الى يافا ، ووصلها في الصباح .

صعد السلم مرة اخرى بخطى بطيئة وقرع الباب وقال له الرجل وهو يتناول الصورة منه :

- "شعرت بفراغ مروع حين نظرت الى ذلك المستطيل الذي خلفته على الحائط . وقد بكت زوجتي ، واصيب طفلاي بذهول ادهشني . لقد ندمت لانني سمحت لك باسترداد الصورة ، ففي نهاية المطاف هذا الرجل لنا نحن . عشنا معه وعاش معنا وصار جزءاً منا . وفي الليل قلت لزوجتي انه كان يتعين عليكم ، ان اردتم استرداده ، ان تستردوا البيت ، ويافا ، ونحن ... الصورة لا تحل مشكلتكم ، ولكنها بالنسبة لنا جسركم الينا وجسرنا اليكم" .
وعاد فارس وحده الى رام الله ، وقال سعيد س . لزوجته:
- "فارس اللبدة ، لو تعرفين ..".

وهمس بصوت لا يكاد يسمع :
- "انه يحمل السلاح الان".


وعلى الطريق هدر صوت محرك ، ودخلت ميريام الى الغرفة ووجهها يعلوه اصفرار مفاجيء ، كانت الساعة قد قاربت منتصف الليل ، وتقدمت العجوز القصيرة بخطى بطيئة نحو النافذة ، فأزاحت الستائر برفق ، ثم اعلنت بصوت مرتجف :

- " ها هو دوف . لقد جاء!".

جاءت الخطوات على الدرج شابة ، ولكنها متعبة ، وتتبعها (سعيد س.) واحدة بعد الاخرى وهي تصعد السلم منذ ان استمع ، واعصابه مشدودة ، الى صوت البوابة الحديدية تصطفق ثم تنغلق بالمزلاج.

وامتدت اللحظات طويلة يكاد صمتها يضج بطنين جنوني لا يحتمل . ثم سمع صوت المفتاح يعالج الباب ، وعندها فقط نظر نحو ميريام ورأى – للمرة الاولى – انها جالسة هناك ، مصفرة الوجه وترتجف . ولم يكن لديه مقدار من الشجاعة يكفى للنظر الى صفية ، فثبت عينيه ناحية الباب مستشعراً العرق يتفصد بقوة من جميع خلايا جسده دفعة واحدة .

وكانت اصوات الخطوات في الممر مكتومة ومحتارة بعض الشيء ، ثم جاء صوت متردد ، نصف عال ، ينادي : "ماما".

وارتجفت ميريام قليلاً ، وأخذت تفرك راحتيها ، فيما استمع سعيد س. الى زوجته ، تشرق بدمعها بصوت لا يكاد يسمع . وفي الخارج توقفت الخطوات قليلاً وكأنها تنتظر شيئاً ، ثم جاء الصوت نفسه مرة اخرى ، وحين صمت اخذت ميريام تترجم بصوت مرتجف هامس:
- "انه يسأل لماذا أنا في الصالون حتى هذه الساعة المتأخرة ؟".

وعادت الخطوات تتجه نحو الغرفة ، وكان الباب موارباً ، وقالت ميريام بالانكليزية :


- " تعال يا دوف ، يوجد ضيوف يرغبون برؤيتك ".

وانفتح الباب بشيء من البطء ، ولاول وهلة لم يصدق ، فقد كان الضوء عند الباب باهتاً ، ولكن الرجل الطويل القامة خطا الى الامام . كان يلبس بزة عسكرية ، ويحمل قبعته بيده.

وقفز سعيد واقفاً كأن تياراً كهربائياً قذفه عن المقعد ، ونظر نحو ميريام وهو يقول بصوت متوتر :

- "هذه هي المفاجأة ؟ اهذه هي المفاجأة التي اردت منا انتظارها ؟".

واستدارت صفية نحو النافذة ، تخفي وجهها براحتيها وتنشج بصوت مسموع .

