بسم الله الرحمن الرحيم
______________
لا شيء أجمل من الإخلاص.... و لا شيء أندر من المخلصين دوماً و أبداً ... إنه أنبل الصفات على الإطلاق , و أشحها بين البشر , ربما لأن طبيعة الإنسان تنزع به الى الجحود , و الجحود يبدأ ربما من إعلاء الذات و تقديمها على كل فكرة و معتقد آخر, فلا يبقى في قاع رغبات النفس غير النفس , و هذه هي الفطرة , لكن الفطرة تهذب بالإيمان بالله , بتقديم حبه و رضاه و طاعته و لزوم جانبه على كل مصلحة و رغبة , و لذلك امتدح الله المخلصين , و أحبهم , و جعلهم خاصته و أهل فضله ....
و لنقرأ معا .... لنتأمل دواخلنا , و لنفهم الي أين تنزع بنا هذه النفس في كل حين , و كيف تعتاد التنكر لفضل الله تعالى عليها , فهي تعود اليه بكليتها اذا مسها الضر , و إذا أحدق بها الهلاك , و إذا ضاقت عليها الحياة .... صادقة مؤمنة تقية خاشعة كأن لم تعرض عنه في أي حين .... و يمن الله على من يشاء , تمر كأن لم تدع أحد ... و تجحد كأن لم تؤمن أبداً ...ثم تسرف في الأرض كأن لم يحدق بها الهلاك.... و يملأها الغرور كأن لم تهلك من قبلها القرون .... فسبحان الله ....
" وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (يونس12) "
أرأيتم ذلك ... دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائماً ... فهو يلح في الدعاء ... إلحاح من يؤمن بأن لدى خالقة القدرة المطلقة على الإجابة ... إيمانا لا يخالجه الشك...
ثم ماذا؟؟؟؟
"فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ"
مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه .... لقد رأيت ذلك كثيراً ... رأيته بنفسي طويلاً ... مشهد واحد يتناوب على إعادة تمثيله الجميع ... و سيعيده غيرهم الى أن يشاء الله ...
" وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (يونس21)"
و من أعرض بعد تفريج كروبه فذاك له شأن ,, و لهؤلاء شأن آخر ,, إذا لهم مكر في آياتنا ,,أي إستهزاء و تكذيب ,, فسبحان الله ....
في تفسير ابن كثير : وَفِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ الصُّبْح عَلَى أَثَر سَمَاء كَانَتْ مِنْ اللَّيْل أَيْ مَطَر ثُمَّ قَالَ " هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ اللَّيْلَة ؟ " قَالُوا اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم قَالَ " قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِن بِي وَكَافِر فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته فَذَاكَ مُؤْمِن بِي كَافِر بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَاكَ كَافِر بِي مُؤْمِن بِالْكَوْكَبِ "
و لنكمل معا القراءة :
" هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (يونس22) "
أرأيتم ذلك ؟... دعوا الله مخلصين له الدين ... فهنا تترائى للغريق أن الرحمة هي أغلى من كل شيء ...و من يملك هذه الرحمة يكون هو الأغلى من كل أحد ... و هم يوقنون بأنه لا رب سواه فيدعى و لا إلاه غيره فيرجى ... تعرفها قلوبهم ... فلذلك لم يعدوا بأن يؤمنوا به أو يصدقوه ... بل بأن يكونوا من الشاكرين له ... أي يعبدونه وحده لا يعرضون عن عبادته بعد...
" فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (يونس23)"
سبحان الله .... يا أيها الناس ... إنما بغيكم على أنفسكم ... فلماذا يغركم متاع الحياة الدنيا الي هذا الحد ؟؟؟ الي حد الإغراق فيها و الإعراض عن كل شيء سواها ... أليس الي الله مرجعكم ؟؟
ثم تأتي الآية التالية لتجرد هذه الحقيقة :
" إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24يونس) "
ماء أنزلناه من السماء .... فاختلط به نبات الأرض...
و ماذا بعد ؟؟.... حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ... وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ ..
أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا..... كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ....
فهل ترون أن في ذلك ثمة عبرة ...
[line]
" وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9)
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (هود10)"
[line]
" وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (الروم36)"
[line]
" لا يَسْأَمُ الإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ (49)
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50)
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ (فصلت51)"
[line]
سبحان الله و الحمد لله و لا حول ولا قوة الا بالله ....
اللهم إجعلنا من الحامدين الشاكرين و من عبادك المخلصين ....
...........................
تحية و للحديث بقية بإذن الله تعالى ,
إن كان في العمر بقية...