السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله عليكم
ومرحبا بكم
بداية.. بعد حمد الخلاق العليم
أنا مع القول الذي أوردته في ختام خاطرتي أعلاه للإمام أحمد رحمة الله عليه
يا مَنْ يرومُ تلاوة القرآن * ويرودُ شأو أئمة الإتقان
لا تحسب التجويد مداً مفرطاً * أو مدَّ ما لا مدَّ فيه لِوَانِ
أو أن تشدّد بعد مدِّ همزةَ * أو أن تلوك الحرفَ كالسكرانِ
أو أن تفوه بهمزة متهوِّعاً * فيفِرَّ سامعُها من الغَثَيانِ
للحرف ميزانٌ فلا تَك طاغيا * فيه ولاتكُ مُخْسِرَ الميزانِ
سأضع فقرات متتالية قصيرة من فتح الباري في شرح صحيح البخاري ثم أذكر ما يجول بخاطري
"(باب من لم يتغن بالقرءان)
أشار بهذه الآية إلى ترجيح تفسير ابن عيينة: يتغنى يستغنى،
واحتج أبو عبيد أيضا بقول ابن مسعود " من قرأ سورة آل عمران فهو غني " ونحو ذلك.
وقال ابن الجوزي: اختلفوا في معنى قوله يتغنى على أربعة أقوال.
أحدها تحسين الصوت، والثاني الاستغناء، والثالث التحزن قاله الشافعي، والرابع التشاغل به تقول العرب تغنى بالمكان أقام به.
..
قال في مختصر المزني: وأحب أن يقرأ حدرا وتحزينا انتهى.
..
وذكر الطبري عن الشافعي أنه سئل عن تأويل ابن عيينة للتغني بالاستغناء فلم يرتضه وقال: لو أراد الاستغناء لقال لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت.
عن أبي سلمة عن أبي هريرة " حسن الترنم بالقرآن
" قال الطبري: والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارئ وطرب به، قال ولو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى.
ثم ساق من وجه آخر عن ابن عيينة قال: يقولون إذا رفع صوته فقد تغنى.
...
والعرب تقول: سمعت فلانا يتغنى بكذا.
أي يجهر به.
..
ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم، لأن للتطريب تأثيرا في رقة القلب وإجراء الدمع."
انتهت الفقرات المنقولة من فتح الباري في الباب أعلاه:
ولعل الغالي في تتبع الجمال الصوتي -فضلا عن "غلاة" أهل الألحان والمقامات -ولا يلتفت للمراد من الكلام أصلا:
تلي الكتـاب فأطـرقوا لا خيفة * لكنـه إطــراق ســاه لاهــي
حين يتلى القرءان يفترض أن تنسى-أو تنشغل عن- القارئ وصوته وأداءه، وتنسى المكان وتحيا مع علمك بأنك تسمع كلام الله تعالى، ومع المعاني والعبر والعظات، ومع البراهين والأمثال والحجج والدلالات وربما تتذكر أثرها في واقعك ووقعها على حالك، وحكمها على أعمالك، فتفيق بها وتهتدى معها
التلاوة عبادة، والترنم والتقسيم في حدود الطبع والسليقة يواسي القلب ويجلب الشجن والحنين، ويبرد النفس المكلومة بمصيبة أو بذنب
فمن تسمعه وتقشعر ثم تلين وتطمئن، وتعيش في حياة كأنك كنت ميتا قبلها ونور كأنما سطع على صدرك وعقلك، وروح تدب فيك وعلم يجعل لك فرقانا "روحا من أمرنا" "نورا بهدي به من نشاء" " ميتا فأحييناه"
فيا قارئ القرآن فاطلب ثوابه * وكن طائعا لله في السر والجهر
والأن تعقيبا على بقية التساؤلات
سأكتفي بوضع بعض معالم أحسبها صوابا، نظرا لحبي ألا تصير وقفات التدبر مفصلة تماما، لأني أرى أن الخطأ يظهر بظهور الصواب، دون حاجة للنظر في جزئية قد تصرف المرء عن فهم جسامة الخلل لدى بعض الناس