اما الرجل الطويل القامة فقد ظل مسمراً امام الباب ، ينقل بصره نحو الثلاثة محتاراً ، وعندها فقط قامت (ميريام) ، وقالت للشاب بهدوء مفتعل وبطيء :

- " اريد ان اقدم لك والديك ... والديك الاصليين" .

وخطا الشاب الطويل القامة خطوة بطيئة الى الامام ، وتغير لونه فجأة وبدا انه فقد ثقته بنفسه دفعة واحدة . ثم نظر الى بزته وعاد ينظر الى سعيد ، الذي كان واقفاً ما يزال امامه يحدق اليه . وأخيراً قال الشاب بصوت خفيض :

- " أنا لا أعرف أماً غيرك ، أما أبي فقـد قتل في سـيناء قبل 11 سنه ، ولا اعرف غيركما ".

وعاد سعيد الى الوراء خطوتين ، ثم جلس مكانه وأخذ راحة صفيه بين يديه ، وادهشه – بينه وبين نفسه – كيف استطاع ان يسترد هدوءه بهذه السرعة . ولو قال له اي انسان قبل خمس دقائق فقط انه سيكون جالساً هناك بمثل هذا الهدوء لما صدقه ، أما الان فقد تغير كل شيء .

ومضت لحظات بطيئة ، كان كل شيء فيها ساكناً تماماً . ثم اخذ الشاب الطويل القامة يخطو ببطء : ثلاث خطوات نحو الباب ثم عودة نحو وسط الغرفة . وضع قبعته على الطاولة ، وبدت قرب المزهرية الخشبية وريش الطاووس فيها شيئاً غير مناسب ، والى حد ما مضحكاً . وفجأة انتاب سعيد شعور غريب بأنه ما زال يشاهد مسرحية معدة سلفاً بدقة ، وتذكر مشاهد درامية مفتعلة في افلام رخيصة تستدر توتراً تافهاً .

وتقدم الشاب من ميريام ، وأخذ يقول لها بصوت اراد منه أن يكون قاطعاً ونهائياً ومسموعاً تماما :

- " وماذا جاءا يفعلان ؟ لا تقولي انهما يريدان استرجاعي !".

وقالت ميريام بصوت مماثل :
- " اسألهما ".

واستدار كقطعة خشب ، كأنه ينفذ امراً ، وسأل سعيد :

-" ماذا تريد يا سيدي ؟".

وظل سعيد محتفظاً بهدوئه الذي بدا له لحظتذاك مجرد قشرة رقيقة تخفي لهباً كامناً ، وبصوت خفيض قال :

- " لاشيء . لا شيء .. انه مجرد فضول ، كما تعلم ".

وخيم صمت مفاجيء ، فيما ارتفع صوت صفيه بالنشيج وكأنه صادر من مقاعد متفرج هش التأثر . ونقل الشاب بصره مرة اخرى : من سعيد الى ميريام ثم الى قبعته المتكئة على المزهرية ، وارتد الى الوراء كأن شيئاً دفعه بقوة نحو المقعد المجاور لميريام ،وجلس فيه وهو يقول :

- " لا . ذلك شيء مستحيل ، لا يصدق ..".

وسأل سعيد ، بهدوئه المفاجيء :

- " أنت في الجيش ؟ من تحارب ؟ لماذا ؟".

وانتفض الشاب واقفاً فجأة :

- " ليس من حقك ان تسأل هذه الاسئلة . انت على الجانب الاخر ".

- "انا ؟ انا على الجانب الاخر ".

وضحك بقوة ، وشعر بأنه عبر تلك القهقهة العالية كان يدفع بكل ما في صدره من اسى وتوتر وخوف وفجيعة الى الخارج ، ورغب فجأة في ان يظل يقهقه ويقهقه حتى ينقلب العالم كله ، او ينام ، او يموت ، او يندفع خارجاً الى سيارته ، الا الا ان الشاب قاطعه بحدة :

- " لست ارى سبباً للضحك ".

- "أنا ارى ".

وضحك لفترة قصيرة فحسب ، ثم صمت كما تفجر ، واتكأ على مقعده مستشعراً تجدد الهدوء ، واخذ يبحث في جيبه عن سيكارة . وامتد الصمت طويلاً الا ان صفية ، التي عادت فهدأت نفسها سألت بصوت خفيض : " الا تشعر بأننا والداك ؟".

ولم يعرف احد لمن كان السؤال . فلا شك ان ميريام لم تفهم ، ولا الشاب الطويل القامة . اما سعيد فلم يرد : كان قد انهى سيكارته في تلك اللحظة فقام الى الطاولة ليطفئها واضطر – كي لا يفعل ذلك – ان يزحزح القبعة من مكانها ، وفعل ذلك وهو يبتسم بسخرية ، ثم عاد الى مكانه وجلس .

وعندها قال الشاب ، وقد تغير صوته تماماً :

- " دعونا نتحدث كأناس متحضرين".

واخذ سعيد يضحك مرة اخرى ، ثم قال :

- " أنت تريد ان تفاوض ... اليس كذلك ؟ كنت تقول انك ، او انني ، في الجهة الاخرى .. ماذا حدث ؟ هل تريد ان نفاوض ام ماذا؟".


وسألته صفيه مستثارة :

- "ماذا قال ؟".

- " لا شيء ".
-
وعاد الشاب فوقف ، واخذ يتحدث وكأنه حضر تلك الجمل منذ فترة طويلة :

-" انا لم اعرف ان ميريام وايفرات ليسا والدي الا قبل ثلاث او اربع سنوات . منذ صغري وانا يهودي . اذهب الى الكنيس والى المدرسة اليهودية واكل الكوشير وادرس العبرية . وحين قالا لي – بعد ذلك – ان والدي الاصليين هما عربيان ، لم يتغير اي شيء . لا ، لم يتغير . ذلك شيئ مؤكد .. ان الانسان هو في نهاية الامر قضية ".

- " من قال ذلك ؟".

- " قال ماذا ؟".

- "من الذي قال ان الانسان هو قضيه ؟".

- " لا اعرف ، لا اذكر .. لماذا تسأل ؟".

- لمجرد الفضول ، الصحيح لمجرد ان ذلك بالضبط ما كان يدور في بالي هذه اللحظة .

- " ان الانسان هو قضية؟".

- " بالضبط ".

- " اذن لماذا جئت تبحث عني ؟".

- " لست ادري . ربما لانني لم اكن اعرف ذلك ، او كي أتأكد منه اكثر . لست ادري ، على اي حال لماذا لا تكمل ؟".

وعاد الشاب الطويل القامة يمشي وهو يعقد كفيه وراء ظهره : ثلاث خطوات نحو الباب وثلاث خطوات نحو الطاولة . لقد بدا تلك اللحظة وكأنه حفظ عن ظهر قلب درساً طويلاً ، وانه حين قوطع في وسطه ، لم يعد يعرف كيف يكمله ، وهو يسترجع صامتاً ، في رأسه ، الجزء الاول كي يصير بوسعه المتابعة ، وفجأة قال :

- " بعد ان عرفت انكما عربيان كنت دائماً اتساءل بيني وبين نفسي : كيف يستطيع الاب والام ان يتركا ابنهما وهو في شهره الخامس ويهربان ؟ وكيف يستطيع من هو ليس امه وليس اباه ان يحتضناه ويربياه عشـرين سـنه ؟ عشـرين سنه ؟ اتريد ان تقول شيئاً يا سيدي ؟".

- " لا".
قال سعيد باختصار حاسم ، واشار له بيده كي يتابع :

- " انني في قوات الاحتياط الان ، لم يقدر لي خوض معركة مباشرة الى الان لاصف لك شعوري ، ولكن ربما في المستقبل استطيع ان اؤكد لك مجدداً ما سأقوله الان : انني انتمي الى هنا ، وهذه السيدة هي امي ، وانتما لا اعرفكما ولا اشعر ازاءكما بأي شعور خاص ".