فأملي أن يرى الناس مشكلة الأمة، ومشكلات أنفسهم-وأنا منهم-بحجمها الحقيقي، وأن يروا كل ما تلاها كتوابع لها، وكنتائج منطقية للبعد عن العروة الوثقى
قد يقول الشخص كلمة مشروعة في ذاتها-وردت في الكتب المباركة- لكن السياق لا يصح
لأنه سياق يفهمها الناس فيه خطأ، أو تؤدي لنصرة مبدأ منكوس
مخالف (والمهم هو روح الموقف الذي أنت فيه وتتكلم فيه بهذه الكلمة ومضمونه
ونتيجته وأثره "في حدود الظاهر"
وبالعكس المهم أن تنظر للكلمة التي في كتب السنة هل قصد بها ما تقوله وتفعله بها الأن؟ وهل هذا هو التطبيق العملي للكلمة، بجمع النصوص الشارحة للتلاوة الطيبة المقبولة، وأدب قارئ القرءان، وحدود الترنم به، ثم النظر في فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وجماهير الصحابة، ثم جماهير السلف في القرون الفاضلة، فهذا هو الجمع المعتد به، لا أن تقتبس قولا فردا من هنا وهناك، وتخالف الجميع معه لهواك)
والعكس قد تكون الكلمة في ذاتها خطأ، لكن الجاهل بمعناها الشرعي واللغوي يقولها قاصدا المعنى غير الممنوع
وهذا لا يعني التغاضي عن الكلمات المرفوضة، لكن يعني النظر لعاقبة الأمر ولجذوره وأسبابه
فالخلل في الفهم أصلا وفي الشخصية المتصرفة،
وفي المنهج الذي تسير عليه وفي الظاهرة التي تحدث أمامنا، وفي طريقتهم في
الاستدلال وفي الرؤية، والتصور الذي يحيونه للإسلام أو الذي يقدمونه عن الإسلام ناقصا بعض أصول، أو مقلوبا في بعض أصول أخرى
أو في تربح بعض الناس من هذا الأمر ربحا معنويا"بالشهرة" أو ماديا بالمال والسلامة وغير ذلك
وقد يكون الخلل في قلب أو تفكير المجتهد، فيؤتى في هدايته
فتعمى بصيرته لأسباب خفية أو علنية يعلمها الله تعالى
وقد يكون في الميزان الذي يزن به، فيكون عقله سليما لكنه وضع خطوطا وحدودا ومعايير، وأقيسة بنيت على مغالطات كبرى
وتكون النتيجة مشكلات هنا وهناك، مع شيء من الصواب هنا وهناك! والحل هنا يكون في النظر لأصل المشكلة وتعاطيهم مع الواقع ومع الدين كله مع الإيمان والإسلام والإحسان وميزان الأدلة، وليس في سقطة هنا أو هناك
والأمور التقديرية الاجتهادية يكثر الاختلاف فيها دون لوم على
أي طرف
ما دام سار وفق الصواب قدر وسعه
لكن قد يلام حين يكون مقدسا في نهجه أشخاصا وأمورا وبعض أشياء ومصالح هي أصلا مصالح غير معتبرة شرعا، وحدد مفاسد وخطوطا حمراء هي أصلا مهدرة شرعا
فيقف ويمسك ويصمت ويتحمس وفق لائحة قلد فيها أو تشبه أو اتبع، وهي لا تطابق المطلوب في واقعنا لكنه أحسن الظن بمن سبقه
أو شاركه فيها
لذا أرى أن ينظر الناظر" والفاعل النادم" لسبب وقوعه في مثلك تلك الأخطاء، ولا ينظر لهذا الخطأ كأنه عثرة لأنه دلالة مرض وليس هو المشكلة الكبرى
وفي هذا الموضوع "في حق المستهترين فقط"
لو كان القرءان لديهم كتاب هداية وتدبر وخشوع وسكينة، مع شيء من الترنم الذي يبرد القلب، وكان كلاما فصلا فرقانا في قلوبهم وحياتهم، لما وصلوا لهذه الصورة التجارية الإعلامية السريعة التي فيها استجداء وتلفيق وتعليب للناس بدلا من الاقناع والتأثير وفيها مخالفات بدلا من الطاعات