- " لا حاجة لتصف لي شعورك فيما بعد ، فقد تكون معركتك الاولى مع فدائي اسمه خالد ، وخالد هو ابني ، ارجو ان تلاحظ انني لم اقل انه اخوك ، فالانسان كما قلت قضيه ، وفي الاسبوع الماضي التحق خالد بالفدائيين ... اتعرف لماذا اسميناه خالد ولم نسمه خلدون ؟ لاننا كنا نتوقع العثور عليك ، ولو بعد عشرين سنة ، ولكن ذلك لم يحدث . لم نعثر عليك .. ولا اعتقد اننا سنعثر عليك ".

ونهض سعيد س . متثاقلاً . الان فقط شعر انه متعب ، وانه هدر عمره بصورة عابثة . وساقه هذا الشعور الى كابة لم يكن يتوقعها ، واحس بأنه على وشك ان يبكي ، فقد كان يعرف انه كذب ، وان خالداً لم يلتحق بالفدائيين . وفي الواقع كان هو الذي منعه . بل مضى ذات يوم الى حد تهديده بالتبرؤ منه ان هو عصا ارادته والتحق بالمقاومة . وبدت له الايام القليلة الماضية مجرد كابوس انتهى على صورة مفزعة ، اهو نفسه الذي كان قبل ايام يهدد ابنه خالد بالتبرؤ من ابوته له ؟ اي عالم عجيب لا يصدق . الان لا يجد شيئاً ليدافع به عن نفسه امام تبرؤ هذا الشاب الطويل القامة من بنوته له الا افتخاره بأبوته لخالد ، خالد نفسه الذي حال دونه ودون الالتحاق بالفدائيين بذلك السوط التافه الذي كان يسميه الابوة ! من يدري ، فربما اقتنص خالد الفرصة اثناء وجوده هو في حيفا فهرب ... اه لو فعل ! كم سيكون من المخيب لكل قيم هذا الوجود ان هو عاد الى اليبت فوجد خالد بانتظاره !.

مشى سعيد خطوتين واخذ ، مره اخرى ، يعد ريشات الطاووس الخمس التي كانت في المزهرية الخشبية ، ولاول مره منذ دخل الشاب الطويل القامة الى الغرفة ، نظر الى ميريام ، وببطء قال لها :

-" انه يتساءل كيف يترك الاب والام ابنهما الرضيع في السرير ويهربان ... انت يا سيدتي لم تقولي له الحقيقة ، وحين رويتها له كان الوقت قد مضى ، انحن الذين تركناه ؟ انحن الذين قتلنا ذلك الطفل قرب كنيسة بيت لحم في الهادار ؟ الطفل الذي كانت جثته ، كما قلت لنا ، اول شيء صدمك في هذا العالم الذي يسحق العدل بحقارة كل يوم .. ربما كان ذلك الطفل هو خلدو ! ربما كان ذلك الشيء الصغير الذي مات ذلك اليوم التعيس خلدون... بل إنه خلدون ، وانت كذبت علينا أنه خلدون ، وقد مات ، وهذا ليس الا طفلا يتيما عثرت عليه في بولونيا ، او انكلترا".

كان الشاب طويل القامه ينكفئ على نفسه كشيء محطوم في كرسيه ، وقال سعيد لنفسه :
-" لقد فقدناه ، ولكنه بلا ريب فقد نفسه بعد هذا كله ، ولن يكون ابدا كما كان قبل ساعة " وأعطاه هذا الاعتقاد شعورا غامضا بارتياح لا يفسر ، وذلك كان ما دفعه نحو الكرسي الذي كان الشاب طويل القامة جالسا فيه ، ووقف امامه وقال :
-" الانسان في نهاية المطاف قضية ، هكذا قلت ، وهذا هو الصحيح ، ولكن أية قضية ؟ هذا هو السؤال ! فكر جيدا . خالد هو ايضا قضية ، ليس لأنه ابني ، ففي الواقع ... دع تلك التفاصيل ، على أية حال ، جانبا... إننا حين نقف مع الإنسان فذلك شيء لا علاقة له بالدم واللحم وتذاكر الهوية وجوازات السفر ... هل تستطيع أن تفهم ذلك ؟ حسنا ، دعنا نتصور أنك استقبلتنا –كما حلمنا وهما عشرين سنة- بالعناق والقبل والدموع ... أكان ذلك قد غير شيئا؟ إذا قبلتنا أنت ، فهل نقبلك نحن؟ ليكن اسمك خلدون أو دوف او اسماعيل او اي شيء آخر ... فما الذي يتغير ؟ ومع ذلك فأنا لا أشعر بالاحتقار إزاءك ، والذنب ليس ذنبك وحدك ، ربما سيبدأ الذنب من هذه اللحظه ليصبح مصيرك ، ولكن قبل ذلك ماذا؟ أليس الانسان هو ما يحقن فيه ساعة وراء ساعة ويوما وراء يوم وسنة وراء سنة ؟ إذا كنت أنا نادما على شيء فهو انني اعتقدت عكس ذلك طوال عشرين سنة "!

وعاد يجر خطواته ، محاولا أن يبدو أهدأ ما يكون ، عائدا الى مقعده ، إلا أنه في تلك الخطوات القليلة التي كانت تمر عبر الطاولة المصدفة ، بريش الطاووس الذي يتمايل في المزهرية الخشبية وسطها ، بدت له الأشياء مختلفة تماما عما كانت عليه حين دخل هذه الغرفة للمرة الأولى قبل ساعات ، وسأل نفسه فجأة : ما هو الوطن؟ وابتسم بمرارة ، وأسقط نفسه ، كما يسقط الشيء في مقعده ، وكانت صفية تنظر اليه قلقة ، وتفتح في وجهه عينين متسائلتين ، وعندها فقط خطر له أن يشاركها في الأمر، فسألها :
-"ما هو الوطن ؟".

وارتدت الى الوراء مندهشة وهي تنظر اليه كمن لا يصدق ما سمع ، ثم سألته برقة يكتنفها الشك :
-" ماذا قلت؟".

-" سألت : ما هو الوطن؟ وكنت أسأل نفسي ذلك السؤال قبل لحظة . أجل ما هو الوطن؟ أهو هذان المقعدان اللذان ظلا في هذه الغرفة عشرين سنة ؟ الطاولة ؟ ريش الطاووس ؟ صورة القدس على الجدار؟ المزلاج النحاسي ؟ شجرة البلوط؟ الشرفة ؟ ما هو الوطن ؟ خلدون؟ أوهامنا عنه ؟ الأبوة؟ البنوة؟ ما هو الوطن ؟ بالنسبة لبدر اللبدة ، ما هو الوطن؟ أهو صورة أية معلقة على الجدار؟ أنني أسأل فقط".

ومرة جديدة ، ومفاجئة أخذت صفية تبكي ، وتجفف دموعها بمنديلها الأبيض الصغير ، وقال سعيد لنفسه وهو ينظر اليها:" لقد شاخت هذه المرأة حقا ، واستنزفت شبابها وهي تنتظر هذه اللحظة ، دون أن تعرف أنها لحظه مروعة ".

وعاد فنظر الى (دوف) وبدا له مستحيلا تماما أن يكون هذا الشاب من صلب تلك المرأة ، وحاول أن يستشف شبها ما بينه وبين خالد ، إلا انه لم يعثر على إيما شبه بين الرجلين ، بل رأى بصورة ما تضادا بينهما يكاد يكون متعاكسا تماما ، واستغرب أن يكون قد فقد ايما عاطفة إزاءه ، وتصور أن مجموع ذاكرته عن (خلدون) كانت قبضة من الثلج أشرقت عليه فجأة شمس ملتهبة فذوبتها.







التوقيع

أقسمت ويشهد لي قسمي
سأفدي شموخك يا علمي
ما دام النسر على القمم
يعانق مجدك .....سوريا

 
رد مع اقتباس